تعد العطور الصناعية أكثر العطور شيوعاً في العالم، وخاصة في بلادنا، لذلك يكثر السؤال عن مدى طهارة هذه العطور، ولمعرفة أحكامها من حيث الطهارة والنجاسة وجب النظر إلى مكوناتها.

 فإذا كانت خليطاً بين نجسين كحيوانية نجسة مع أخرى مثلها أو مع حيوانية نجسة مع مواد نجسة مضافة واستحالت إلى طاهر؛ فهنا اختلف العلماء في حكم طهارة الأشياء النجسة بالاستحالة إلى طاهر؛ حيث ذهب الجمهور[1] إلى القول بالطهارة، وذهب إلى القول بعدم الطهارة أبو يوسف[2] وقول عند المالكية[3] ووافقهم الشافعي فيما كانت نجاسته عينية[4]، ورواية عن أحمد[5].

وأما أدلة أصحاب القول الأول فهي قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ومن السنة ما ورد من الأدلة في طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ، ونحو ذلك.

أما أصحاب القول الثاني فقد استدلوا بكون ما تستحيل إليه المادة هو أجزاء تلك النجاسة فيبقى حكم النجاسة تابعاً لها حتى ولو تغيرت[6].

من خلال الأدلة التي استدل بها الفريقان يمكن ترجيح القول الأول لقوة أدلته، حيث تدل في ظاهرها على طهارة النجس المستحيل إلى طهارة، وكذلك تتماشى مع روح ومقاصد الشريعة.

أما أدلة الفريق الثاني فأقل ما يقال فيها أنه لو استقام لهم هذا القول للزمهم أن يحكموا على جسم الآدمي بالنجاسة لأنه كان في إحدى مراحله دماً، وللزمهم أن يقولوا بنجاسة اللبن لأنه يخرج من بين فرث ودم.

ولهذا أرجح طهارة العطور المصنوعة بخليطين نجسين تحولا بفعل الاستحالة والتصنيع إلى مادة طاهرة.

وأما إذا كانت عبارة عن خليط بين نجسين وبقيت على حالها دون استحالة إلى طاهر فعندها يحكم بنجاستها لبقاء عين النجاسة.

وأما إذا كانت عبارة عن خليط بين طاهر ونجس فعندها ننظر إلى أغلبهما على مكونات تلك العطور فإن كان الغالب هو المواد الطاهرة فلها حكم الطاهر، وأما إذا كان أكثرها هو النجس فعندها يحكم بنجاستها عملاً بقاعدة إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.

لكن تبقى مادة الكحول التي تغلب على كثير من العطور الصناعية، من أكثر المواد إثارة للجدل الفقهي عند الحديث عن طهارة ونجاسة العطور فأقول:

إن الكحول عدة أنواع والذي يستعمل غالباً في صناعة العطور هو النوع الإثيلي، وما دامت هذه المادة التي نتكلم عنها تعتبر مسكرة، فإن الحديث عن طهارتها ونجاستها هو حديث عن طهارة ونجاسة الخمر. وقد اختلف أهل العلم في نجاسة الخمر فذهب جمهور العلماء إلى القول بنجاستها[7].

واستدلوا بالأدلة الآتية:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْـخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، وما رواه البخاري وغيره عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: «يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم قال: أما ما ذكرت من أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها»[8].

وما روى ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر رضي الله عنه كتب إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه بلغني أنك تدلك بخمر والله حرم ظاهر الإثم وباطنه وقد حرم مس الخمر إلا أن يغسل كما حرم شربها فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجس»[9].

وذهب إلى القول بعدم نجاستها ربيعة والليث بن سعد، والمزني صاحب الشافعي، وداود الظاهري[10]، والألوسي[11]، والصنعاني[12]، والشوكاني[13]، ومحمد رضا[14]، وابن العثيمين[15]، وناصر الدين الألباني[16].

واستدلوا بالأدلة الآتية:

أنَّ الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة العين والذات، فكذلك الخمر.

وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحةَ، وكان خمرُهم يومئذٍ الفَضيخَ، فأمَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: ألَا إنَّ الخمر قد حُرِّمت، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرجْ فأَهْرِقْها، فخرجتُ فهرقتُها، فجرَتْ في سِكك المدينة»[17].

