لا يعد الحديث عن مصير محافظة نينوى منذ دخول تنظيم داعش المشبوه إليها إلى ما يعرف اليوم بحرب التحرير من الأمور الغامضة بالنسبة لأروقة السياسة الأمريكية أو الإيرانية، يقول عراب السياسة الأمريكية برنارد لويس: «نحن لا نترك شيئاً للصدفة»، ولو أردنا أن نكون أكثر وضوحاً في تقديم وجهة نظر معقولة ومقبولة عن السيناريوهات المتوقعة لحرب الموصل، فمن الطبيعي والمنطق أن نستوعب الأحداث التي رافقت تحرير صلاح الدين والأنبار وقبلها محافظة ديالى، وإشباعها دراسة كي نكون أكثر إنصافاً واعتدالاً في إصدار أحكامنا على الآخر سلباً أو إيجاباً.

فالإدانة بالأفعال أكثر حجة من الإدانة بالأقوال، والكلام هنا لا يخص أفعال الحكومة العراقية وحشدها الشيعي على وجه الخصوص بل يشمل التحالف الدولي لمحاربة داعش وعلى رأسه أمريكا، ومن المعلوم أن القوة الأمريكية العظمى تمثل الإطار العام لتوجهات وأهداف التحالف الدولي لمحاربة داعش، وفي الوقت عينه يمكن القول إن القوة الإيرانية المتمثلة بمليشياتها الشيعية وفيلق القدس تسندهم الأذرع السياسية العراقية هي اللاعب الأقوى على الساحة العراقية، وعليه وانطلاقاً من هذه المعادلة كان لزاماً علينا أن لا نتجاوز التصريحات الأمريكية والإيرانية قبل الحديث عن مستقبل القضية الموصلية.

ذكرت الصحف الأمريكية أن غزو العراق جاء بعد حادثة ارتطام الطائرة بالمركز الاقتصادي العالمي واختفاء برنارد لويس وتشيني في اجتماع سري مع الرئيس بوش لا يضم غيرهم ولساعات طوال ليخرج بعدها بوش ويعلنها حرباً صليبية، ويعقبه نائبه تشيني في خطبة مطولة يثني فيها على عبقرية برنارد لويس وأنه أحسن مستشاري وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط.

أما لويس فيلخص أفكاره في رسم السياسة الأمريكية الخارجية في سلسلة مقالات ومؤلفات جاء فيها أن ميزان القوى بعد الحرب الباردة سيتغير والخطر القادم سيتأتى من الانفجار السكاني للإسلام، وأن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون لا يمكن تحضرهم ويجب إعادة احتلالهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية حصراً، ومن الواجب المتحتم على القوى الغربية تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم، وليكن شعار أمريكا إما أن نضع المسلمين تحت سيادتنا أو ندعهم يدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وإجبار قيادات الشعوب المسلمة أن يخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة من خلال تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبية والقبلية فيها. وهو بذلك يذكرنا بعراب الحروب الصليبية في القرن الخامس الهجري المدعو بطرس الناسك.

وفي زيارته للجامعة العبرية كان المتحدث الأول في المؤتمر الذي عقد بعنوان «إسرائيل والصراع السني الشيعي» تطرق إلى جذور هذا الصراع السني الشيعي القديمة وبالغ في أهميته بالنسبة للدول الغربية والكيان الصهيوني على وجه الخصوص، وأنه الضامن للسيطرة على المنطقة وأنه أساس التعامل مع الشرق الأوسط للعقدين القادمين بالشكل الذي يضمن السيطرة الغربية وبأقل الخسائر من خلال الإمساك بخيوط لعبة الصراع الطائفي والقومي في المنطقة المسلمة، وتكون للإعلام اليد الطولى، من خلال قنوات موجهة للرأي العام الأوربي، ما يضمن هيمنة الكيان الصهيوني على المنطقة ولعقود قادمة.

وعلى الطرف الثاني من أقطاب الصراع الموصلي الإعلامي والعسكري المتمثل بالمرشد الأعلى الإيراني وقائده سليماني، فمنذ الأيام الأولى لتولي العقيدة الخمينية زمام السلطة الحاكمة في إيران أعلنوا حربهم الطائفية الشيعية على العالم الإسلامي، يقول الخميني في كتابه الجهاد الأكبر: «النضال من أجل تشكيل الحكومة توأم الإيمان بالولاية... ولا طاعة لحكام المسلمين غير نواب الأئمة حتى لو طبق الحكام المسلمون شرع الله»، أي هي الحرب من أجل الحرب لا لإقامة شرع الله، وهذا هو مضمون مصطلح الحرب الصفرية. ويقول في كتابه الحكومة الإسلامية، ليوضح وجهة نظر الدين الشيعي والنظام الإيراني الحاكم تجاه حكومات المنطقة من أهل السنة: «يجب أن يباشر حكم البلاد الإسلامية نواب الإمام المعصوم الغائب، أما غيرهم  فمعتدون وظلمة». وتكريماً للموقف الإيراني المميز والذي جاء موافقاً للتصريحات الأمريكية الاستعمارية أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن «المصالح الأمريكية لم تتغير في إيران، ولنا مصلحة قوية في أن تبقى إيران دولة حرة».

وإيغالاً في إعلان الولاء الإيراني للخطط الغربية وهلوسات مستشار وزارة الدفاع الأمريكية للشرق الأوسط برنارد لويس صرح أحد رجالات الثورة الخمينية المدعو محمد مهدي صادقي، في حفل انتصار الثورة الخمينية قال: «لا نجد أي بلد إسلامي في العالم... أجل لم تكن العراق مسلماً، ولا الكويت مسلماً، ولا الحجاز مسلماً، ولا ولا ولا... لذا أشرقت شمس الدعوة الإسلامية من مغربها... من المغرب من باريس... وبعد ما قمنا وثبتنا على أقدامنا سوف ينتقل المجاهدون المسلمون إلى القدس وإلى مكة المكرمة وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد... إن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود».

