العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكّر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء[1].

للعلماء مكانة في الدين لا تنكر ولهم فضل كبير، فقد جاءت نصوص الشرع متوافرة متعاضدة تعزز مكانتهم وتبين فضلهم فهم من شهود الله على أعظم مشهود به: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْـمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18].

ووعد الله من أطاعه وأطاع رسوله بأن يدخله الجنة ليرافق الأنبياء والعلماء والشهداء في سبيله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِـحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].

وقد خصهم الله تعالى بأنهم أهل خشيته من بين الناس {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. ورفعهم الله درجات فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: ١١].

ورفع الدرجات يدل على عظيم الفضل ويشمل الرفعة المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصّيت، والرفعة الحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة.

قال تعالى: {يُؤْتِي الْـحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] قال مجاهد: يؤتي الحكمة أي: العلم والفقه. وقال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك، أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا ذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه، عالماً بأمر دينه، بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله[2].

 وأمر الله سبحانه نبيه محمداً بطلب الازدياد من العلم فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، قال ابن حجر: «هذه الآية واضحة الدلالة في فضل العلم لأن الله تعالى لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه»[3].

وفي السنة النبوية حشد من النصوص المذكرة بفضل العلماء وعلو درجتهم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء»[4].

ويقول ابن القيم رحمه الله: العلماء في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب[5].

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها[6].

وعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»[7].

والإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر لما عرض لبعض فضائل العلم ساق جملة من الأبواب فمنها: باب طلب العلم فريضة، وباب ينقطع عمل المرء بعد موته إلا من ثلاث ومنها علم ينتفع به، وباب قوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله، وباب قوله صلى الله عليه وسلم الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وباب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، باب تفضيل العلم على العبادة، وذكر فيها أحاديث وآثاراً وأقوالاً للسف، منها: قول قتادة: «بابٌ عن العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول»، وقول مطرف بن عبد الله: حظ من علم أحب إلى من حظ من عبادة.

وذكر باب تفضيل العلماء على الشهداء وذكر فيه قول أبي الدرداء: ما من أحد يغدو إلى المسجد لخير يتعلمه أو يعلّمه إلا كتب له أجر مجاهد.

توقير أهل العلم

لما كان أهل العلم بهذه المنزلة فقد جاء الشرع بتكريمهم وحضَّ على توقيرهم.

فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقّه»[8].

وأخذ ابن عباس بركاب أبي بن كعب رضي الله عنهما فقيل له: «أنت ابن عم رسول الله تأخذ بركاب رجل من الأنصار، فقال: إنه ينبغي للحبر أن يعظَّم ويشرَّف»[9].

وقد بلغ تعظيم العلماء وتكريمهم أن نصّ عليه أهل العلم في كتب الاعتقاد قال أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة: «وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل»[10].

ولا عجب فتعظيمهم من تعظيم شعائر الله، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] «فشعائر الله: أعلام الدين الظاهرة... ومعنى تعظيمها إجلالها والقيام بها وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد... فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله»[11].

وقد تمثل السلف هذا التوقير والتعظيم في مواقف كثيرة امتلأت بها كتب التراجم والتواريخ وتناقلها العلماء تذكيراً بهذا الأدب وتعميقاً لهذا الأصل في القلوب، وتنبيهاً على استعماله لكل سالك.

قال عبد الرحمن بن واقد: رأيت باب مالك بن أنس كأنه باب الأمير[12].

وقال الشافعي: ربما أكون في مجلس الإمام مالك فأصفحّ الورق تصفحاً رفيقاً هيبة له لئلا يسمع وقعها.

وقال الربيع بن سليمان: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلى هيبة له.

ولما بلغ الثوري قدوم الأوزاعي خرج حتى لقيه بذي طوى فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته[13].

وجاء الإمام مسلم إلى البخاري فقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله[14].

وقال إبراهيم بن الأشعث: رأيت سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل مرتين[15].

