الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

تشهد المنطقة أحداثاً كثيرة متسارعة وأفعالاً تتلوها ردود أفعال؛ الجامع بينها أن الهدف الإستراتيجي واحد؛ وهو منع أو تأخير الانبعاث الإسلامي، وأما الأدوات فمتنوعة ومتباينة، وكانت البداية دراسات مدفوعة الثمن تمهد الطريق لفكرة صراع الحضارات وتحويل أوربا وأمريكا من بوتقة لذوبان الشعوب المهاجرة مختلفة الملل والأصول في الحضارة الغربية التي تتغنى بالحرية والمساواة إلى بيئة نبذ وتصنيف على أسس عرقية ودينية، وبينما كانت البداية خجولة بقوانين حظر الحجاب التي بدأت في فرنسا وانتشرت في بلدان أوربا ببطء، ولم يكن العائق مقاومة الضحايا بل كان التحدي الذي واجههم هو النجاح في تغيير قناعات العامة في الغرب بحيث تتبنى الشعارات المتطرفة، وبدأت حملة تخويف إعلامية واكبتها أعمال مريبة تصب في الهدف نفسه؛ من رسائل مسممة أو متفجرة للسياسيين أو عمليات تفجير أو طعن أو دهس في أماكن عامة لتغذية الخوف ممن يسارع لتبنيها أو تلصق به، والغريب هو الحرص على أن يكون اسم الإسلام حاضراً حتى يتم تحقيق هدف أساسي؛ وهو تغيير مزاج الرأي العام بحيث يكون تبني ما كان يسمى عندهم تطرفاً شرطاً لنجاح الشخصيات السياسية، وبدأت نجاحاتهم بفوز ترمب، ويتوقع تتالي نجاحات الأحزاب اليمينية في أوربا؛ فقد كاد حزب «الحرية» اليميني المتطرف أن ينجح في النمسا، ويلاحظ تقدم كبير للأحزاب اليمينية في كل من فرنسا وهولندا وألمانيا، مما جعل النائب اليميني المتطرف غيرت فيلدرز زعيم حزب الحرية الهولندي يصرح أن السياسيين الذين لا يتبنون طروحاتهم ستسقطهم الشعوب.

والذي أتوقع أن الوقوف في وجه تركيا المسلمة بمشاريعها الداخلية والخارجية سيكون شعار المرحلة القادمة، وسترسل القوى الكبرى أدواتها الصغيرة واحدة تلو الأخرى، وإذا كانوا استعملوا داعش وحزب الله ومليشيات العراق وباكستان وأفغانستان والحرس الثوري والأكراد قبل الدخول المباشر للروس ومن بعدهم الأمريكان في سوريا فإنهم في تركيا قد أرسلوا حزب العمال الكردستاني وداعش وجماعة كولن، وسنرى دخول عملاء جدد على الخط بدءاً بهولندا الصغيرة ومن ورائها ألمانيا والنمسا، بل إنه حتى الدنمارك تنتظر دورها، وكما كانت الثورة السورية كاشفة للعملاء الصغار فكذلك نجاحات تركيا ستكشف لنا المزيد منهم، وأما الكبير فهو آخر المهزومين بإذن الله.