بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

من المعروف أنه عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003م بالتنسيق مع إيران والمعارضة الشيعية العراقية سعت إيران لتحويل نتائج الغزو لحسابها، فاستفادت من كل الخطوات التي أقدم عليها الأمريكيون؛ بدءاً من تحطيم القوة العسكرية العراقية، وانتهاءً بإسقاط النظام؛ ومروراً بتغيير البنية السكانية على حساب المكون السني، وتغيير الدستور العراقي على الهوى الشيعي، وإعادة بناء الجيش العراقي على أسس طائفية مجافية للسنة ومحابية للشيعة، وقد كان لإيران ما أرادت من خطف نتائج الغزو لحسابها! وصار العراق مدة تحت وطأة احتلال مزدوج؛ أمريكي إيراني، ثم عادت إيران لترتيب أوضاعها، كي يتعاظم نفوذها تحت المظلة الأمريكية.

في سوريا تحاول إيران تكرار السيناريو، لكن مع تغير في الأدوار والأطراف والترتيبات، فإيران التي لم تخفِ يوماً أطماعها التوسعية عملت على استغلال المتغيرات بعد الثورة السورية، لتحويل مجراها كي يصب في مجرى مشروعها التوسعي الجاري منذ عقود، حيث إنها تعد أرض الشام جزءاً رئيساً من المشروع الإمبراطوري الفارسي الطامح إلى الهيمنة على المناطق الداخلة تحت وصف «الهلال الشيعي»، ولهذا سعت إلى التدخل السافر في الشأن السوري مستخدمة حلفائها من المليشيات الشيعية في غزو مناطق من سوريا تحت ذريعة مساندة نظام حليفها وعميلها، لكنها لما فشلت في تحقيق هدفها بقهر المجاهدين السنة لأكثر من عامين بسبب شدة مقاومتهم وتصديهم لها بكل جسارة وصمود؛ لجأت بالتوافق مع أمريكا إلى استدعاء الطرف الروسي بدعوى حماية النظام السوري من السقوط، مؤكدةً أن سقوط طاغية الشام سيهدد مصالح روسيا وإيران.

وبالفعل تدخلت روسيا استغلالاً لحاجة أمريكا لها بعد الفشل الإيراني، وتلاقت مصالح الأمريكان والروس والفرس في سوريا، مثلما تلاقت قبل ذلك مصالح الفرس والروم في العراق، وبدأ الطيران الروسي والمجوسي في غزو الأجواء السورية، ودك معاقل الثوار بالاشتراك مع طيران الطغيان النصيري ببراميله المتفجرة، وغاراته الفاجرة.

لكن، ومع كل ما بدا من تعاون بين روسيا وإيران في الآونة الأخيرة على الإثم والبغي والعدوان؛ فإنهما عدوان قديمان، فقد احتلت روسيا بالتعاون مع بريطانيا الأراضي الإيرانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وتعاونت في عزل شاه إيران رضا بهلوي لتعيين ابنه محمد رضا بهلوي خلفاً له، من أجل تأمين النفط الإيراني حتى لا يقع في أيدي الألمان، لكن الغريمين التاريخيين يتحالفان اليوم وفق أجندة تتقاطع فيها مصالحها على حساب المسلمين السنة، على عادة الشيعة في التحالف مع كل عدو متغير ضد العدو الذي لا يتغير عندهم، وهو أهل السنة.

إيران تطمح من تحالفها أن تجني الثمرات وحدها مثلما حاولت مع الأمريكيين في العراق، واحتلال طهران عن طريق عملائها لأجزاء من سوريا لا تريده مؤقتاً ولا عارضاً، بل هي تريد وجوداً دائماً، خاصة وأنها لا تعتمد على عناصرها العسكرية الإيرانية فحسب؛ بل تحت تصرفها نحو ١٥ ألف مقاتل من الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان.

روسيا وجدت في الأزمة السورية ضالتها في تجديد الحضور القوي في منطقة الشرق الأوسط التي طردت منها، وكان تدخلها محسوباً وملعوباً لأهداف مبيتة، أظهرتها عندما صرح ساستها بأنه لولا التدخل العسكري الروسي لغرقت إيران في مستنقعات سوريا؛ ولو تأخر هذا التدخل أسبوعين فقط لكانت قد سقطت دمشق!

