لم يكن للمحتل الصليبي أن يحمل عصاه ويرحل عن بلاد المسلمين إلا بعدما خلف وراءه عملاء ووكلاء صنعهم على عينيه للقيام بدوره على أكمل وجه؛ في السياسة والاقتصاد والأمن والجيش والقضاء والإعلام والفن والصحافة والأدب والثقافة وفي كل المجالات، وقد أصبحوا هم القادة والأبطال والزعماء والمتنفذين والنجوم والقدوات. فاستطاع هؤلاء المنافقون - بعد أن صُنعوا على أعين المحتل - أن يمكنوا لسياساته وهيمنته وثقافته وأخلاقه وقوانينه في بلاد المسلمين، وهم من يدعم تبعية الأمة لأعدائها والوقوف أمام أي محاولة للتحرر من هذه التبعية والذل والهوان.

كما عملت هذه النبتة الشيطانية على إذلال شعوبها وسرقة ثروات وثورات وإنجازات أبطالها الحقيقيين، بالإضافة إلى إصرارها على تغييب وعي الأمة ونشر قيم ومبادئ الغرب بين أفرادها، ومحاربة قيم وأخلاق المسلمين المستمدة من ديننا الحنيف.

إن الطابور الخامس[1] من المنافقين والمرتزقة جمعتهم الأهواء والشهوات والعمالة لهدم كيان الأمة وتحطيم مقدراتها ومحاربة المخلصين من أبنائها، فقد وقفوا سداً منيعاً في وجه أي نهضة حقيقية للأمة، وحالوا بينها وبين دينها وعقيدتها التي هي مصدر عزتها ومنبع قوتها. فأصبحوا الطابور الخامس الذي يقف في خندق واحد مع أعداء الأمة يسحبونها إلى مستنقع الذل والتبعية تحت دعاوى العولمة والشرعية الدولية ومحاربة الإرهاب وغيرها.

والطابور الخامس ليسوا نبتاً منقطعاً بل لهم امتداد عبر التاريخ والجغرافيا، فما وجد الحق يوماً إلا كانوا له بالمرصاد، فهم امتداد لإبليس وجنوده، وللملأ الذين وقفوا لدعوات الرسل والأنبياء بالمرصاد، وهم امتداد لابن سلول وابن سبأ وأتباعهما.

وفي عصرنا الحاضر وجدنا فئاماً منهم من بني جلدتنا يعيشون بيننا ويتكلمون بألسنتنا، لا هم لهم إلا أن نترك عقيدتنا ونتفرنج في جميع نواحي حياتنا حتى الدينية منها، ألم يتبنوا العلمانية - اللادينية - ويفسروا الدين وفقاً لها أنه علاقة بين العبد وربه، ويروجون لهذا الإسلام على الطريقة الغربية في وسائل إعلامهم. وهؤلاء هم أشد خطراً على الإسلام والمسلمين من أي عهد مضى، فقد أظهروا نفاقهم وضلالهم دون حرج أو حياء، وكأني بهم كما قال حذيفة بن اليمان: «إن المنافقين اليوم شرٌ منهم على عهد النبي، كانوا يومئذٍ يُسرون واليوم يجهرون» أخرجه البخاري.

بيد أن ظاهرة الطابور الخامس هذه ليست حكراً على السياسة فقط. فهي مستنسخة في كل المجالات فهي موجودة في الأدب والفن والصحافة والإعلام والرياضة، كما أنها موجودة في العسكر والأمن والاقتصاد والقضاء وغيرها من المجالات، فهم أشد على الأمة من اليهود والنصارى.

الطابور الخامس أو المنافقون ليست ظاهرة منبتة فهي ظاهرة ممتدة عبر التاريخ منذ خلق الله بني البشر، وقد حذرنا منهم القرآن، بل لقد أورد الله صفاتهم بالتفصيل والتوضيح والبيان في أكثر من سورة من القرآن حتى نكون على بينة من أمرهم وتظهر لنا حقيقتهم لعلنا نتقي شرهم ونحذر من مكرهم وخداعهم وخياناتهم.

