لم يكن سراً أن التوجهات الصهيونية كانت تميل إلى جانب المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب، كونه أصدر مواقف غاية في الانحياز للكيان الصهيوني، لعل أهمها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وعدم اعتباره الاستيطان عقبة في طريق السلام، وتقييمه لقرار مجلس الأمن الدولي الأخير 2334 ضد الاستيطان بأنه غير محق، وتجميده تحويل مبلغ 221 مليون دولار منحها الرئيس السابق باراك أوباما للسلطة الفلسطينية قبل ساعات قليلة من مغادرته المكتب البيضاوي.

فور تنصيبه رئيساً، لم يتأخر ترامب كثيراً في تحقيق بعض شعاراته الانتخابية لصالح الصهاينة وضد الفلسطينيين، حيث هددت إدارته بوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية في حال قدمت شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد الكيان الصهيوني، لأن أي توجه فلسطيني إلى المحاكم الدولية سيثير ردود فعل عاصفة من جانب إدارة ترامب، التي توعدت السلطة الفلسطينية بأنها ستفرض عليها جملة من الإجراءات على رأسها إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ووقف الدعم الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، وخطوات أخرى كفيلة بزعزعة السلطة والمنظمة.

الانحياز الأمريكي في عهد ترامب للكيان الصهيوني، يجعل السلطة الفلسطينية تشعر بأنها توشك على الوقوع في الفخ الأميركي، مع أنه لم يبلور بعد خطته الخاصة بالصراع الصهيوني - الفلسطيني، باستثناء ما أعلنه من مواقف خلال حملته الانتخابية، لكن ترامب لديه توجه بإبرام صفقة بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين عبر مفاوضات مباشرة بينهما دون شروط مسبقة، مع التزامه بحفظ أمن الكيان.

ولذلك يمكن القول بكثير من الثقة إن الفلسطينيين يعتبرون هذه الحقبة الجديدة في الإدارة الأميركية فرصة لمنح الكيان الصهيوني دعماً بلا حدود في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، فضلاً عن قلق السلطة الفلسطينية من تعيين واشنطن لاثنين من مسؤوليها البارزين للدخول في تفاصيل عملية السلام في الشرق الأوسط، أولهما جيراد كوشنير صهر ترامب، الذي تصفه بأنه يفتقر للخبرة السياسية، والثاني ديفد فريدمان السفير الأميركي الجديد في تل أبيب، وهو داعم للاستيطان ولحكومة بنيامين نتنياهو.

يمكن القول بكثير من الثقة إن الفترة القادمة على الفلسطينيين في ظل إدارة ترامب ستمتاز بالصعوبة ووضع العقبات أمامهم من جهة، ومنح ترامب المزيد من الامتيازات والغطاء الدبلوماسي من جهة أخرى، ولعل إقرار الكنيست لقانون التسوية لمصادرة أراضي الفلسطينيين بالضفة الغربية دليل على ذلك.

في الوقت ذاته، يترقب الجانبان الفلسطيني والصهيوني نتائج اللقاء المزمع بين ترامب ورئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو أواسط فبراير الجاري، باعتباره سيرسل رسائل مهمة لجميع الأطراف، وقد يفتح عهداً جديداً بين واشنطن وتل أبيب، لأنه سيكون اجتماعاً أكثر من رمزي، وسيتجاوز تثبيت التحالف بينهما إلى تقديم بشائر جديدة على استمراره، في ظل البرود الذي سيطر على علاقاتهما خلال السنوات الماضية، في ظل أن اختيار نتنياهو ليكون من أوائل الزعماء الذين سيلتقيهم ترامب عقب تنصيبه يحمل أكثر من دلالة ورسالة، أهمها أن الكيان الصهيوني من أهم حلفاء الولايات المتحدة في العالم.

كما أن من دلالات هذا اللقاء الباكر أنه لا داعي لأن يخشى الكيان الصهيوني مما وصفه خيانة من كبرى أصدقائه، فقد حان اليوم موعد تنفيذ تعهدات ترامب تجاه الكيان الصهيوني، ويبدو واضحاً أن الرئيس الجديد بصدد الالتزام بما أعلنه من وعود، إذ إن معظم أعضاء الكونغرس يرون في الكيان الصهيوني حليفاً مركزياً ليس له بديل، وكذلك الحال في وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون، واليوم ينضم إلى هاتين الجهتين رئيس الدولة ذاته.

