معركة الوعي وتغيير المفاهيم هي رسالة الأنبياء التي بها انتصروا في إقرار رسالاتهم، لذا كان لزاماً على من سار في معركة تغيير المفاهيم وتشكيل الوعي الالتزام بالهدي السماوي في ذلك، لكن ثمة مفاهيم ما زالت تشكل سدوداً منيعة وعراقيل في تقدم عملية الوعي وتوسعها.

النبي صلى الله عليه وسلم قضى معظم حياته في تغيير المفاهيم، ولهذا فإننا إذا لم ننتصر في معركة المفاهيم فلن ننتصر في أي معركة أخرى، ولعل ذلك كان واضحاً في تشكيل الوعي طيلة عصر الرسالة.

لا شك في أن النبي الكريم كان محاطاً بجملة من العقول الكبيرة، ولكن العقول في أي عصر وتعاملها مع عملية الوعي نوعان: تحليلية، تحلل ما يلقى إليها من خبر أو معلومة؛ والثانية عقول متلقية، تنقل المعلومة دون تفكير فيها. والرسول الكريم طيلة رسالته كانت عبقريته في تحويل العقول إلى عقول تحليلية لا عقول متلقية وحسب، ولعل ما جاء في الأثر يدل على عظم الثورة الفكرية التي جاء بها صاحب الشريعة، حيث قال: «نضَّرَ الله وجْهَ امرئ سَمِع مقالتي فحمَلها، فرُبَّ حامل فِقْه غير فقيه، ورُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه، ثلاث لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين»[1].

ولا يمكن لأي فصيل أو تجمع أن ينكر أنه جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، لكن المشكلة تكمن في أن أمراض المجتمع الذي يعيش فيه هي الأمراض ذاتها التي تكون داخل أي فصيل، ومجرد الانضمام إلى هذا الفصيل أو ذاك لا تضمن لأحد التخلص من أمراض المجتمع الذي عاش فيه عشرات السنين.

وتزداد الخطورة داخل الفصائل الإسلامية لأنها ترى أنها تركن إلى تقويم ذاتي من خلال الرجوع إلى نصوص الشريعة في تقويم أخطائها وتنسى أن المجتمعات مهما كانت مثاليتها أنها في النهاية بشر ككل البشر، يعتريها ما يعتري أي مجتمع من أمراض، لذا سوف نسلط الضوء على أهم العوائق في مسيرة الحركة الإسلامية.

لعل أي تجمع كائناً ما كان يكون من أولوياته الانتماء للموروث وأنه صاحب خلفية حضارية، وليست ثمة شك أن أي شرف حضاري ينعكس في الانتماء إلى شرعية التمسك بنهج الرسول في تعامله مع القضايا الكبرى، لذا تجد داخل مدارس الإسلاميين في الحركة الإسلامية اهتماماً كبيراً بدراسة السيرة النبوية والاعتناء بها للاستفادة من هديها ورسم الطريق والمنهج لأي مدرسة.

والحق أن السيرة النبوية هي معين لا ينضب من الدروس والعبر، وهي حلقة تاريخية كبرى في التاريخ العام والبوابة الحقيقية لفهم التاريخ الإسلامي.

لكن يأتي مكمن الخطورة في التعامل مع السيرة كأنها عملية متواصلة من المعارك العسكرية المحضة لا تخرج عن الصدام بين الحق والباطل وفي النهاية ينتصر الحق، وهو ترسيم مجحف بحق السيرة المطهرة، ولعل الحافظ ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» كان يشير إلى أن السيرة النبوية ليست تاريخاً عسكرياً وصداماً مسلحاً فقط؛ لذا جزأها إلى ثلاث مراحل: تاريخ الغزوات، والشمائل المحمدية، ودلائل النبوة؛ لتكون الفكرة مكتملة عن صاحب الشريعة وليست تفاريق، وإن كان كل جانب من الجوانب الثلاثة يمثل حلقة هائلة من التجارب في التاريخ العام.