التصريح ذاته أكده رئيس أركان الجيش الأمريكي جوزيف دنفورد أمام مجلس الشيوخ الأمريكي: «لا مكان لدولة سنية في العراق ولا أستطيع أن أرى دولة سنية في العراق يكفي من وجهة نظري أن تكون في العراق دولتان فقط كردية وشيعية».

ومما تقدم وبدون تشاؤم أعتقد أن تقديم رؤية تحليلية عن حرب الموصل تستوجب تحددها أقطاب القوى الفاعلة على الساحة العراقية والتي تعتبر شبه خالية من الطرف السني، ثم إن الرؤية الواضحة لموقف الحكومة العراقية مثلته من قبل القوى المليشياوية الشيعية من حشد وجيش نظامي ووافدين إيرانيين وأفغان وغيرهم على أرض محافظة ديالى مثلاً وابتلاعها بالكامل برغم الغالبية السنية التي تمثل الخريطة السكانية العقائدية للمحافظة، وما تلاها من سيطرة شيعية كاملة وخارجة عن إطار الحكومة العراقية والمرتبطة بشكل رسمي بفيلق القدس الإيراني على محافظة صلاح الدين، حتى إن أعضاء مجلس المحافظة لا يسمح لهم بالاجتماع أو دخول المحافظة إلا بتصريح أمني من تلك المليشيات الإيرانية والأمر أوضح من قرص الشمس لدى المواطن العراقي.

أما عن محافظة الأنبار فمنذ التحرير المزعوم وإلى يومنا هذا لا يستطيع أبناء هذه المحافظة العودة إلى بيوتهم بسبب الدمار الشامل الذي أصاب المحافظة على يد المجاميع الشيعية، وبسبب الابتزازات المليشياوية على أبناء تلك المحافظة التي وصلت حد مطالبة العائدين إلى بيوتهم بأن لا يرجعوا إليها إلا بعد دفع تكاليف ورواتب حرب التحرير لقوات ما يسمى بالحشد الشعبي المقدس (الجزية والخراج)، دون تدخل من السلطة العراقية، ووصل الأمر إلى منع أبناء الصحوات من أبناء محافظة الأنبار والذين شاركوا في عملية التحرير من العودة إلى منازلهم، ناهيك عن السيطرة على معبر عرعر والقائمة تطول.

وفي العودة إلى الحديث عن معركة الموصل، فالمحافظة اليوم كما هو معلوم تحت سيطرة تنظيم داعش، أي إن الطاقات السنية الموجودة داخل محيط سيطرة هذا التنظيم هي أما تابعة له أو أنها خاضعة لا حول لها ولا قوة، علماً أن الحصار الذي فرض على المدينة قد أنهك أهلها وبشكل كبير وهم يتطلعون إلى الخلاص بأي شكل كان، لأن الموروث الموصلي، كما هو معلوم لدى أهل المدينة لا ينظر إلى السلطة العراقية بعين الطائفية على عكس محافظات الجنوب العراقي.

أما عن المناطق المحيطة بالمدينة والخارجة عن سيطرة تنظيم داعش، فهي بين مليشيات شيعية شبكية وتركمانية مجهزة بأحسن العتاد والأسلحة وبغطاء حكومي رسمي وبقيادة إيرانية علنية، وبين عسكر كردي نظامي ينشد أطماعه الاقتصادية التي كفلها له الجانب الأمريكي في جميع اللقاءات السرية التي جمعت الطرفان، وبين حشد وطني سني مهلل القيادة والسلاح ولا يملك أدنى غطاء حكومي بل اتهم زعيمه أثيل النجيفي بالخيانة العظمى قبيل انطلاقة معركة الموصل وأمرت الطائرات الأمريكية بقصف معسكراته التي راح ضحيتها خمسين جندياً أعلنت فيه الطائرات الأمريكية أن أمر قصف المعسكر جاء من القيادات العراقية الميدانية.

علاوة على ما سبق تشهد المحافظة انطلاقة لأصوات الأقليات الموصلية المطالبة بتقسيم المحافظة إلى خمس محافظات مستقلة عن بعضها تكون تلعفر إحداها، الأمر الذي أكده محمد باقر الحكيم حين دخوله العراق قادماً من إيران عام 2003م ولقائه بوفد شيعة تلعفر حيث قال: «أنا لا يهمني أن أخدم محافظة النجف أو كربلاء أو غيرها من المحافظات الجنوبية بقدر اهتمامي بأن تكون تلعفر محافظة مستقلة»، وعليه ففي كل الأحوال وإلى الآن الظاهر على الساحة هو اللاعب الشيعي والكردي فقط، وعليه حتى لو لم يصب المحافظة شيء من التمزيق لا قدر الله فإنها ستكون خاضعة للحكم الشيعي الكردي بشكل مركزي ونحن رأينا مراراً التفاهمات الشيعية الكردية عندما يختص الموضوع بمصلحة الطرفين على حساب الطرف السني.

والذي أراه أن الدول العربية والإسلامية إذا ما استمرت في خذلانها للقضية السنية العراقية أو السورية فسيكون الأمر كما نشرته مجلة نيويورك تايمز الأمريكية خريطة جديدة للشرق الأوسط تحت عنوان «كيف تصبح خمس دول أربع عشرة دولة».