إن الله تعالى جعل للأبناء حقوقاً على آبائهم وأمهاتهم وخوّفهم من تضييعها، ومن هذه الحقوق تسمية المولود، فعن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه، ويُسَمَّى»[1].

وقد أُمِرَ الوالدان باختيار الاسم الحسن لابنهما، فعَنْ أَبِي الدرْدَاءِ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ»[2].

والمقصود بالاسم الحسن: أسماء الصالحين حتى يستشعر صلاح من تَسَمَّى باسمه طوال حياته فينهج نهجهم ويكون أكثر ميلاً واستعداداً لاقتفاء أثرهم، أو الأسماء ذات المعاني الطيبة في حد ذاتها، فيقترن بالولد طيب المعنى، وأن يعبر الاسم عن هوية الابن الإسلامية الأصيلة.

واليوم لا يخفى ما نراه من فوضى الأسماء المائعة أو تلك التي يكون معيار الاختيار فيها على الجَرْسِ والجمال الصوتي، وهي تمثل مظهراً من مظاهر التخلي عن هويتنا وأصالتنا الإسلامية، خاصةً إذا كان المربي يستحسن حداثتها ومناسبتها للعصر، ويرى أن أسماءنا الإسلامية صارت عتيقة لا تناسب الأبناء، بل قد تسبب لهم حرجاً بين زملائهم وأقاربهم!

إن ذلك يعكس خللاً واضحاً في قيم التربية على الاعتزاز بالدين وتأكيد الهوية الإسلامية لدى المربين الذين لم يجدوا غير أسماء الفنانين ولاعبي الكرة ليطلقوها على أبنائهم، فيظل الولد طوال حياته يعيش في دائرة التأثر بصاحب أو صاحبة الاسم، وغالباً ما يقلده ويحاكيه بعد ذلك ويتخذه مثلاً وقدوة.

القرآن والسنة يوليان اختيار الأسماء عناية فائقة:

يعلمنا الله تعالى ويهدينا في القرآن الكريم إلى شدة الارتباط بين الاسم والمعنى، وأن أثر الاسم قد ينطبع على صاحبه طوال حياته، ومثال ذلك: لما سأل نبي الله زكريا ربَّه ولداً صالحاً يرث النبوة والعلم من بعده، أجابه الله تعالى ورزقه الولد وسمّاه الله تعالى باسم يناسب ذلك، قال تعالى: {يَا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: ٧]، قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان[3].

وهذه المرأة الصالحة امرأة عمران اختارت لابنتها اسماً يتناسب مع الرسالة التي نذرتها من أجلها طيلة حياتها وهي الانقطاع للعبادة، فاسم مريم يعني العابدة أو خادمة الرب في لغتهم[4]. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم»[5].

وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يشتد عليه الاسم القبيح ويكرهه من مكان أو قبيلة أو جبل أو شخص ومن تأمل معاني السنة وجد معاني الأسماء مرتبطة بمسمياتها حتى كأن معانيها مأخوذة منها وكأن الأسماء مشتقة منها، ألا ترى إلى خبر «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»[6].

بل إن العقلاء قبل الإسلام كانوا يستشرفون المعاني العظيمة في ما يتخيرون من أسماء أبنائهم، ويدركون أن للاسم أثراً قوياً في شخصية صاحبه، وأن معناه لا بد سينطبع على سلوك الابن وردود أفعال المحيطين به، ومثال ذلك ما ورد عن عبد المطلب جد نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي الأثر عن أبي الحسن التنوخي: «أنه لما كان يوم السابع من ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عنه جده ودعا قريشاً، فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب: ما سميته؟ قال: سميته محمداً، قالوا: لم رغبت عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء وخَلْقُهُ في الأرض» (رواه البيهقي).

ولما وقفت حليمة السعدية على عبد المطلب تسأله رضاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لها: مَن أنتِ؟ قالت: امرأة من بني سعد، قال: فما اسمك؟ قالت: حليمة، فقال: بخٍ بخٍ، سعد وحلم، هاتان فيهما غناء الدهر[7].