وحتى نقف على هذه الظاهرة وأبعادها وتأثيرها على الأمة هذه جملة من صفاتهم وأخلاقهم التي توضح بجلاء دورهم في محاربة الأمة وتفتيت وحدتها وطمس هويتها، ذكرها لنا الله تعالى في كتابه الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حتى نعرفهم ولا نغتر بهم ونحترس من مكرهم وخداعهم، ولأن منهج القرآن هو الأضبط والأحكم جمع لنا كل صفاتهم لنتعرف عليهم ونحذرهم ونفضحهم ونواجههم:

 بغضهم لدين الله ورفضهم ومحاربتهم لشريعته:

فهم يرفضون ويحاربون التحاكم إلى شرع الله ويبدلونه ويشوهونه، يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً 60 وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْـمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} [النساء: ٠٦، 60].

فهذا من خبثهم وضلالهم وبغضهم للحق وكل ما يمت له بصله، فتجدهم يرددون دائماً أنهم يريدون دولة مدنية (لا دينية) ولا يريدون دوله دينية، وهم يريدون بذلك التلبيس والتدليس، حتى يوهموا الناس أنهم يريدون دولة عصرية بعيدة عن تسلط رجال الدين، وفي الحقيقة أنهم يرفضون تحكيم الإسلام وشريعته. والإسلام لم يعرف طيلة تاريخه ما يسمى بالدولة الدينية، فهي محض افتراء، إذ لم تظهر إلا في الغرب في القرون الوسطى، عندما تسلط رجال الدين على الدولة ينصبون الملوك ويستغلون البلاد والعباد لخدمة أطماعهم.

الدولة في الإسلام نموذج فريد قل مثيله في أرقى الديمقراطيات الغربية، فهي تقوم ابتداء على احترام شرائع الخالق ثم تحقيق العدل والإحسان والحقوق للناس أجمعين، فالدولة في الإسلام قامت على أساس حماية الحق والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح في الأرض وإعمارها وتطوير الحياة وتنميتها، لتوفير خير البشرية وسعادتها، والدعوة إلى توحيد الله وعبادته، وهداية الإنسان في طريق الهدى، وكل هذه الموجبات هي موجبات أخلاقية وعقيدية، والعشرات من الآيات والروايات وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية كلها تؤكد هذا التفسير لقيام الدولة، نذكر منها قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، {وَبِالْـحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْـحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105]، {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنكَرِ} [الحج: 41]، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور: ٥٥]، {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً} [القصص: 83]، {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِـمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75]، {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].

هكذا تتحدد حقيقة الدولة وأسس قيامها في المفهوم الإسلامي، فإقامة الدولة التي تحكم بشرع الله هي أوجب الواجبات بل أهم مقتضيات العقيدة الصحيحة، ولا يتمّ إيمان المسلم إلا إذا آمن بالله ورضي بحكمه في القليل والكثير وتحاكم إلى شريعته وحدها في كل شأن من شؤون حياته؛ في الأنفس والأموال والأعراض، وإلا كان عابداً لغير الله تعالى، قال سبحانه: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65]، وقال رسول الله«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

فمن خضع لله تعالى وأطاعه وتحاكم إلى شرعه فهو العابد له، ومن خضع لغير الله وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له، والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله[2].

موالاتهم لأعداء الله وحبهم لهم ونصرتهم ومظاهرتهم على المؤمنين:

تشبههم بهم طمعاً في العزة عندهم يقول تعالى: {بَشِّرِ الْـمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً 138 الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْـمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} [النساء: 138١، 139]، ويقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: ١١].