ومن خلال المعايشة لأكثر من ربع قرن داخل الحركة الإسلامية يرى كاتب هذه السطور أن السيرة النبوية تحتاج إلى قراءة جديدة للانعتاق من توظيفها لأفكار وُضعت سلفاً ثم وظفت دروس وعِبَر السيرة النبوية لها لاحقاً بسبب قراءة ضيقة لا تخرج عن طور المرحلية، التي تتحول بعد ذلك إلى أساس في الفهم والتنظير يمتد لعقود طويلة، وتتناقله الأجيال.

القراءة الحركية لأحداث السيرة أدت إلى الاهتمام بالجانب التعبوي العسكري أكثر وكأن السيرة لا يوجد بها إلا المفاصلات والضربات العسكرية.

الجانب الإعلامي في السيرة النبوية:

باستقراء تواريخ جميع غزوات الرسول الكريم العسكرية، وفي القلب منها أمهات الغزوات الكبرى من بدر إلى تبوك، تتبين عبقرية الرسول الكريم في إدارته للدولة وأنه كان يراعي الجانب الإعلامي أكثر من أي جانب آخر لإيصال رسالة مفادها أن الدولة المسلمة الوليدة كيان جديد وريادي.

فعلى سبيل المثال، كانت غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة حيث تنعقد جملة من أسواق العرب في عدن وصنعاء، بل إن اختيار صلح الحديبية والخروج إلى العمرة كان موافقاً لسوق عكاظ أكبر أسواق العرب قاطبة والذي كان ينعقد في منتصف ذي القعدة من كل عام.

وكانت الأسواق وقتها بمثابة القنوات الفضائية التي تبث أخبار الدولة الوليدة بالمدينة والكيان الجديد للعالم، لذا فإن قصر دراسة وتناول الغزوات على الطبيعة الحركية أو النجاح في الإيقاع بالخصم دون القراءة العامة تسببت في أزمة حقيقية ربما كان لها دور كبير في عدم الاعتناء بالإعلام ودراسته دراسة أكاديمية وجادة بما يليق بمتطلبات العصر.

وبمقارنة تاريخ انعقاد الأسواق العامة في جزيرة العرب  تجد أنها تتزامن في الكثير مع انطلاق الحملات العسكرية في عصر الرسالة وأن الرسول الكريم كان يراعي توظيف الإعلام الدولي ليترك لنا درساً واسعاً وليس درساً حركياً قاصراً في التعاطي مع الأحداث.

وإذا استعرضنا المدارس التي اعتنت بتسجيل ونقد التاريخ سواء كانت الفلسفية في تفسيرها أو اللاهوتية أو المدرسة المسماة «التحدي والبطولة» والتي وجهت إليها العديد من المآخذ؛ فإنها كانت تنظر للتاريخ كحلقة عامة وليس مرحلة عابرة.

وفي تقديري إن الحركة الإسلامية يمكن أن يقال أنها نحتت لها مدرسة خاصة بها (المدرسة الحركية)، قرأت من خلالها التاريخ والسيرة النبوية كجزء منه قراءة عامة بعقلية حركية؛ ما أنتج دروساً وعبراً خاصة باتت مسلمات على أنها دروس وعبر للفهم العام وهي في الحقيقة تحتاج إلى عملية انعتاق من هذا المسلك، لأنها قواعد ودروس مرحلية وليست عبرة التاريخ العام.

ففي قضية الاستخلاف، تجد العقل الجمعي للحركة الإسلامية يؤكد ضرورة الابتلاء أولاً لتحقيق النصر مستدلين بقول الشافعي رحمه الله حين سئل: يبتلى الرجل أولاً أم يمكن؟ فقال: لا يمكن حتى يُبتلى. ولكن صار الابتلاء مقروناً بالزج في غياهب السجون وكأنه علامة فارقة ولازمة من لوازم التمكين أن تكون قد مررت من إحدى بوابات السجون، خاصة أن جميع الرموز الإسلامية قد مرت بالتجربة ذاتها ما أضفى قدسية على مرحلة «خلف الأسوار».

في حين أن القراءة العامة للسيرة النبوية كانت تراعي الترشيد في التضحية فما يقوم به فرد لا يؤديه اثنان وهكذا، لذا تنوعت المهام التي قامت بها البعوث والسرايا التي أرسلها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لأداء رسائل ومهمات معينة بين الشخص والشخصين حتى بعث جيشاً كاملاً كمعركة مؤتة.