أكثر من ذلك، فإن لقاء نتنياهو ترامب سيغلق بصورة نهائية ثماني سنوات صعبة من العلاقة مع أوباما، وقد يفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة، لأنه يبدو واضحاً أن ترامب ليس بصدد الضغط على الكيان الصهيوني، أو الطلب منه تقديم تنازلات، أو المس بأمنه، بل حان الأوان لتوجيه دفة الضغط باتجاه المنظمات الإسلامية وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس.

الفلسطينيون من جهتهم ربما يتفقون في توصيف جوهر السياسة الأميركية القادمة تجاه سلوك الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، وهو يندرج تحت شعار «لا يهمنا»، بحيث يمكن للكيان الصهيوني أن يقوم بما يراه مناسباً لمصالحه طالما أن ذلك لا يضر بالمصالح الأميركية.

صحيح أن ترامب قد لا يعطي موافقته الكاملة على أي بناء استيطاني صهيوني جديد في الضفة الغربية، لكن كلما رفع الكيان الصهيوني سقف مطالبه منه فسيكون هناك أمل أمامه لتحصيل مزيد من التنازلات، وبرغم أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تفرغ بعد من تحديد سياستها تجاه الشرق الأوسط، فإن ذلك يمثل فرصة مناسبة للكيان للقيام بما يعتبره ضرورة من ضروراته الأمنية.

هناك تقدير يزداد رواجاً في الأوساط الفلسطينية يتعلق بتراجع الدعم الأميركي لهم، في ظل تقدير فلسطيني بأن التاريخ قد يعيد نفسه، ورغبة ترامب الجمهوري في طي صفحة محمود عباس، كما طوى الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن صفحة الرئيس ياسر عرفات، حين دعا في عام 2002 لتغيير القيادة الفلسطينية التي وقف عرفات على رأسها.

وربما تتفق الآراء الفلسطينية بمعظمها على أن السنوات الأربع المقبلة من عهد ترامب ستكون صعبة مع السلطة الفلسطينية، وقد يكون وقف الدعم المالي عنها أبرز الصعوبات، لكن الإشكال الذي يواجه السلطة هو الموقف العربي الضعيف في مواجهة واشنطن، مما يعني عدم توافر شبكة أمان مالية عربية لتعويض السلطة عن تراجع الدعم الأميركي.

هناك أكثر من مؤشر على التأثير السلبي لإدارة ترامب على الفلسطينيين، يتعلق بإمكانية منحه ضوءاً أخضر للكيان الصهيوني لشن عدوان على حركة حماس في غزة، في ظل عدائه للإسلام كدين، وتكراره في كل خطاب ومناسبة عزمه القضاء على ما يصفه الإرهاب الإسلامي، وهو ما يجعل الفلسطينيين متخوفين من إمكانية أن يشن الكيان الصهيوني حربه الرابعة على غزة في ظل دعم دبلوماسي وغطاء سياسي غير محدودين.

قد تشعر حماس أن الكيان الصهيوني في عهد ترامب سيكون أكثر أريحية بممارسة مزيد من الضغط عليها، بتشديد الحصار المفروض عليها منذ عام 2006، أو توجيه ضربة عسكرية ضدها، لأن تنصيب ترامب تزامن مع إطلاق تصريحات صهيونية في اتجاه حماس، أبرزها إعلان وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان في 24 يناير، عن إمكانية احتلال ربع قطاع غزة في الحرب المقبلة.

لعل ما قد يقلق حماس، أن وصول ترامب إلى الرئاسة يتزامن مع التحقيقات الشرطية الصهيونية مع بنيامين نتنياهو حول قضايا الفساد، وتقدير الفلسطينيين أنه قد يهرب من التحقيقات، وإمكان تعرضه للإقالة، بتوجيه ضربة عسكرية ضد غزة، لصرف الأنظار عن مشاكله الحكومية والحزبية، في ظل شيك على بياض قد يمنحه ترامب إلى نتنياهو.