المتأمل للحراك العلمي والفكري على الساحة المعاصرة، يلحظ بعثاً أصولياً صاعداً، فرضته تحديات المرحلة، وانسجمت معه ثورة البحث والسؤال والمعرفة.

ذلك أن ضعفاً وعزوفاً منهجياً - عن الدرس الأصولي - عاشته مدارس مشيخية ماضية، أفرزت مظاهر مرضية، تتعلق بمسارات منهجية مؤثرة، كالاجتهاد والمناظرة، مع الاكتفاء بالاعتماد على عموميات الألفاظ، دون الالتفات للمعاني والتعاليل والتسبيب والتقصيد.

والانتقال من مرحلة إلى مرحلة يُتوقع معه انتقال بعض شوائب المرحلة السابقة إلى المرحلة اللاحقة، كما هي آثار المتحولين فكرياً وعقدياً، وانظر هذا في أبي الحسن الأشعري رحمه الله، عندما أعلن الانتقال إلى مذهب أبي عبد الله الإمام أحمد بن حنبل، مع بقاء ترسبات كلامية مصاحبة.

هذا ما يمكن ملاحظته هنا، ويجدر بالباحث رصده وتسجيله، ونحن نتحدث عن هذا البعث الأصولي، ومثارات الغلط فيه.

لعل مما ينبغي الوقوف عنده وإدراجه ضمن مثارات الغلط في تطبيق النظريات والقواعد - عند بعض الطلبة في هذه المرحلة - الاحتجاج بالقاعدة الأصولية دون الوقوف على محترزاتها، وضبط قيودها ومعرفة مَحالّ استعمالها. وإن مما يُعلم أن القاعدة الأصولية ليست كالقاعدة المنطقية، التي يمتنع انفراد بعض جزئياتها، فلا تدخل الاستثناءات على كلياتها. فالقاعدة الأصولية طبيعتها المرونة والتكيف، مع شروطها وموانعها ومستثنياتها.

والإشكال المعرفي والتطبيقي الذي يسجل هنا؛ هو اشتهار القاعدة الأصولية، دون إيراد قيودها ودرك تقسيماتها، وتبصير الدارس بطرق استعمالها وكيفية تحقيق مناطها في الجزئيات.

تلحظ هذا جلياً في شروح الشيوخ للمتون العلمية وفي ثنايا البحوث والمقالات الفكرية. فتذيع القاعدة وتجري على الألسن، وهي عرية كل العراء، عن مناطها وضوابط تطبيقها.

إضافة إلى ما يلحظ من تشجيع بعض الشيوخ طلابهم، في الاقتصار على بعض المتون الأصولية المختصرة، فيثق الطالب بنصيحة الشيخ، نظراً لرسوخ علم شيخه ومتانة اجتهاده، وما علم هذا الطالب أن الشيخ قد جرد بعض تفاسير القرآن وشروح الحديث ودواوين الفقه، مما يعني ضرورة أنه وقف على أغلب القواعد الأصولية والفقهية وتفهم متعلقاتها. وهل خرجت أصول هذه القواعد إلا من رحم هذه الدواوين، وعليه فيجزم الناظر أن هذا الشيخ لم يبن علمه واجتهاده على هذه المتون الأصولية المختصرة.

وربما اكتفاء الطالب بدراسته النظامية لمادة الأصول، مع ما يعتريها من تقطع وتشتت وابتسار، فتترسخ القاعدة في ذهن الطالب وهو بعدُ لم يقف على محترزاتها، ومن هنا يثور الغلط ويكبر.

وربما أشار الفقيه أو الشارح إلى قاعدة أصولية دون الإشارة إلى ضوابط استعمالها، باعتبار ذلك معروفاً في الوسط الأصولي فلا يتطلب التنبيه، فيأتي من ليس من أهل الدراية والاختصاص، فيستثمرها في مسائل أخرى دون رعاية لمتعلقاتها، ومن هنا ينشأ الغلط.

ومما يقرره العقل المنطقي أن الغلط يُولِّد الغلط، كما تتراكم الأغلاط في قسمة الأنصباء وتوزيع التركات، عندما يحدث الغلط في مبتدئها.