وهذه من أظهر صفاتهم تراهم في كل موطن فيه مدافعة بين الحق والباطل دائماً في صف الباطل وينصرون أهله، فتراهم مع نظام الأسد في سوريا ينصرونه ويظاهرونه برغم ما يفعله بأهل سوريا من تقتيل وتهجير واعتقال وتفجير، بل برغم كفره وضلاله، فهم في معتقداتهم وسلوكهم وأخلاقهم وسمتهم يتشبهون بأهل الباطل ويفخرون بذلك، وفي الوقت نفسه يجيّشون كل إمكاناتهم لنصرة أعداء الله بالقول والفعل والسلوك، فهم وإن عاشوا بين ظهراني المسلمين، قلوبهم مع أعداء الدين، وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم وعدادهم في المسلمين لأنهم يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين، ولأنهم يسيئون الظن بالمسلمين فهم يرتمون في أحضان أعدائهم لحمايتهم والاستقواء بهم.

والمقصود بمظاهرة المشركين على المسلمين أن يكون أولئك أنصاراً وظهوراً وأعواناً للكفار ضد المسلمين، فينضموا إليهم، ويذبّوا عنهم بالمال والسنان والبيان، ومظاهرة الكفار على المسلمين خصلة من خصال المنافقين، وشعبة من شعب النفاق، كما جاء بيان ذلك في كثير من نصوص القرآن الكريم، قال تعالى: {بَشِّرِ الْـمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً 138 الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْـمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} [النساء: 138، 139]، وقال سبحانه: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52]، يقول ابن جرير في تفسير الآية الأخيرة: هذا خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين فيكون بنا إليهم حاجة، وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أُبي، ويجوز أن يكون من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين[3][4].

استهزاؤهم بالله ورسوله ودينه ورموز الإسلام والمسلمين:

يقول تعالي: {إذْ يَقُولُ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]، ويقول تعالي: {يَحْذَرُ الْـمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ 64 وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ 65 لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ إن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64 - ٦٦]، فمن صفاتهم اللصيقة بهم بغضهم للحق وأهله، واستهزاؤهم بالإسلام وتعاليمه ونبيه وأتباعه، فلا يتركون مناسبة إلا ويظهرون مسلكهم هذا وإن عجزوا تفضحهم تعبيرات وجوههم الكالحة، ومن ذلك سخريتهم من العلماء والدعاة، ورجال الحِسْبَة، وحفظة كتاب الله، وكل متمسك بالحق والشرع، وما ذاك إلا لأن السخرية بالصلاح وأهله، والترويج للفساد وأهله سمةٌ من سمات المنافقين في كل زمان، لا تنفكُّ عنهم أبداً.

ولقد تعوَّدنا منهم في كل رمضانٍ على صنع مسلسلات ومشاهد يسخرون فيها من دين الله تعالى، وشعائره الظاهرة، وأحكامه المنزَّلة، ويصوِّرون للمشاهدين حَمَلَة الدين ومبلِّغيه، والمتمسكين به، والدَّاعين إليه، والمدافعين عنه - في أبشع الصور وأحطها، وهذا من الغيظ الذي امتلأت به قلوبهم على الإسلام وأهله، ويأتي ذلك في سياق الحملة العالمية التي تآزر فيها الكفر مع النفاق لإجهاض الإسلام، والحدِّ من انتشاره في الأرض: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].

وسخرية المنافقين من الدين وأهله أخبرنا بها ربُّنا جلَّ جلاله في مواضع شتى من كتابه الكريم؛ ففي سورة البقرة: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: ٣١]، فوصفوا الإيمان بالسَّفَه! وجعلوا المؤمنين سفهاء! وليس بعيداً عن هذه المقولة مقولات منافقي عصرنا هذا، وكتاباتهم في صحفهم عن الإسلام وشريعته، ومَنْ يتمسَّكون بها، ويدعون الناس إليها، {وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14][5].

استغلال الدين لتحقيق مآربهم ومخططاتهم الشيطانية، والتستر وراء عباءته، والظهور بمظهر الناصح الأمين:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْـمُؤْمِنِينَ وَإرْصَاداً لِّـمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلَّا الْـحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107].