قضية التمكين:

تأتي هذه القضية كعملية لاحقة لعملية الابتلاء وطالما أن الشخص أو التجمع الإسلامي قد مر بعملية الابتلاء فليس بينه وبين التمكين إلا ضربة معول لو ضربها، وتثبت قراءة الآية الكريمة: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: ٥٥] أحقية الاستخلاف بعد الابتلاء دون النظر أن الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، مع الأخذ في الاعتبار قوله تعالى {مِنكُمْ} أي من بينكم الذين استجمعوا شروط الوعد.

ثانياً: ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم.. فكيف استخلف الله الذين من قبلنا لنسير على نهجهم فننال ما نالوا، وليس بقراءة حرفية لواقعهم.

ثالثاً: الاستخلاف للذين آمنوا وعملوا الصالحات، أما التمكين للذي ارتضاه الله لهم، فالتمكين غاية الذين آمنوا، والاستخلاف مكافأة لهم، فإذا سعينا لتمكين الدين بطريقة شمولية بعقلية الدولة كافأنا الله بالاستخلاف.

رابعاً: الغاية الكبرى من الاستخلاف بل ومن الوجود الإنساني هي عبادة الله، فهذه الرحلة الطويلة الشاقة من مبتدئها لمنتهاها إنما هي لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

وأخيراً: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ...} والخطاب للذين آمنوا، أي من كفر بنعمة الاستخلاف ونعمة الأمن واعتبر أن التمكين له وليس للدين ولم يوفِ بما اشترطه الله عليه {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} والفسق عقوبة إلهية.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن بعض العاملين وخصوصاً في الصفوف الأولى يتشبث بموقعه القيادي، ويستقتل دونه، ولا يتنازل عنه بحال، ويقول: منصب ولانيه الله فلا أدعه، أو قميص ألبسنيه فلا أنزعه! وكأنه معين من قبل السماء! هذا مع أن الزمن قد تغير، والقوة قد ضعفت، ولكل زمان رجاله، كما لكل مقام مقاله، وكثيراً ما يعاب على الحكام تشبثهم بكراسيهم واستماتتهم في الحفاظ عليها بدعوى أنهم الأقدر على تسيير السفينة، فلا يجوز أن يقع دعاة الإسلام فيما ينتقدون به غيرهم وينكرونه عليهم.

 كما لا ينبغي هنا التذرع بمصلحة الدعوة كما تذرع الآخرون بمصلحة الوطن والأمة، فربما كان ذلك من أحابيل الشيطان، وسراديبه الملتوية للدخول إلى قلوب العاملين للإسلام، فإذا هم يسقطون فرائس لحب الذات، وحب الجاه، وحب الدنيا، وهم يحسبون أنهم يخدمون الدين.

وكم من جماعات وحركات أصابها من الطغيان الخارجي، أو من التمزق الداخلي، أو من الفتور والذبول في الفكر وفي العمل، وفقدان المبادرة والتجديد؛ نتيجة لمطامح فرد أو أفراد فيها، أبوا أن يخلوا مكانهم لغيرهم، ناسين أن الأرض تدور، وأن الفلك يسير، وأن العالم يتغير، ولكنهم وحدهم لا يدورون مع الأرض، ولا يسيرون مع الفلك، ولا يتغيرون مع الزمان والمكان والإنسان!

ومن هؤلاء من يحمل نفسه من الأعباء والمسؤوليات فوق ما يحتمله كاهله، وهو في الواقع يسد الطريق على غيره من المواهب الشابة، والكفايات الفتية، التي تستطيع أن تشارك في حمل الأمانة، وأن يكون لها نصيبها من بناء المسؤولية، وإذا كانت الخبرة تنقصهم، فهم يكسبونها بالممارسة، وينضجونها بالمعاناة، وإنما العلم بالتعلم.

 
 


[1] صحَّ من رواية ابن مسعود، التي رواها سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه وأخرجها أحمد والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وغيرهم، وصحَّ من حديث زيد بن ثابت، ورواها أحمد في المسند.