الفاروق أبو حفص، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي، هو ذلك الرجل العظيم الذي يعد من أقوى رجال التاريخ شكيمة، وأشدهم بأساً، وأسدهم رأياً، وأبعدهم نظراً، وأعفهم نفساً، وأطهرهم ذمة، وأنقاهم ذيلاً. فحياته جديرة بأن تدرس درساً وافياً دقيقاً؛ إذ كان مثال الشهامة واليقظة والعدل، والإنصاف، والسهر على الرعية، والزهد والتقشف والاستماتة في إيصال الخير إلى كل فرد من أفراد الرعية، لا يحابي كبيراً أو غنياً أو قريباً ولا يستصغر شأن صغير أو فقير[1].

شخصية الفاروق

عرف عمر بن الخطاب في شبابه بالشـدة والقـوة، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه، إذ كانت له السفارة في الجاهلية، وأسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية، وفرق الله تعالى بإسلامه بين الحق والباطل، وشهد جميع الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل، صاحب الفتوحات، وأول من لقب بأمير المؤمنين. وقد استمرت خلافته عشر سنين، تم فيها كثير من الفتوحات والإنجازات المهمة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهادهم، وكان قوياً في الحق لا يخشى فيه لومة لائم[2]، وكان الفاروق طويلاً مهيباً، كأنه راكب والناس يمشون[3]، ومما روي في فروسيته رضي الله عنه أنه كان يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى ويجمع جراميزه باليسرى (أي يرفع ما ينتشر من ثيابه) ويثب على فرسه فكأنما خلق على ظهره[4].

إن عمر بن الخطاب، عبقري من الذين لا يعدون في الزمن الواحد بأكثر من آحاد، قوي الجسد، بائن الطول، تملأ هيبته القلوب، هيبة من قوة النفس قبل أن تكون من قوة الجسد، تشهد العيون أنه معدن العظمة وقوة العبقرية ومتانة التكوين. عادل لأنه قوي، ومستقيم لأنه عادل، وحازم لأنه مستقيم، بطل إذا واجه الأنداد، رحيم مع الضعفاء، يرق للأرملة، وينفخ النار ويحمل الدقيق، ويرحم يهودياً ضريراً، فيأمر له بما يكفيه من بيت المال، يعطف على البهيم الذي لا يحسن الشكاية، ويضرب رجلاً لأنه يُحمّل جمله ما لا يطيق. قوي النفس، بالغ فى القوة النفسية، غيور على الحق، جياش العاطفة، شديد الشكيمة، فطن عليم بخبايا النفوس.. فراسة تكشف الخفايا وتستخرج المعاني، ضرب من استيحاء الغيب واستنباط الأسرار، عادل مفطور على العدل، شديد في الله بلا هوادة، مهيب رائع المحضر.. مفتاح الشخصية هو طبيعة الجندي بكل أبعادها من شجاعة وحزم وخشونة وغيرة ونجدة ونخوة وطاعة ونظام. يصلي فيسوي الصفوف، ويرى الناس متفرقين في المسجد فيأمرهم بإمام واحد، ويحمل الدرة ليذكر المخالفين بهيبة القانون. سمت عسكري بالفطرة، وليس بالأسوة والتعليم، يأمر بتعلم الرمي والسباحة والفروسية والمصارعة. ويقول: إياكم والسمنة، ويأمر بالجد ويمشي شديد الوطء، جهوري الصوت كما يمشي الجنود، يعيش في دنياه عيشة المجاهد، فيؤثر الزهد وعيشة الكفاف، ويقف بين يدي الله وقفة جندي يؤدي الحساب، ذلك هو الجندي فى طبيعته المثلى، الفاروق الذي لهجت بعدله الأجيال[5].

الفاروق قائداً عسكرياً

من المعلوم أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان من أعدل الخلفاء وأجرأهم في نصرة الحق وإغاثة المظلوم، ولكن الشيء غير المعلوم عنه، أو الذي لا يعلمه إلا ندرة من الباحثين، هو موهبته العسكرية، بل الإستراتيجية إذا صح التعبير، لأنه كان يسيِّر جيوشه لتحقيق أهداف معينة ضمن خطة إستراتيجية محددة[6].‏ وقد قام عمر بخلافته أتم قيام وجاهد في الله حق جهاده فجيش الجيوش وفتح البلدان ومصر الأمصار وأعز الإسلام[7].

