بينما تغرق الأمة الإسلامية بالصراعات الداخلية والخارجية في الأرض الفلسطينية المحتلة ومنذ نهاية سبعينات القرن الماضي انتهى الغطاء الذي كانت العلمانية قد أسدلته على مشروع الكيان الصهيوني في فلسطين، ليبدأ التيار الديني جهوداً ضخمة للغاية لتغيير وجهة العسكريتاريا الصهيونية، على حساب إضعاف خطاب المواطنة بصفته «الجمهورانية» وانشر خطاب ثيوقراطي يعزز قوة وتأثير الدين على الجيش الذي هو أقوى مؤسسة في الكيان الصهيوني.

استخدم التيار الديني، الذي ينقسم قسمين: التيار الحريدي، والتيار الصهيوني المتدين، عدة وسائل للتغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستغلاً النظام الانتخابي للسيطرة على البرلمان والحكومة.

برغم ضعف تأثير ذلك التيار جماهيرياً إلا إنه نجح في أن يكون رمانة الميزان مع اقتراب موعد تشكيل أي حكومة في الكيان الصهيوني خلال العقدين الأخيرين، هذا الأمر ساهم بشكل كبير في تغيير النظرة تجاه العلاقة بين الدين والدولة، وانعكس على طبيعة الصراع بين العالم الإسلامي والكيان الصهيوني.

اخترق هذا التيار كل مؤسسات الدولة القضائية والإعلامية والاقتصادية والأمنية وفق نسق واضح يهدف إلى مراكمة التأثير والنفوذ، وقد تعمق الدكتور صالح النعامي في شرح انتشار وتغول هذه الظاهرة في كتابه «الجنرال في أثر الحاخام»، الذي نشره «مركز البيان للبحوث والدراسات» بداية العام الحالي، وفي تفصيله عن التيار الحريدي يقول الكاتب إن مرجعياته رفضت فكرة الحركة الصهيونية باحتلال فلسطين وجعلها وطناً قومياً لليهود، لاعتقاد أنصار هذا التيار أن خلاص اليهود وعودتهم إلى أرض الميعاد يتم بعناية إلهية ودون تدخل البشر، وتعتقد مرجعيات هذا التيار أن الحركة الصهيونية تهدف إلى انسلاخ اليهود عن تعاليم الثورة.

بعد نشأة الكيان الصهيوني عام 1948 اقتنع الكثير من مرجعيات التيار الحريدي بالهجرة إلى فلسطين تحت ضغط ظروف الحرب العالمية الثانية، وكذلك فرضية الأمر الواقع، لكنها اشترطت على ديفيد بن غريون رئيس وزراء الكيان الصهيوني في تلك الفترة إعفاء أبناء هذا التيار من طلبة العلوم الدينية من الخدمة العسكرية، لكن مع التنافسية التي خلقتها السياسة أجبر هذا التيار على زرع الكثير من حاخاماته داخل مؤسسات الجيش في الدولة العبرية، حتى أصبح هناك لواء في الجيش خاص بهم يسمى «هناحل الحريدي»، وقد حرصت قيادة الجيش الصهيوني على منع الاختلاط داخل اللواء ومنحهم فرصة لأداء الصلاة وإجازات خلال الأعياد اليهودية.

القسم الآخر من التيار الديني في الكيان الصهيوني هو: التيار الديني الصهيوني، وتميز هذا التيار بالاندماج في مشروع الحركة الصهيونية من بدايته تحت ذريعة أن إقامة «دولة إسرائيل» هي التي تقرب الخلاص اليهودي وتسمح بنزول المخلص المنتظر، واعتبر الحاخام إبراهام إسحاق كوك أن الحركة الصهيونية «حركة خلاصية تساعد على تحقيق نبوءات التوراة».

هناك قاعدة واحدة يؤمن بها التيار الديني في الكيان الصهيوني، وهي أنه كلما احتل الضباط المتدينون المتأثرون بمصادر التفكير الديني اليهودية وفقه الحاخامات وتوجيهاتهم، مناصب عليا في الجيش كلما كان بالإمكان مضاعفة التأثير على دائرة صنع القرار في تل أبيب من خلالهم.