وقد بدأت روسيا في مسار جني الثمار لدورها العدواني في سوريا، ولهذا دعت إلى مؤتمر الأستانة ليكون مدخلاً مشتركاً لهندسة المشروع الجديد القديم الهادف للتقسيم، في محاولة لاقتفاء أثر الأمريكيين إثر غزوهم للعراق؛ فشرعت في أنواع أخرى من العدوان على الشعب السوري بالتدخل السافر في شؤونه، فكانت دعوتها لفرض «حل سياسي» من خلال عقد مفاوضات «سلام» بين النظام السوري وبين ما يطلق عليه «المعارضة المعتدلة» في عاصمة كازخستان، مستغلة تردي العلاقات الأمريكية التركية، لكن نوايا الروس في الهيمنة على توجيه الأوضاع في سوريا ظهرت من خلال توجيه نتائج المفاوضات نحو تدعيم نظام علماني بديل وعميل للروس، يضمن مصالحهم في سوريا ما بعد الثورة، وما بعد بشار.

وكان من تلك الخطوات اقتراح دستور جديد لسوريا، لا يشترط أن يكون دينها الإسلام، وكذلك يجردها حتى من وصف العروبة، فالاسم الرسمي المقترح لسوريا مستقبلاً هو «الجمهورية السورية»، وهذا يتلاقى مع هوى إيران الفارسية المبغضة للعرب، ورغبات الأكراد السوريين العلمانيين الراغبين عن الاشتراك المعيشي مع العرب، مع أنهم مثلهم في الانتساب التاريخي للسنة. والعجيب أن ذلك المسار المريب في الأستانة لم تدع إليه أية دولة عربية، باستثناء نظام بشار المطرود من جامعة الدول العربية!

وروسيا التي مارست دور الضواري الجواري بافتراسها، والجوارح الطائرة باقتناصها، تريد اليوم بعد أن أنهت نهمتها من الإبادة والتدمير أن تتقمص دور «حمامة السلام» المبشرة بالأمان والوئام، وهي تتلاعب بعنصري الحرب والسلام - كغيرها من أعداء الأمة - فقد كانت على مدى عامين تسخن الأجواء وتشعلها حيناً؛ ثم تبردها وتُسكنها حيناً، وهي تريد من هذا التسخين أو التبريد في النهاية أن يخسر الجميع بمن فيهم إيران، لتتربع هي على عرش النفوذ في سوريا، مع شيء من التنسيق مع أمريكا، كي تنطلق بعد سوريا إلى غيرها مما في جوارها، تحقيقاً للأمل القديم بالوصول إلى المياه الدافئة التي من أجلها غزا الروس أفغانستان، إلى أن أخرجهم الأمريكان مستخدمين المجاهدين المسلمين.

والآن وبعد تولي ترامب هل نحن في مرحلة توافق الكبار على تقاسم النفوذ مما يضعف قدرة القوى الإقليمية على المناورة أم نحن أمام صراع مستقبلي تكون فيه تركيا الطرف الذي يحاول الجميع استمالته؟

وأياً كانت طبيعة التنافس فإن تقسيم سوريا وغيرها من البلاد العربية مخطط صهيوني قديم يتجدد كل حين، ويدخل المتآمرون على الأمة بين زمن وآخر تعديلات عليه بحسب المتغيرات، ولكن جوهر التقسيم يكاد يكون واحداً، وهو تفتيت المنطقة كي لا تقدر تحت أي تطورات مستقبلية أن تتوحد في وجه التحديات والأخطار، ومثلما وجدت المخططات القديمة للتقسيم بشأن العراق طريقها للتنفيذ بعد غزوه عام 2003، وبعدما قُسم السودان فعلياً ورسمياً عام 2012 فقد تجدد الكلام عن التقسيم بعد إفشال الثورات العربية وتحول من مراحل التنظير الافتراضي إلى مرحلة التأطير الواقعي في ظل المتغيرات الحادة التي طرأت على المنطقة.