ولذلك: لم يكن مفهوم «فن الحرب وإدارتها» عند أمير المؤمنين عمر منفصلاً أو مستقلاً أو معزولاً عن إدارة الدولة، أو سياسة المجتمع، ولكن، وبرغم ذلك، فقد تميز بمجموعة من الظواهر التي أضفاها أمير المؤمنين بما توافر له من قدرة على الإبداع. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن هذه الإدارة وتلك السياسة لم تكن إلا استمراراً، لما سنه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وسار على نهجه الخليفة الصديق رضوان الله عليه. وإذن، فإن كل ما فعله الفاروق عمر هو تطوير ذلك البناء الذي وضع الرسول الأعظم قواعده وأرسى أسسه على الخير والحق والعدل وعلى أجمل ما في الوجود من القيم والفضائل[8].

ولقد استفاد المسلمون كثيراً من معاركهم مع أعدائهم. ولقد ظهر أول تطور في هذا المضمار (فن الحرب) أثناء معركة اليرموك الخالدة.. ثم أخذ التطور أبعاده الحقيقية على أيدي أمير المؤمنين عمر، حيث عمل على استخلاص الدروس من تجارب الحرب، وتطويرها في إطار شامل، مع المحافظة على خصائص العرب المسلمين وفضائلهم الحربية. وبكلمة أكثر وضوحاً فقد ضمنت تجربة أمير المؤمنين عمر في التعليم من مدرسة الحرب كل الشروط الضرورية للتعلم والتطوير، وفي الواقع فقد كان التعلم من مدرسة الحرب وتجاربها، كان مفتوحاً أمام جميع القادة، غير أن الفائدة من هذا التعليم كانت ستبقى شخصية ومحدودة لو لم يتداركها أمير المؤمنين عمر فيطورها بشكل شامل، ويغني بها المذهب العسكري الإسلامي[9].

وإذا كانت الدولة الإسلامية في زمنه تضاعفت مساحتها عما كانت في زمن سلفه أبي بكر، وإذا كانت المعارك التي خاضها العرب في عهده أغلبها معارك ظافرة، فإن السبب في ذلك لا يرجع إلى عبقرية قادة جيوشه فقط، وإنما إلى خططه الرائعة ووصاياه الحكيمة والشاملة أيضاً التي تنم عن ذهنية موسوعية ووقادة[10].

لقد كان دور أمير المؤمنين عمر في الإصرار على وضع العقيدة القتالية الإسلامية موضع التطبيق العملي في كافة الظروف، ومهما كانت عليه هذه الظروف من الغرابة والتعقيد. ويظهر ذلك بشكل واضح في كافة التعليمات والأوامر والتوجيهات التي أصدرها أمير المؤمنين عمر طوال فترة حكمه[11]. وبهذه الدراية الواسعة بالحرب فتح الفاروق العراق والشام ومصر وأرمينية وكل إمبراطورية فارس، حتى قيل إن الرقعة التي فتحها لو تمت لعشرة خلفاء في عشرة أمثال خلافته لعدوا من الفاتحين[12].

أهم آثاره في تدبير الجيش

خلف الفاروق عشرات الوصايا والتوجيهات في مجال تدبير الجيش وفي مختلف المجالات وتتضمن خلاصة تجربته وموهبته في الفن والعلم العسكري، وفي مختلف الشئون الحياتية. وتوجيهاته في مجال تدبير الجيش لا يستغني عنها أي قائد عسكري في أي زمان. وهي تكشف بوضوح عن جانب من جوانب شخصيته القيادية. وكانت توجيهاته مصوغة بعبارات مسبوكة محبوكة ملؤها البلاغة وسحر البيان[13]. وهو من أعظم رجال الدنيا بشهادة رسول الله والصحابة ورجال التاريخ من عرب وعجم[14].

فإلى جانب وصيته في القضاء التي ما زالت مبادئها صالحة للتطبيق حتى اليوم في مجال أصول المحاكمات والإثبات والبينات، هناك وصايا مشهورة له في مجال تدبير الجيش، ويأتي على رأس هذه الوصايا ثلاث:

1- وصيته إلى سعد بن أبي وقاص عندما وجهه لفتح العراقين في أصول التعبئة والمسير باتجاه العدو.

2- وصيته إلى أبي عبيدة بن الجراح في قوانين الحرب الواجب التقيد بها في مجال التعامل مع العدو.