وما أحسن ما أورده ابن القيم - رحمه الله - في «تحفة المودود» حيث قال: «وبالجملة فالأخلاق والأعمال والأفعال القبيحة تستدعي أسماء تناسبها وأضدادها تستدعي أسماء تناسبها، وكما أن ذلك ثابت في أسماء الأوصاف فهو كذلك في أسماء الأعلام وما سمي رسول الله محمداً وأحمد إلا لكثرة خصال الحمد فيه، ولهذا كان لواء الحمد بيده وأمته الحمّادون وهو أعظم الخلق حمداً لربه تعالى، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحسين الأسماء فقال: (حسِّنوا أسماءكم)، فإن صاحب الاسم الحسن قد يستحيي من اسمه، وقد يحمله اسمه على فعل ما يناسبه وترك ما يضاده؛ ولهذا ترى أكثر السُفَّل أسماؤهم تناسبهم وأكثر العِلْيَة أسماؤهم تناسبهم وبالله التوفيق».

اسم المرء عنوان هويته:

فالاسم ذو الملمح الإسلامي يكون بمثابة الإقرار على أن صاحبه من أهل الإسلام، وليس ذلك فقط - بل من المعتزين بإسلامهم، الفخورين بهويتهم الإسلامية، ولذلك أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفضل الأسماء التي تعبر بوضوح عن هويتنا وعقيدتنا ومبادئنا، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ»[8]. 

فأحب الأسماء إلى الله تعالى ما تقرر حروفه أن صاحبه عبدٌ لله تعالى، فيظل صاحبه مستحضراً طوال الوقت معاني العبودية خاضعاً لمولاه جل وعلا، وكذلك أسماء الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام، يظل صاحبها مستحضراً سيرة النبي الذي يحمل اسمه، وما قدّم وبذل من أجل إبلاغ الرسالة وإعلاء كلمة الحق والدين.

خاصية التوجيه الذاتي في الاسم واللقب:

أكد علماء التربية أن اسم الولد ولقبه أو كنيته التي يناديه بها والديه ومربيه على وجه الخصوص، يكون لها أثر كبير في تشكيل وبناء شخصيته سلباً أو إيجاباً بحسب نصيبه من الأسماء والألقاب الحسنة والإيجابية.

وقلّ ما أَبْصَرَتْ عيناك ذا لقبٍ

إلا ومعناه إن فكرت في لقبه

ولا يكفي أبداً أن يتمتع الاسم بقالب عصري وجرس موسيقي، أو أن يعبر عن العادات الاجتماعية، مثل الولاء لاسم الجد والجدة، ولكن لا بد أن يعبر عن هوية الابن الإسلامية أولاً إلى جانب المعاني الراقية والفأل الحسن.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير أسماء بعض الصحابة لما فيها من سوء المعنى، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية وقال: «أنت جميلة»، ونهى عن الأسماء التي فيها من التزكية ما قد يدعو صاحبها إلى الكبر والعجب، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي «بَرَّة»، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت «برة»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم»، فقالوا: بم نسميها قال: «سموها زينب»[9].

وكان صلى الله عليه وسلم يتفاءل في أمر الدين والدنيا بالأسماء ذات المعاني الحسنة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما جاء سهيل بن عمرو يوم صلح الحديبية: «سهل أمركم».

وقوله لبريدة لما سأله عن اسمه فقال: بريدة. قال: «يا أبا بكر، برد أمرنا»، ثم قال: «ممن أنت؟»، قال: من أسلم، فقال لأبى بكر: «سلمنا»، ثم قال: «ممن؟» قال: من سهم. قال: «خرج سهمك»[10].

أسماؤنا.. كم تزعجهم!