إن الاستغلال المقيت للدين يتعاطاه من لا يؤمن بالدين ولا يحرم محرماته ولا يعظم مقدساته، وإنما يتخذ الدين مطية إلى مآربه ومنافعه، ويتدرع به تقية ودرءاً لما يخشاه من المكروه، فهذا استغلال شائن للدين يأباه العقل والعرف والشرع، وهذا هو استغلال الدين الذي كان دائماً من شأن المنافقين في كل زمان ومكان، كما ذكر عنهم القرآن الكريم إذ قال: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا... وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: ٨ - 14]. وقال سبحانه: {إذَا جَاءَكَ الْـمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْـمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1 اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: ١، ٢]. فهذه نماذج من المنافقين الذين يتظاهرون بالدين كذباً وزوراً ويستغلونه لأغراضهم ومقاصدهم الآثمة، فمنهم من يحدث الناس بما يعجبهم من الكلام حول هموم الحياة وأحزانهم ومشاكلهم، ويحلف لهم على صدقه وإخلاصه وحرصه على مصالحهم، وإذا ذكر الإسلام قال إنه ديننا الحنيف ونحن مسلمون تربينا في بيئة إسلامية.. إلى غير ذلك مما هو مألوف من أقوالهم الكاذبة وشعاراتهم الزائفة، ومنهم من يعلنون أنهم مؤمنون ويتوددون إلى أهل الإسلام فيقولون نحن مؤمنون مثلكم، ولكنهم في حقيقتهم كاذبون غير مؤمنين بالإسلام وإنما يستغلونه تقية ليستتروا على ما يقومون به من فساد في الأرض وإشاعة للكفر والإباحية في الناس: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْـمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ 12} [البقرة: ١١، 12][6].

وهم من رفع شعار «لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة»، وهو مصطلح علماني كفري يفصل بين الدين وأهم مناحي الحياة وهي السياسة، فما أنزل الله الدين إلا ليسوس به الخلق، لكنهم إذا كانت لهم المصلحة ضربوا بهذا الشعار وبكل مبادئهم العلمانية عرض الحائط، فالدين إذا كان لخدمة مآربهم وأهدافهم ورغباتهم تذكروه وأعلنوا التزامهم به، ومثال ذلك ما تراه في انتخابات البرلمانات، حيث يطوفون المساجد ويظهرون البر والإحسان والحرص على الخير ومساعدة المحتاجين وإغاثة الملهوفين؛ حتى يخدعوا الناس ويحصدوا أصواتهم.

 
 


[1] الطابور الخامس: مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام 1936م واستمرت ثلاث سنوات، وأول من أطلق هذا التعبير الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة إلى مدريد، وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابوراً خامساًً يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة الجمهورية التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد، ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي (ويكيبيديا).

ونحن نستخدمه هنا للتعبير عن طابور من الكيانات والأشخاص ينتمون إلى بني جلدتنا لكنهم يكرهون ديننا وعقيدتنا وهويتنا، وقلوبهم وعقولهم مع أعداء الأمة يتبنون أفكارهم ومعتقداتهم ويطبقون سياساتهم ويعملون لصالحهم في وأد عقيدتنا وشريعتنا وأخلاقنا وهويتنا.

[2] وجوب تحكيم الكتاب والسنة والتحاكم إليهما ونبذ ما خالفهما، سعد بن عبد الله العجمة الغامدي (https://goo.gl/txK4Fg).

[3] تفسير الطبري 6/ 161.

[4] موقع الدرر السنية، الموسوعة العقدية ( https://goo.gl/Ccu8iX ).

[5] سخرية المنافقين بالدين وأهله، د. إبراهيم بن محمد الحقيل ( https://goo.gl/UUczfY ).  

[6] الاستغلال الشرعي للدين، الشيخ عبد الباري الزمزمي:

 http://www.attajdid.info/def.asp?codelangue=6&infoun=13535