وإنما جاء الشرع بذلك لما فيه من مصالح عظيمة فإن توقير العلماء أدعى إلى توقير علمهم الذي يحملونه وأقرب إلى أن يحرصوا على بذله للناس فإن التوقير والأدب والتلطف يستدر به العطف والود، كما أن في ازدرائهم وإهانتهم خطراً على المجتمع، ولذا كانت سنة الله في من اعتدى على أهل العلم والصلاح أن يفضحه الله ويكبته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69].

قال الحافظ ابن عساكر: اعلم يا أخي - رحمنا الله وإياك - أن لحوم العلماء مسمومة وسنة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب[16].

ومن الآثار السيئة أن يفقد الناس الثقة في أهل العلم فلا يقبلوا منهم كلاماً ولا فتوى فلا يكون للعلماء دور الريادة في الأمة فيتخذ الناس الرؤوس الجهال المضلين.

وفيه تجرئة للسفلة والسفهاء للطعن في العلماء والتطاول على الشريعة بعد ذلك. وفيه إشاعة للعداوة والبغضاء في المجتمع بما ينتشر من حزبية بغيضة وتنافر وتناحر.

ولذا كان من خطط أعداء الملة ومخربي الأديان «أن يعنوا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين في أعين الناس وبذلك ينجحون في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة في طريقهم حتى يتضاءل نفوذ رجال الدين على الناس يوماً فيوماً»[17].

ولعل ما قد يشاهد من انصراف بعض أهل العلم من نفع الناس وتعليهم من آثار ذلك، خاصة عندما يكون ذلك التقصير ممن لا تغيب عنه مثل هذه الفضائل والمقامات، ولا شك أنه ينبغي للعالم الاقتداء بهدي النبوة في الصبر على الناس، واحتمال الأذى في الحق، واستشعار أنه سبب لتكفير الذنوب، روى ابن عبد البر بإسناده إلى جعفر بن الحسن قال: «رأيت أبا حنيفة في النوم فقلت: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غفر لي، فقلت له: بالعلم؟ قال: ما أضر الفتيا على أهلها، فقلت: فبم؟ قال: قول الناس فيَّ ما لم يعلم الله مني[18].

إلا إننا لا بد أن نؤكد على أهمية توقير أهل العلم، والدفع عنهم، خاصة في الوقت الذي يقوم فيه أهل الفساد بتصويرهم بأنواع الصور المزرية، والأوصاف المؤذية، واتهامهم بأنواع التهم التي تنسب لهم كذباً وزوراً وافتراء، وعندما يتطاول عليهم الأصاغر عقلاً وفهماً وعلماً.

عن إسماعيل بن بشير، قال: سمعت جابر بن عبد الله، وأبا طلحة بن سهل، الأنصاريين، يقولان: قال رسول الله: ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً، في موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته[19].

 


 


[1] جزء من حديث رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله برقم 268 وقال: إسناده ليس بالقوي.

[2] تفسير ابن كثير (1/ 700).

[3] فتح الباري لابن حجر (1/ 141).

[4] أحمد 5/196 (22059)، والدارمي 342، وأبو داود 3641، وابن ماجه 223، والترمذي (2682).

[5] إعلام الموقعين (1/10).

[6] صحيح البخاري 6/236 (5025). وصحيح مسلم 2/201 (1846).

[7] صحيح البخاري 1/27 (71)، وصحيح مسلم 3/95 (2356).

[8] أحمد (5/323)، الحاكم (1/122)، حسنه الألباني في صحيح الجامع 5319.

[9] الجامع لأخلاق الراوي (1/188).

[10] شرح الطحاوية (ص740).

[11] تفسير ابن سعدي (ص538).

[12] تذكرة الحفاظ (1/208).

[13] تهذيب الأسماء واللغات (1/300).

[14] سير أعلام النبلاء (12/433).

[15] سير أعلام النبلاء (8/438).

[16] انظر: نظرات وتأملات من واقع الحياة (ص129).

[17] بروتوكولات حكماء صهيون (ص190) البروتكول السابع عشر.

[18] جامع بيان العلم وفضله 2/ 1127.

[19] أخرجه أحمد 4/30 (16482)، وأبو داود 4884.