العلاقة بين المفكر أو الإعلامي ووطنه هي العلاقة ذاتها بين الجندي في ميدان المعركة وسلاحه؛ إن افترق أحدهما عن الآخر لا جدوى من كلاهما في أرض المعركة. والمشهد في المنطقة العربية مماثل حينما تقرأ الكثير من المقالات والتقارير التي تتنبأ بمستقبل المنطقة عقب صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، هذه القراءات والتوقعات تُنشر مروسة بأسماء أشخاص يدّعون النخبوية في مجال الفكر والسياسة ويستميتون دفاعاً عن خلاصات أفكارهم التي تبشر بعهد من الأمن والأمان للمنطقة في ظل صعود الفيل الأمريكي!

ما يثير السخرية أن تلك النخب التي دائماً تنظِّر للفكر الليبرالي الذي يسع الجميع بأدواته الحداثية العصرانية وتجعل منه مساراً آمناً لحرية الفرد والمجتمع؛ تقف موقفاً متناقضاً من الليبرالية الأمريكية التي وصفت ترمب بالشعبوي العنصري الذي يريد سلب المجتمع الأمريكي حريته لصالح أفكار تعارض تماماً القيم التي سادت أمريكا طوال قرون.

يتساءل المفكر الأمريكي «فرانسيس فوكوياما» في مقالة نشرتها صحيفة فايننشال تايمز: «هل يشهد العالم مع فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأميركية نهاية العصر الليبرالي الذي بدا أنه انتصر في العالم كله بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة؟». فوكوياما الذي أكد أن ترمب سيقود أمريكا إلى الانتقال من القيم الليبرالية التي تأسست عليها لصالح الشعبوية العنصرية وتعزيز القومية البيضاء، قال: «بصفتي مواطناً أمريكياً، لقد روعني، مثل كثيرين آخرين، صعود ترمب. أجد أنه من الصعب أن أتصور أن شخصية مزاجية ستكون قائدة الديمقراطية الرائدة في العالم».

في صحيفة نيويورك تايمز يقول «روس دوثات» مفسراً ظاهرة صعود ترمب في نظر الليبرالية الأمريكية: «عبَّر شق من الليبراليين عن سعادتهم البالغة بما يفعله دونالد ترمب، الذي قد يقضي على ما تبقى من الحزب الجمهوري، أما الجزء الآخر من الليبراليين فهم لا يخفون مخاوفهم من دونالد ترمب الذي قد يدخل البيت الأبيض وهو يحمل معولاً لإحداث مزيد من الدمار لتكون الأمور والأوضاع بذلك أكثر سوءاً وخطورة مما هي عليه الآن.

على عكس ما يأمله الكثير من الكتاب العرب الذين فسروا صعود ترمب على أنه عودة للاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية الذي يمثله التيار الغالب في قيادات الحزب الجمهوري، ويأتي امتداداً للمحافظين التقليديين الذين سادوا في عهد الرئيس دونالد ريغان أو المحافظين الجدد الذين سادوا حقبة جورج بوش الابن، فإن الكاتب في صحيفة واشنطن بوست «روبير كاغان» كتب يقول إن الواقعية التي هي صياغة تأليفية بين المصالح والقيم ضمن توازنات امتلاك الحس التاريخي واتخاذ نهج معتدل أكثر حذراً، فإن مصالح أميركا الحيوية تتطلب الحفاظ على موقعها الريادي في العالم ودفاعها عن قيمها الليبرالية، مع الرفض الكامل لصناعة أي خصومة أيدلوجية قد تؤثر على ذلك.

يقول الكاتب في صحيفة الحياة فيصل العساف في مقالة بعنوان «الله يجيب ترمب»: «شخصياً، متفائل بمجيء ترمب، الأحمر المجنون، الذي استوعب مزاج الأميركيين جيداً... شدوا الأحزمة فنحن على أعتاب ترسيخ جديد لمعنى أن تكون دولة عظمى وسيداً للعالم، ولا عزاء للمتأخرين عنها المنظّرين فقط». لا أعلم المنطق الذي استند إليه الكاتب في استشراف مستقبل «الدولة العظمى» الذي سيقودها «الأحمر المجنون» على حد وصفه، هل هي التصريحات والتهديدات العنترية التي أطلقها وصنع من خلالها أزمات مع الصين والمكسيك وحتى الحلفاء التقليديين لواشنطن من أعضاء حلف الناتو؟! أم التصريحات التي أطلقها دونالد ترمب ولفيف المتطرفين الذين وضعهم كمستشارين ووزراء في حكومته وعلى رأسهم الماروني من أصل لبناني وليد فارس الذي يحفظ التاريخ له جيداً مشاركته في مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني في لبنان عام 1982م، ونفذتها القوات المسيحية اللبنانية بقيادة أمين الجميل!

مشاري الذايدي في صحيفة الشرق الأوسط كتب مقالة بعنوان «وتأتي الرياح بفرص جديدة»، حدد فيها الخاسرين من صعود ترمب وضم في قائمته «إيران الخمينية وجماعة الإخوان، ومن يحالفهما من الثورجية واليسار». إن تقدير الموقف الخاطئ دائماً تنتج عنه قرارات غير حكيمة، لذلك أعتقد أن الكثير من كتاب الرأي في الخليج لديهم قناعة بأن الإمبراطورية الأمريكية التي تمتلك 750 قاعدة عسكرية حول العالم موزعة على 130 دولة يمكن لشخص لتوه خرج من إدارة الشركات التجارية قد يغير دفة وجهتها ويغير من مسار المصالح والمخاسر في سياستها ويعيد ترتيب قائمة حلفائها وأعدائها. في مقطع فيديو نشره حساب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على تويتر في آخر أيام حكمه، كان يجيب عن سؤال لمواطن أمريكي سأله عن كيفية موازنته بين دوره كأب في أسرته ودوره كقائد لأمريكا، أجابه أوباما قائلاً: «أمريكا سفينة ضخمة إذا أردت أن تغير وجهتها تحتاج لوقت كبير وجهد أكبر ولن تستطيع وحدك القيام بذلك».