أعزائي.. قد لا يتخيل المربي مدى الانزعاج والرعب الذي تثيره أسماء أطفالنا الإسلامية الأصيلة في نفوس أعدائنا، فلننتقل سريعاً إلى الشرق البوذي الملحد، حيث الأقليات المسلمة الأكثر اضطهاداً في شرق آسيا، ماذا تمثل أسماء المسلمين للحكومات الملحدة هناك؟ لنطالع هذا الخبر: «الصين تحظر 22 اسماً على المسلمين بينهم صدام وسيف الدين وخديجة وعائشة!»، وجاء فيه: «نقل تقرير لراديو آسيا عن مسلمين في إقليم شينجيانغ ذي الأغلبية المسلمة قولهم إن السلطات في شمال غرب الصين أبلغتهم أن الهدف وراء تغيير الأسماء هو محاولة الحد من التطرف بين السكان الإيغور في المنطقة، وهددت بعدم السماح لأطفالهم الذين يحملون هذه الأسماء بالذهاب إلى المدرسة ما لم يغير آباؤهم هذه الأسماء»[11].

يعكس الخبر كيف يدرك هؤلاء الكفار على اختلاف مشاربهم، اعتزاز المسلمين بأسمائهم الإسلامية، وأن إطلاقهم لتلك الأسماء على أبنائهم جزء لا يتجزأ من التربية الإسلامية الموجهة، وله ما بعده في مستقبل هؤلاء الأبناء، وله تأثيره أيضاً على غير المسلمين من المخالطين لهم في المجتمع.

وفي الوقت ذاته تشير الإحصائيات إلى صعود الأسماء الإسلامية الأصيلة في الغرب المسيحي، وفي بريطانيا تحديداً حيث تتميز عن كثير من دول أوربا بتوفر مساحة كبيرة من الحرية الدينية للأقليات، يقول الخبر: «محمد أكثر أسماء المواليد شيوعاً في بريطانيا»، حيث تفوق اسم «محمد» على اسمي «جاك» و«أوليفر» ليتصدر قائمة أسماء الذكور الأكثر شيوعاً في بريطانيا، حسبما أظهر مسح سنوي.

وكان الاسم الأسرع صعوداً في قائمة أسماء الإناث هو «نور»، ليلحق باسم آخر للإناث المسلمات وهو «مريم» في قائمة المئة اسم الأكثر شيوعاً. وتراجعت أسماء أفراد العائلة الملكية في القائمة، حيث لم يعد «تشارلز» و«ويليام» و«هاري» وحتى «جورج» بين الأسماء الأكثر تفضيلاً[12].

ولا يخفى ما يعكسه هذا الخبر من تمسك المسلمين هناك بكل ما يعبر عن هويتهم وأصالتهم ومن ذلك أسماء أبنائهم.

وأخيراً، إن على المربين أن يأخذوا بكل وسيلة تسهم في صياغة شخصية الأبناء على النسق الإسلامي الأصيل، وأن يعطوا تسمية الأبناء حقها من الاهتمام، فأسماء الأبناء تعمل بشكل كبير في تثبيت هويتهم الإسلامية المستهدفة بشكل كبير، ولتسهل عليهم غرس القيم والمعاني العظيمة التي يحملها الاسم والتي من المفترض أنها كانت مقصودة سلفاً من الوالدين.

ولنطرح جانباً الأسماء ذات بالمعاني الهابطة أو التافهة، أو بحسب الجرس الموسيقي، فما هي إلا إحدى صور استلاب هوية أبنائنا الإسلامية وهذا ما نرفضه شكلاً وموضوعاً.

ولتكن أسماء أبنائنا، هي الأسماء التي تعبر عن هويتنا، وتبشر من يلقاهم ويتعرف عليهم بالخير القادم على أيديهم بإذن الله تعالى.


 


[1] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

[2] رواه أبو داود بإسناد جيد.

[3] ابن كثير، ج2ص38.

[4] القرطبي، تفسير سورة آل عمران: 36.

[5] رواه مسلم، كتاب الفضائل، 2315.

[6] المناوي في فيض القدير (1/306).

[7] جمال عبد الرحمن: «أطفال المسلمين كيف رباهم النبي صلى الله عليه وسلم؟».

[8] رواه أبو داود (4950)، وصححه الألباني.

[9] أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه.

[10] أورده الألباني في الضعيفة (4112).

[11] صحيفة الخبر الإلكترونية، في 27 سبتمبر 2015م.

[12] جريدة الرياض، 2 ديسمبر 2014م، العدد 16962.