يقول الحاخام إيلي سدان أحد قادة الصهيونية الدينية وصاحب فكرة تأسيس المدارس الدينية العسكرية: «يتوجب علينا عدم الانفصال عن الدولة، بل نحن مطالبون بالوصول إلى كل الأجهزة، الجيش والمخابرات، والجهاز القضائي، حتى نتمكن من تصميم الدولة بشكل مثالي وفق منهجنا».

أحد أبرز المعلقين العسكريين ران أيدليست يقول معقباً على تغلغل التيار الديني: «مؤسساتهم أظهرت قوة احتمال عدو المسافات الطويلة، ويؤمنون بالبقاء الأبدي للأمة اليهودية، لذلك أعدوا أربع طرق من أجل معركة أرض إسرائيل: المستوطنات، والدعم المالي، والتعليم، وترقية رجالهم في الجيش».

قام الجيش في الكيان الصهيوني منذ عام 1948 على أبناء الحركة الصهيونية الذين هم في غالبيتهم من العلمانيين، وقد رأى العلمانيون في الخدمة العسكرية جزءاً من دورهم الرائد في «بناء الأمة اليهودية وبعثها»، لذلك احتكروا خلال عقود النخبة الصهيونية في كافة مؤسسات الدولة.

في بداية الثمانينات ومع تحول اقتصاد البلاد إلى اقتصاد السوق شهد الكيان تحولات اجتماعية واقتصادية مختلفة جعلت العلمانيين يتجهون إلى الأعمال الحرة والنظر إلى الخدمة العسكرية على أنها حمل ثقيل يجب التخلص منه، الأمر الذي سمح للتيار الديني باستغلال تلك المساحة.

من أهم الوسائل التي سرعت في زيادة قوة تأثير التيار الديني في الجيش، قدرته على إقناع الجيش بتدشين المدارس الدينية العسكرية إلى جانب توظيف مدارس دينية كانت قائمة من قبل، وهي تعرف بــ«مدارس التسوية»، وقد بدأ العمل بها في خمسينيات القرن الماضي، وكانت بمثابة مسار للشباب المتدين للانخراط في الجيش، دون أن يكون هناك وراء هذه المدارس فكرة ناظمة تهدف إلى تعميق اختراق الجيش والمؤسسة العسكرية. يشدد الحاخامات القائمون على مدارس التسوية على أن يسهم التعليم بداخلها في زيادة التعبئة الدينية وتعاظم الحماس للخدمة في الوحدات المقاتلة بالإضافة إلى تلقي جرعات مكثفة من التعليم المتعلق بالشريعة والفقه اليهودي، ويبلغ عددها 42 مدرسة منتشرة في الكيان الصهيوني.

الوسيلة الأخرى التي ابتدعها الحاخامات للسيطرة على الجيش هي الأكاديميات الدينية قبل العسكرية، وبخلاف «مدارس التسوية» فقد تقرر فيها تخفيف جرعات الفقه التوراتي والتركيز على دراسة أجزاء من التلمود والتراث اليهودي الذي يبعث الحماس القومي المستند إلى الدين. ويبلغ عددها 12 أكاديمية قبل عسكرية معظمها في المستوطنات اليهودية.

يشكل المتدينون الصهاينة حوالي 40% من الضباط القتاليين في الجيش، برغم أن تمثيل التيار الصهيوني لا يتجاوز 10% من تعداد المستوطنين. وترتفع نسبة تمثيل هذا التيار في ألوية المشاة والمختارة والوحدات الخاصة إلى 50%.

ويستدل من نتائج بحث أعده ضباط في الجيش أن عدد الذين ينتمون للتيار الديني الصهيوني قد تضاعف إلى 12 مرة خلال العقدين الماضيين، فقد ارتفع من 2.5% عام 1990 إلى 31.4% عام 2007.  يبين تقرير نشرته المجلة العسكرية الصهيونية «بمحانيه» أنه منذ مقتل رئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابين ارتفع نسبة الجنود المتدينين من 12% إلى 37% خلال السنة الأخيرة.

ولعل من أوضح مظاهر تعاظم تمثيل المتدينين في الجيش، الانقلاب الذي شهدته التركيبة القيادية في وحدة «شيلداغ» الوحدة المختارة لسلاح الجو، التي يبلغ المتدينون فيها ثلثي قادة الأطقم، الأكثر سرية في جيش الاحتلال.

وتشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2025 سيصبح معظم أعضاء هيئة أركان الجيش من المتدينين، وهذا الأمر يؤكده قائد المنطقة الشمالية السابق في الجيش الصهيوني موشيه كبلينسكي.

سعى التيار الديني إلى التسلل إلى المواقع القيادية في أجهزة المخابرات الصهيونية مثل جهاز «الشاباك» الذي يتولى تقديم تقديرات إستراتيجية لدوائر صنع القرار السياسي، بالإضافة إلى جهاز «الموساد» الذي يلعب دوراً مهماً في بلورة السياسيات الخارجية للكيان الصهيوني. وفي تحقيق نشرته صحيفة «هأرتس» للصحافي أمير أورن أكد أنه من أصل أربعة قادة كبار في «الشاباك» فإن هناك ثلاثة من أتباع التيار الديني.

وفي جهاز «الموساد» الذي يتربع على عرش قيادته المتدين يوسي كوهين، فقد قام بتعيين حاخام بوظيفة كاملة لتقديم «الرأي الفقهي» في العمليات السرية التي ينفذها الجهاز.

بالنسبة للمتدينين الصهاينة لا يتوقف الأمر على المدارس العسكرية لمواصلة اختراق مؤسسات الجيش، بل إنهم يولون أهمية كبيرة لعملية التثقيف داخل الجيش من خلال مؤسسة الحاخامية العسكرية، التي تمثل أهم مؤسسة دينية داخل الجيش، ومهمتها تعبئة الضباط والجنود من ناحية دينية داخل قواعدهم. وتشرف هذه المؤسسة على المئات من الحاخامات العسكريين الذين تقتضي مهمتهم الرئيسة ألا يتم انتهاك الشريعة اليهودية أثناء الخدمة العسكرية.

ويقود هذه المؤسسة حاخام ضابط برتبة عميد ويكون عضواً في هيئة أركان الجيش الصهيوني، يقول الحاخام بنيامين مخلوف، حاخام المنطقة الشمالية في الجيش إن قائد أي كتيبة ليس بوسعه التحرك أي خطوة بدون حاخام الكتيبة. يقر سلاح التثقيف في جيش الاحتلال أن 80% من الأنشطة التثقيفية التي تنظم للجنود تتم خارج القواعد العسكرية وتشرف عليها منظمات يهودية دينية ذات أجندة سياسية وأيدلوجية بالغة التطرف.

لدى التيار الديني في الكيان الصهيوني مبررات كثيرة للزج بأنصاره داخل المؤسسات العسكرية أبرزها تقديس الحرب وتسويغ اعتماد الخيارات العسكرية في مواجهة  العرب، وبهذا الصدد يقول الحاخام شلومو أفنير الذي كان يشغل منصب مدير مدرسة دينية عسكرية «الحرب مأساة فرد، إلا إنها نعمة للأمة».

في حرب لبنان الأولى عام 1982 قامت الحاخامية العسكرية بتوزيع خريطة لبنان على الجنود مكتوب عليها أسماء المدن اللبنانية كما وردت في التلمود، وحثتهم على الاستبسال في الحرب لتحقيق الوعد التوراتي المتمثل في إقامة مملكة إسرائيل من نهر الفرات إلى حوض البحر المتوسط.

تكمن الغاية الرئيسة للتيارات اليهودية من حراكهم الحالي ودفع عناصرهم باتجاه الجيش في الدفع باتجاه تأسيس دولة دينية صرفة، يكون فيها الفصل لتعاليم التوراة وتوجيهات المرجعيات الدينية، وقد عبر عن ذلك بوضوح الحاخام إيلي سدان من خلال مقال طالب فيه بتأسيس «دولة اليهود»، في إشارة إلى عدم اعترافه بالوضع الحالي للنظام السياسي في الكيان، لذلك فإن الكيان الصهيوني يعيش مرحلة مخاض عسيرة جداً تتمثل في انتقال نظامه من نظام علماني مدني إلى أوتوقراطي يحكمه مجموعة حاخامات.