يبدو أن الرهان الصهيوني على الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب يتجاوز كل حد ويتعدى المنطق الذي يحكم العلاقات الدبلوماسية بين الدول والكيانات السياسية.

فالصهاينة لم يعودوا يراهنون فقط على دور ترامب في توفير البيئة الدولية التي تسمح بتعاظم الاستيطان في الضفة الغربية والقدس واستكمال تهويد القدس، بل إن هناك ما يدلل على أن تل أبيب نجحت بالفعل في دفع ترامب للشروع في خطوات لتهيئة البيئة الإقليمية في المنطقة لتتمكن من تحقيق مصالحها الإستراتيجية.

ويتضح أن التحرك الصهيوني الذي وجد استجابة عاجلة لدى واشنطن، يهدف إلى تحقيق هدفين أساسين، وهما: تقليص قدرة الحركات الإسلامية السنية على العمل، إلى جانب العمل على دفع مشاريع حلول للصراع ذات طابع «إقليمي» تعفي الكيان الصهيوني من الالتزام بأي انسحاب من الأراضي المحتلة.

أبدى الكيان الصهيوني ارتياحه لإعلان ترامب أن الحرب على «الإسلام المتطرف» تقع على رأس أولوياته، إلى جانب تأكيد قيادات في الإدارة الجديدة أنها ستعمل على سن تشريع جديد يعتبر جماعة الإخوان «تنظيماً إرهابياً».

وبحسب «مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة»، المقرب من الحكومة الصهيونية، والذي يرأس مجلس إدارته دوري غولد، وكيل وزارة الخارجية السابق، فإن من شأن هذا التشريع أن يعزز استقرار نظام السيسي، الذي يصفه المركز بأنه «أوثق حلفاء إسرائيل في المنطقة».

ولم يفت المركز أن يشير إلى أن التوجهات الأمريكية الجديدة ضد الإخوان تمثل إسهاماً كبيراً في دعم أمن الكيان الصهيوني على اعتبار أنها تساعد أيضاً على الإضرار بحركة حماس والحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح.

ومما أثار ارتياح الصهاينة حقيقة أنه حتى «المعتدلون» داخل فريق ترامب أوضحوا أن الإدارة الجديدة ستحدث تغييراً جذرياً على السياسة الأمريكية المتبعة حالياً تجاه جماعة الإخوان، لاسيما وزير الخارجية ريك تيلرسون.

ومما عزز الشعور بالارتياح في الدوائر الصهيونية حقيقة أن الأغلبية الجمهورية لا تؤيد فقط إدارة ترامب في توجهاتها إزاء الإخوان، بل إنها أقدمت على مبادرات تشريعية خاصة بها ضد الجماعة.

وقد عبرت تل أبيب عن ارتياحها لمشروع القانون الذي قدمه السيناتور تيد كروز، والذي ينص على ضم جماعة الإخوان إلى قائمة «التنظيمات الإرهابية»، حيث يتوقع على نطاق واسع أن تطلب تل أبيب من «أصدقائها» داخل الكونغرس دعم مشروع كروز على اعتبار أنه يمثل مصلحة صهيونية.

وتوضح تل أبيب أن تحركات الجمهوريين وإدارة ترامب ضد الإخوان تلقى دعماً من مجلس النواب المصري، الذي أرسل وفداً لواشنطن بهدف إقناع أعضاء الكونغرس بدعم مشروع قانون السيناتور كروز من خلال عرض قائمة «بالأنشطة والعمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعة الإخوان».

وأعادت المصادر الصهيونية للأذهان حقيقة أن أعضاء من مجلس النواب المصري التقوا المستشار السياسي لترامب وليد فارس وعرضوا عليه «أدلة تثبت تورط الإخوان في عمليات إرهابية».

وقد عبرت المحافل الصهيونية عن ارتياحها الشديد لفحوى المكالمة الهاتفية التي تمت مؤخراً بين ترامب والسيسي، على اعتبار أنها مثلت بداية عهد جديد في العلاقات بين الطرفين، وهو ما يقلص اضطرار الكيان الصهيوني لبذل جهود دبلوماسية في إقناع واشنطن بمواصلة دعم السيسي، كما كانت تفعل في عهد أوباما، حيث أعربت عن تفاؤلها بأن تتحول العلاقة بين نظام السيسي والولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب إلى تحالف متين ضد الجماعات الإسلامية.

وتنطلق تل أبيب من افتراض مفاده أن التعاون الثلاثي بين الكيان الصهيوني وإدارة ترامب ونظام السيسي سيعزز البيئة الإقليمية للكيان الصهيوني، مما يدفع تل أبيب لمطالبة واشنطن بالإسراع بتقديم دعم عسكري للقاهرة وتوسيع دائرة التعاون الاستخباري معها.

وتكاد تل أبيب تجزم بأن ترامب سيقدم لنظام السيسي عتاداً تقنياً يساعده في ضمان استقرار حكمه بالوسائل الأمنية، ناهيك عن رهان الكيان الصهيوني على دور ترامب في تعزيز مكانة نظامه الإقليمية.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن سقف توقعات حكام تل أبيب من ساكن البيت الأبيض الجديد وصل إلى حد الرهان على دوره في الدفع نحو حلول ذات طابع إقليمي للصراع تعفي الكيان الصهيوني من الانسحاب من الأراضي المحتلة.

وقد مثلت المداولات التي شهدها الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء الصهيوني المصغر لشؤون الأمن أن فكرة «الحل الإقليمي» عادت بقوة، حيث تفترض تل أبيب أنه سيكون بوسع ترامب الضغط على الدول العربية للإسهام في توفير حلول لمركبات القضية الفلسطينية، مثل إقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين.

ومن بين الأفكار التي تطرح أن تتطوع دولة عربية للتنازل عن مساحة من أرضها يتم إعلان قيام دولة فلسطينية عليها، بحيث يكون بإمكان من يرغب من اللاجئين العودة إليها.

وقد تلقفت نخب اليمين في تل أبيب هذه الأفكار وطورتها بشكل يشي بحجم الرهانات على عهد ترامب. فعلى سبيل المثال، اقترح حجاي سيغل، رئيس تحرير صحيفة «ميكور ريشون» اليمينية، أن يتم الإعلان عن الدولة الفلسطينية في شمال سيناء. واقترح سيغل، الذي كان من قادة التنظيم الإرهابي اليهودي، الذي خطط لتدمير المسجد الأقصى في ثمانينات القرن الماضي أن يتم تجنيد أموال لدفعها لنظام السيسي للقبول بالفكرة.

قصارى القول، لا يمكن الاستخفاف بالتحولات التي سيفرضها ترامب على بيئة الصراع مع الكيان الصهيوني، فهذه التحولات تمثل تحدياً وجودياً ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل للأمة العربية بأسرها.