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «أنَّ رجلاً أهْدَى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راويةَ خمْر، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: هل علمتَ أنَّ الله قد حرَّمها؟ قال: لا، فسارَّ إنساناً، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بِمَ ساررْتَه؟ فقال: أمرتُه ببيعها، فقال: إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بَيعَها، قال: ففتَح المزادةَ حتَّى ذهب ما فيها»[18]،
وقالوا إن الأصل الطهارة حتَّى يقوم دليلٌ على النجاسة. 

والذي يترجح عندي هو القول الثاني، وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة، والذي استدل به الفريق الأول لا ينهض دليلاً على تنجس الخمر.

 فكون الشيء محرم لا يدل على نجاسته، فهاهما الحرير والذهب محرمان على الرجال ومع ذلك ليسا نجسين إجماعاً، وكذلك السم فهو حرام لكنه ليس نجساً.

أما استدلالهم بقوله تعالى: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] ، فليس المراد بالرّجْس هنا النجس، بل المراد هو الحرام، وحتى ولو سلمنا بأن المقصود هو النجس، فيحمل على النجاسة المعنوية دون الحسية، كما حمل الجمهور قوله تعالى، {إنَّمَا الْـمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]  على النجاسة المعنوية.

وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها فليس لنجاستها - والله أعلم - بل سداً للذرائع؛ لأن وجودها بصحبة شخص اعتاد على شربها، قد يكون سبيلاً لشربها أو بيعها لعمق صلته وارتباطه بها، إذ لو كانت نجسة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليسكت لما سكبوها في السِكك والطرقات، بل كان يُبيِّن لهم ذلك.

وأما حديث أبي ثعلبة الخشني، فأقول إنه يحتمل أن يكون الأمر بغسلها من أجل أنهم يأكلون من لحم الخنزير لا من أجل نجاسة الخمر.

والحديث ليس فيه دلالة ظاهرة على نجاسة الخمر، بل السائل ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم وصف المشركين أنهم يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، ولم يذكر أنهم يأكلون فيها الخنزير ويشربون فيها الخمر، فدل الحديث على أن الأمر بغسلها ليس من أجل نجاستها. والمعروف أن النجاسة لا تثبت بالاحتمال، والنص الذي استدلوا به يتطرق إليه الاحتمال من عدة أوجه، والمقرر في الأصول أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.

أما أثر عمر بن الخطاب مع خالد بن الوليد فقد رواه ابن جرير الطبري (في تاريخ الأمم والملوك 4/204) وغيره، من رواية سيف بن عمر التميمي، والرواية فيها ضعفاء ومجاهيل وأبرزهم من تدور عليه الرواية وهو سيف ابن عمر التميمي، حيث قال فيه ابن معين: ضعيف[19]. وقال أبو حاتم: متروك الحديث[20].

وبناء على ما سبق تقريره، فإن مادة الكحول غير نجسة شرعاً، وعليه فلا حرج شرعاً من استخدام الروائح العطرية التي يستخدم فيها الكحول كمذيب للمواد العطرية الطيارة. والله أعلم.


 


[1] البحر الرائق 1/ 239، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1/50، المهذب 1/ 48، المغني لابن قدامة 1/59.

[2] فتح القدير ج1/139.

[3] مجموع الفتاوى ج21/ 72.

[4] المهذب 1/10.

[5] المعني 1 / 97.

[6] فتح القدير 2/ 139.

[7] بدائع الصنائع للكاساني 1/66، حاشية الدسوقي 1/49،50، الأم للشافعي 1/72، المغني لابن قدامة 9/171، المحلى 1/188.

[8] البخاري رقم 516، مسلم رقم 1930.

[9] تاريخ دمشق لابن عساكر 16/265.

[10] المجموع للنووي 2/563.

[11] روح المعاني 7/15.

[12] سبل السلام للصنعاني 1/50.

[13] السيل الجرار، ص25،26.

[14] فتاوى محمد رضا 4/1591.

[15] الشرح الممتع 1/429-432.

[16] السلسلة الضعيفة 3/452.

[17] البخاري 2464، ومسلم 1980.

[18] مسلم رقم 1579.

[19] تاريخ ابن معين برواية الدوري 2/245.

[20] الجرح والتعديل 3/278.