وفي شأن سوريا، وكذلك اليمن - وربما مصر - هناك من ينسج خطوط التقسيم السياسي والجغرافي والديمغرافي على منوال الانقسام الشعبي والتنافر الديني والمذهبي، ومع أن حديث التقسيم في سوريا كان وارداً منذ تعاظم الأحداث؛ فقد تفجرت قضيته بعد أن قطعت الأطراف المتربصة أشواطاً في الاقتراب من حجز حصتها في خريطة الغنائم، والعجيب أن تلك الأطراف برغم تناقضها وتنافرها تكاد تتوافق على الخطوط العامة القديمة للتقسيم، وهي تجزئة سوريا إلى مقاطعات تحت مسمى الدول، تضمن نشوء كيانات مستقلة لكل من الشيعة العلويين ومن في حكمهم من الإثنى عشرية الغزاة على السواحل الغربية لسوريا، وكذلك الأكراد في الشمال الشرقي، والدروز في الجنوب العربي، أما أهل السنة الذين يمثلون الأغلبية، فالمخططات القديمة منذ خمسينات القرن العشرين تقضي بحشرهم في مناطق الوسط معزولين، ومقسمين أيضاً إلى كيانين منفصلين متنافرين!

ومؤخراً، وبعد كارثة حلب؛ صرح مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية جون برينان بأن تقسيم سوريا بات أمراً مرجحاً، ولم يعد بالإمكان العودة إلى سوريا موحدة كما كانت!

هذا التصريح الخطير من رجل في هذا المنصب الذي يسمح له بالاطلاع على مجريات وتطورات الأمور يعطي الانطباع بأن أمريكا تمرر الأحداث التي تصب في اتجاه التقسيم، وهي تغض الطرف عن تحركات غرمائها من الروس والإيرانيين ريثما تقترب الصورة من النمط المخطط سلفاً في مقترحات مهندس أشهر خرائط التقسيم، وهو اليهودي الأمريكي برنارد لويس.

الجديد في الأمر هو دخول أطراف لم تكن قريبة ولا فاعلة في مخططات التقسيم المشهورة التي تغلب عليها الصيغة الغربية بصبغة صهيونية، فقد برزت روسيا في سوريا، مثلما ظهرت إيران في العراق ثم سوريا، وتحاول تركيا الدخول على خط خطط التقسيم بعد أن اكتشفت أن تقسيمها هي أصبح أحد أهداف المقتسمين.

ما حدث في حلب من حصار طويل أعقبه إسراف في القتل والتدمير والتهجير، في ظل غياب أمريكي مقصود، وذهول وانشغال تركي، وتنسيق وتوافق وإصرار روسي إيراني كان نموذجاً لكيفية تنفيذ مخططات التقسيم، فروسيا تعد حلب منطقة نفوذ مستقبلي، ويبدو أن أمريكا تقر روسيا على النفوذ في حلب مقابل وضع يدها على الشمال السوري الذي يسيطر عليه حلفاؤها من العلمانيين الأكراد، إضافة إلى الرقة وما جاورها، والجنوب السوري، حيث تعهد ترامب بإعطاء الأولوية لما سماه الحرب ضد الإرهاب الإسلامي في سوريا وغيرها، ليضمن لأمريكا مهر بغيها، وهو بطبيعة الحال سيفرض لها نصيب الأسد من تركة «الأسد»!

الشيء الوحيد المتفق عليه بين كل الأطراف المتورطة بنكبة سوريا يتلخص في كلمتين هما «أمن إسرائيل»! فهذا هو القاسم المشترك بين جميع المقتسمين والمستفيدين من مصائب الشعب السوري. ويبقى المجاهدون في سوريا وسط تلك الغابة بالغة الغرابة، ينازلون الجبروت العسكري، ويواجهون المكر والطغيان السياسي، ويناهضون التوحش والجموح الطائفي، ويتعاملون منفردين مع إقرار وإصرار المجتمع الدولي على ترك بلادهم نهباً مشاعاً وكلأً مستباحاً لكل الطغاة، وإذا لم يتوصل هؤلاء للحد الأدنى من التوافق والتعاون والاعتصام فإنهم سيورثون للأجيال القادمة من السوريين وغيرهم تركة نكبة جديدة تفوق نكبة فلسطين التي لا تزال عُقدها تلتف حول رقاب جميع المسلمين!

لا يزال الأمل - بعد الله - قائماً، فسوف يكون للشام أعظم الشأن في ما هو قادم وقريب من الزمان، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتُمل من رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام»[1].

فاللهم كن للمجاهدين عوناً ونصيراً، ومؤيداً وظهيراً.

 

 


[1] رواه البزار في «الأحكام الشرعية الكبرى»  بإسناد حسن (4/511).