فكذلك هنا يُولد غلطُ الفهم والتطبيق غلطاً آخر، يتمثل في استغلال القاعدة الأصولية والفقهية، وضرب النصوص الشرعية بها، وتحويلها إلى نظرية نفعية براغماتية، فينتج عن هذا غلط ثالث كردة فعل لهذه الأغلاط، يقوم على التشكيك بالقاعدة أو ردها بالجملة، عن طريق التماس دليل الذريعة أو الدليل الجزئي المعارض لها. مستشعراً هذا المغالطُ حمايته للنص الشرعي، وتحصين الحكم التكليفي، عند معارضته لهذه القواعد، وانظر هذا جلياً في قاعدة المصالح والمفاسد.

ومن هنا يتأكد على الدارس، جمع المادة الأصولية لهذه القواعد من كتب أهل الفن، وعدم الاكتفاء بغيرها، عند محاولته فهم القاعدة أو توظيفها.

وإن كانت كتب أهل الاختصاص؛ ظاهرة التعقيد متشعبة المسالك، إلا إن الضرورة المعرفية والممارسة المنضبطة تفرض الرجوع إليها، بغية الوصول إلى المسارات الصحيحة لهذه المباحث الأصولية.

فليست القواعد الأصولية قوالب معلَّبة، ممتنعة التخصيص والتداخل، جاهزة الاستعمال في جميع الظروف والمَحال، بل هي أشبه ما تكون بتراكيب متداخلة، يُنظر في تعارضها، ويراعى تنزيلها عند تداخلها. كما لو تعارض عامٌ منطوق مع خاصٍ مفهوم، فقد يراعي الناظر جانب المنطوق مقابل المفهوم ولا ينتبه إلى جانب الخصوص مقابل العموم. كما في حديث ابن عمر في القلتين مع حديث أبي سعيد رضي الله عنهما في طهورية الماء، فأحدهما منطوق لكنه عام والآخر مفهوم لكنه خاص.

وإذا كان النص الشرعي المقدس، معلقاً بمقيداته ومخصصاته، معتبراً في ذلك مستثنياته، فكذلك غيره مما هو داخل تحت صنعة الأصولي.

وإذا كان النص مقدساً ومرجعاً محكماً، مع ما يرد عليه من سوء الفهم والانحراف في الاستشهاد، فكذلك القاعدة الأصولية والفقهية، تبقى معتبرة محكمة، مع الواردات الفاسدة عليها، عند من يجهلها أو يسيء فهمها ويغلط في تطبيقها.

وإن أردت أمثلة لذيوع القاعدة وأخذها بعمومها، دون الوقوف على متعلقاتها فتأمل هذه النماذج:

١- قاعدة «إذا ورد على الدليل الاحتمال؛ بطل به الاستدلال»: وهل هناك دلالة تخلو من احتمال معارض إلا ما ندر؟! وذلك هو الغالب في أحكام الفروع كما يقوله الطوفي، وإنما العبرة باحتمال تعضده الحجة.

٢- قاعدة «الإثبات مقدم على النفي»: ولا يُفرق بين النفي المبني على علم أو على عدم العلم.

٣- قاعدة «عدم النقل ليس نقلاً للعدم»: ولا يفرق بين ما تتوافر الهمم على نقله وما لا تتوافر.

٤- قاعدة يذكرها بعض الشيوخ وهي أنه «لا قياس في العبادات»: وهذا فيه غرابة، أن يغلق باب القياس في العبادات، ولا يفرق بين إثبات عبادة عن طريق القياس، كإثبات الأذان للعيد قياساً على الجمعة، وبين إلحاق قيد أو صفة أو مانع أو صحة أو بطلان يتعلق بالعبادة عن طريق القياس، كقياس الأرز على البر في زكاة الفطر وما ثبت في الفرض ثبت في النفل.

5- قاعدة «الجرح مقدم على التعديل»: عند الكلام على رجال السند ولا يفرق بين مقام الجارح والمعدل وتمكن أحدهما من هذا الفن.

والأمثلة كثيرة تستحق التتبع والدراسة.