استخدمت أمريكا إيران في حربها على طالبان في أفغانستان في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستخدمتها في عهد باراك أوباما في العراق وسوريا للقضاء على أي ثورة سنية في البلدين واستثمرتها جيداً في محاصرة المملكة العربية السعودية وافتعال الأزمات معها في اليمن عبر مليشيات الحوثي، وستستخدمها أيضاً في عهد ترمب لاستمرار محاصرة الخليج العربي؛ ليس لأن واشنطن تؤمن بالحلفاء والأعداء بل لأن القاعدة الوحيدة التي تؤمن بها واشنطن لغة المصالح والتوازنات السياسية في المنطقة، قد يكون لدى ترمب الكثير من الكره للمسلمين أو السود أو المكسيكيين وإيمان بفوقية العرق الأمريكي الأبيض كما ورد على لسان «سليل شيتي»، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية الذي قال في تعليقه على قرار حظر دخول المسلمين من ست دول إسلامية إلى أمريكا: «المنطق المعادي للمسلمين الذي يقف وراء هذا الأمر التنفيذي واضح جلي لأي إنسان اطلع على حملة ترمب الطويلة لنشر الخوف بشأن المسلمين».

علي سعد الموسى في صحيفة الوطن كتب يقول: «نحن مع ترمب»، وكذلك تركي الدخيل في صحيفة عكاظ كتب مقالة بعنوان «ترمب فوبيا» والكثير من النخب الإعلامية الخليجية صورت ترمب على أنه هدية إلهية ستخلصهم من الخطر الإيراني و«التطرف الإسلامي»، لكن لماذا لم يطرح أحدهم سؤالاً على نفسه؛ إن كان ترمب سيحمينا فلماذا يترك إيران تنهش لحمنا في كل مكان؟! أليست واشنطن التي عطلت إقامة منطقة آمنة في سوريا لحماية اللاجئين من جرائم مليشيات إيران، أوليست إيران هي التي تشكل مليشيات الحشد الشعبي وتسلحها في العراق وعلى الحدود السعودية تحت مسمع ومرأى المستشارين العسكريين الأمريكيين في العراق. أليس هو نفسه ترمب الذي صرح لموقع (awdnews.com) الألماني في 2 سبتمبر 2015 قائلاً: «علينا حلب المملكة العربية السعودية السمينة قدر الإمكان، وحين يصبح المشايخ الأثرياء عديمي الفائدة، يتوجب علينا مغادرة الشرق الأوسط».

الكاتب في صحيفة الحياة عبد العزيز السويد أحد المفكرين المحليين في السعودية الذين حينما تقرأ له تشعر أنك أمام نخبوية فكرية تحتاجها هذه البلاد وقت المحن، يجيد قراءة الحراك السياسي ويصف بقلمه حقيقة الصراع بين المملكة وخصومها سواء من جهة إيران أو من جهة الغرب في مقالة كتبها بعنوان «أحياناً.. الميدان يا ترمب» قائلاً: «في المحكي الشعبي عبارة تقول: واحد يرقد - أي يجهز الكرة - والآخر يشوط. وهذا هو ما يحدث بين الحزبين والرئيسين الأميركيين، يجهز الجمهوري واقعاً دولياً  - العراق مثلاً - ليقوم الديمقراطي بتخميره ثم يأتي دور الجمهوري مرة أخرى للحصاد».

لا يمكن الحصول على الموقف الأمريكي الحقيقي تجاه المسلمين والمملكة العربية السعودية من تصريحات ترمب أو غيره من ساسة واشنطن، بل فقط من الأفعال التي ستعد بوصلة هذه السياسة، الأمر الآخر أن النخب الفكرية الخليجية والعربية عليها أن تقدر أن الموقف الأمريكي من المملكة مرتبط بقوة موقف المملكة تجاه قضايا العالم الإسلامي، لأنها البوصلة الوحيدة لهذا العالم وقبلة 1.62 مليار مسلم في العالم، لذلك فإن ترمب ومن قبله ومن سيأتي بعده لن يختلف موقفه تجاه المملكة لمجرد شعارات انتخابية أطلقها لإرضاء الناخب الأمريكي، لأن الأمر متعلق بموقف شمولي في العلاقة مع المسلمين وليس ضد الشعب السعودي أو الدولة السعودية، وعلى النخب الفكرية الخليجية والعربية أن ترتقي لهذا المستوى حينما تتحدث عن طبيعة العلاقة بين المملكة وبين الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن علاقة إيران والولايات المتحدة يحددها حاجة الطرفين لبعضهما البعض وهذا الأمر منوط بالدور الذي تلعبه إيران اليوم في سوريا والعراق وفي علاقتها مع تركيا التي تزداد توتراً يوماً بعد يوم، فإيران بالنسبة لواشنطن تؤدي عملاً جباراً في منع صعود قوى سنية في العراق وسوريا قد تمثل خطراً على أمن الكيان الصهيوني كما أنها تقوم بدور كبير في إشغال تركيا عن منطقة البلقان، لذلك ليس سهلاً على صانع القرار الأمريكي أن يضحي بإيران مقابل الحفاظ على تحالفه مع السعودية، كما أن بقاء ذلك التحالف لن يؤثر بالضرورة على العلاقة بين واشنطن والمملكة كون طبيعة المصالح تحدد حاجة الطرفين لبعضهما البعض.