قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما روى البخاري ومسلم: «على كل مسلم صدقة»، قالوا: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعتمل بيده فينفع نفسه ويتصدق»، قالوا: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف».

فحري بمن ساقته وظيفته أو أَهَّلَه عمله لهذا الخير - سواء كان منصباً خدمياً أو إرشادياً أو إغاثياً أو عسكرياً أو مدنياً - أن يحمد الله، وأن يقوم بحقه، وأن يُصلح النِّيَّة، فيحقق الإخلاص، وأن يفرح بالتكليف الذي ينتظم به في سلك من أثنى الله عليهم فقال: {وَالْـمُتَصَدِّقِينَ وَالْـمُتَصَدِّقَاتِ... أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، وشتان شتان بين اثنين، يقبل أحدهما على العمل محتسباً بانشراح نفس، وآخر يُساق إليه سوقاً، ويؤديه كرهاً، فيتأفف تارةً ويُعَنِّف أخرى، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْـمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264].

أما الذي يغتنم الفرصة فيُعين عاجزاً، ويُغيث ملهوفاً، فحري به أن يوفق لخيري الدارين، ونيل السعادتين، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فالله يشكر لعبده، ويكافئه على بِرِّه بعباده وإحسانه إليهم، {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلَّا الإحْسَانُ} [الرحمن: 60]، وهذا ملاحظ في من يُعِين الناسَ ويُحسن النِّيَّة، فهؤلاء كثيراً ما يُعجِّل الله لهم قِسطاً من الجزاء، وقد أشار صلى الله عليه وسلم لمكافأة هؤلاء في الدنيا قبل الآخرة في أحاديث منها حديث أبي هريرة عند مسلم: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، فالإحسان إلى الخلق جزاؤه عاجل وآجل، ومن جملة جزائه العاجل أن صاحبه لا يخزيه الله أبداً، فقد صح فيما روى الشيخان من حديث عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه جبريل بغار حراء في الخبر المشهور، رجع إلى بيت خديجة رضي الله عنها ترجف بوادره، فزمَّلُوه حتى إذا ذهب عنه الرَّوع قال: «أي خديجة ما لي»! وأخبرها الخبر، وقال: «لقد خشيت على نفسي»! فقالت قولتها المشهورة التي أبدت للأجيال تمام عقلها: كلا أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبداً.

القضية واضحة عندها لدرجة لا تترد معها في القسم عليها من فورها.. لماذا لا يخزيه الله؟

قالت: والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

وبعد يا من وجد نفسه في وظيفة المتصدِّق! فإن التذكير بما سبق يتأكد في المواسم والأوقات التي تكون مظنة ضغط في العمل، وقد تتطلب بذلاً فوق الواجب الوظيفي، وفي مثل تلك المواسم والأوقات تظهر معادن الرجال، فالأخلاق إنما تظهر على حقيقتها عند الضِّيق وضغط الحياة، وحال الشدة، ولهذا قيل: سمي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال! أما مرتاح البال، خالي الهمِّ، الذي تسير أموره بانتظام فمن الطبعي إن لم يكن مريضاً بداء نفسي أو قلبي أن يؤدي وظيفته! وألا تختبر المعاملات العادية والوظائف السهلة اليومية أخلاقه، أو تُظْهِر معدنه على حقيقته.

وهذه الأوقات التي تتكشف فيها المعادن على نوعين:

النوع الأول: موسمية معلومة بالشرع، كموسم الحج، وذلك لكثرة الناس فيه، وهذا ينتج عنه كثرة المحتاجين إلى التوجيه الرفيق، وكثرة التجاوزات، ويرد فيه التكليف بما ليس من صميم العمل، وبهذا يضيق بعض الناس ذرعاً بينما يغتنم الموفق الفرصة، مستشعراً أنه في سوق تجارتها رابحة! فخدمة بيت الله وزواره سوق للخير عامرة، وغنيمة ثمينة! فإذا كان من يحمل الكَلَّ ويُعين على نوائب الحق ولو مشركاً لا يُخزى! فكيف لو كان بذله لمسلم، متلبس بطاعة بل بركن من أركان الإسلام، وفي الأشهر الحرام، وبين المشاعر المقدسة والبقاع المباركة، التي اقتضت إرادة الله الشرعية أن تكون آمنة، وأن يؤمَّن من قصدها: {ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97].

النوع الثاني: فهو الأوقات العارضة الطارئة بسبب نوازل المسلمين وأحوالهم، كما هو واقع الأمة اليوم! فالمسلمون نازحون أو لاجئون إلى كل مكان! مشردون في كل واد قريب وكل صِقع بعيد! وعند كثرة الحاجة يكثر طلب الإعانة بالمال أو الجاه أو البدن، وربما ثقل كثير من الناس مع كثرة الطلب، ربما بذل مرة أو مرتين ثم انقطع، شفع مرة أو مرتين أو ثلاثة ثم أعرض، عاون في بعض الوقائع ثم أحجم.. والواجب هو الصبر على قضاء حوائج المضطرين، والعمل على نفعهم بكل سبيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ويزداد هذا الواجب تأكيداً عندما يتجهم المسلمين البعداءُ، أو يستقبلونهم مستغلين ضرورتهم لتحويلهم عن إسلامهم، وفتنتهم في دينهم، وهذا واقع المسلمين اليوم إما يضطهد لاجئوهم ويبعدون كما هو حاصل الآن في أكبر دولة تدعي الحرية حتى أنها أقامت لها صنماً! والدعوات إلى إبعاد المسلمين كثيرة في الدول الغربية عامة! أو يُستقبلون لتُفتح عليهم أبواب التنصير ونحوها، بحجة دمجهم في المجتمع وتحسين أوضاعهم وفرصهم المعيشية! وسائرهم يُستغل كأيد عاملة رخيصة!

في مثل هذا الواقع يتأكد على من ولي وظيفة يمكنه أن ينفع بها إخوانه المسلمين أن يفعل، وليحمد الله تعالى أن جعله في مكان يسد به عن الأمة بعض الفرض الذي عليها!

وختاماً:

أجمل الوصية لمن وجد نفسه في وظيفة متصدق! بما يلي:

أخلص النية في غوث عباد الله أو إعانتهم وتيسير ذلك بما تستطيع.

أحسن العمل وأتقنه.

أقبل عليه بانشراح واحتساب غير ضائق به صدرك.

لا تُتبعه مناً ولا أذى، ولا استكثاراً لما بذلته ولا تأففاً.

تذكر أن الواجب الشرعي عليك قد يكون أكبر من الواجب الوظيفي لمكانك الذي خُصصت له.

فإن راعيت ذلك فأبشر بخير الدارين، فمن كانت هذه حاله فهو يغدو في خير ويروح في آخر، وحري بمثله أن لا يَذِلَّ ولا يَخْزَى، أسأل الله أن يعيننا وإياكم على أداء ما أنيط بنا، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يضاعف أجورنا، ويعظم النفع بنا، والحمد لله أولاً وأخيراً، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله تسليماً كثيراً.