3- وصيته إلى قادة الفتوح عند تسليمهم الأعلام بخصوص أخلاقيات الجند[15].

وسنكتفي هاهنا بأهم ما تضمنه كتابه للقائد سعد بن أبي وقاص عندما وجهه لفتح العراق سنة 13هـ، وما تضمنه من نصائح عسكرية قيمة، فهو بمثابة توجيهات صادرة من القائد الأعلى إلى قائد الجيش الميداني، فإنه يبين مدى روعة وعظمة تطور الفن العسكري الإسلامي مقارنة بمفاهيم الحرب الحديثة[16].

كتابه إلى سعد عندما وجهه لفتح العراق

1- الهدف والغاية:

«أما بعد، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما يُنصَرُ المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم. فإذا استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنْصَر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظةً من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، فلن يُسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً، اسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم اسأل الله ذلك لنا ولكم».

2- القدرة على المسير:

«وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشمهم مسيراً يُتعبهم، ولا تُقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم يُنقص من قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع».

3- الوقفات والراحات:

«وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يُحيون فيها أنفسهم ويرُّمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونحِّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يَرْز أحداً من أهلها شيئاً فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها فما صبروا لكم فتولوهم خيراً، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح».

4- الاستطلاع والأدلاء:

«وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم. وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه، والفاش عين عليك وليس عيناً لك».

5- عناصر الأمن والمفارز:

«وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم وتنق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل فإن لقوا عدواً كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد، لا تخص بها أحداً بهوى فيضيِّع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك. ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه غَلَبَة أو ضيعة أو نكاية».

6- القتال التصادمي:

«فإذا عانيت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال حتى تُبصر عورة عدوك وتقاتله وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها فتصنع بعدوك كصُنعه بك، ثم أذْكِ أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك، والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم وهو المستعان».

ولم يكن كتاب عمر السابق هو آخر توجيهات أمير المؤمنين إلى قائد جيشه سعد بن أبي وقاص، وإنما تبادل معه أكثر من سبع رسائل حتى التحم سعد بجيشه مع الفرس في معركة القادسية[17].

وختاماً:

إن عمر يصرخ - في هذا الكتاب - من عالم الخلود بهؤلاء الذين يريدون أن يتسابقوا مع الكيان الصهيوني في السلاح، حتى يكونوا أقوى منه عدة.. يصرخ بهم ويقول: لا تنسوا السلاح الذي هزمنا به كسرى وقيصر، وهما أعز من شاريت وبن غوريون، وفتحنا به الشام والعراق، وقد كانا يومئذ أمنع من الكيان الصهيوني اليوم، إنه سلاح العقيدة.

 


 


[1] محمد رضا، الفاروق عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط4، 1407هـ - 1987م، ص6.

[2] الفاروق عمر بن الخطاب: (  https://goo.gl/ogGbYa ).

[3]الدكتور علي البدري، قبس من بلاغة الفاروق، بحث منشور على الإنترنت:

 (  https://goo.gl/ao51Vy ).  

[4]  محمد رضا، مرجع سابق، ص10.

[5] د. أيمن الجندي، إسلاميات العقاد.. عبقرية عمر ، المصري اليوم، عدد 1911، الأحد 6 سبتمبر 2009: (https://goo.gl/FXFCxG ).

[6] د. إحسان هندي، رسائل عمر بن الخطاب في تدبير الجيش، مجلة التراث العربي، مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب، دمشق العدد 57، السنة 15، أكتوبر 1994.

[7] محمد رضا، مرجع سابق، ص49.

[8] بسام العسلي، الفاروق القائد، سلسلة مشاهير الخلفاء والأمراء (2)، دار النفائس، ط1، 1405هـ- 1985م ص16-17.

[9] المرجع السابق، ص161-162.

[10] د. إحسان هندي، مرجع سابق.

[11] بسام العسلي، مرجع سابق، ص118.

[12] الدكتور علي البدري، مرجع سابق. 

[13] المرجع السابق.

[14] محمد رضا، مرجع سابق، ص69.

[15] د. إحسان هندي، مرجع سابق.

[16] اللواء محمود بهاء الدين حنفي، من روائع الفن العسكري في صدر الإسلام، مجلة الأزهر 1991م.

[17] اللواء محمود بهاء الدين حنفي، مرجع السابق.