المقدمة

 فكرت في ليلة الجمعة السوداء التي تم التآمر فيها على الإرادة الشعبية في دولة تركيا، كيف أن العالم «الحر» أراد اغتيال هذه التجربة الرائدة في العالم الإسلامي، وطمس معالمها، والفتك بمؤسس الجمهورية التركية الثانية رجب طيب أردوغان حفظه الله.
 في تلك الليلة أخذتنا مشاعر جارفة ونحن نرى المؤامرات حول هذه التجربة الرائدة، والعجيب في الأمر أن هذا الانقلاب يمول بأموال النفط العربي، والغطاء الصهيو-أمريكي، المؤامرة حبكت ودبرت بليل بهيم، ولكن الله سلم ولطف، وحفظ للأجيال رمز الوحدة الإسلامية رجب طيب أردوغان.

والذي أود الإشارة إليه هو أن المصلحين يتعرضون لمثل هذه الأمور في كل زمان ومكان، من أقرب الناس إليهم الذين يسعون للنيل من جهودهم الوحدوية، وتحقيق مآرب الأعداء الساعية للسيطرة على الأمة ومقوماتها، والشخصية التي نتناولها في هذا المقال شخصية وحدوية كرست حياتها للدفاع عن قضايا الأمة فشغل ذلك تفكيرها ووقتها، إنها شخصية السلطان الفقيه المحدث سيدي محمد بن عبد الله، باني الدولة المغربية الحديثة، وأحد أركان الوحدة الإسلامية مع خلفاء بني عثمان في إسطنبول المحروسة، فإليكم جزءاً من إنجازات الرجل فتأملوا يرعاكم الله، وقارنوا حال الأمة بين اليوم والأمس.

وسيدي محمد بن عبد الله حمل الأمانة في زمان عصيب واستطاع توحيد البلاد ولملمة شتاتها والظفر بتحرير الثغور والانفتاح على العالم في إطار التعاون والاحترام المتبادل والسيادة الكاملة للمغرب على سائر أراضيه وثغوره دون تدخل من عدو أو صديق، فأعاد للبلاد هيبتها، وجعل منها دولة قوية يحسب لها ألف حساب، فمن هو مولانا سيدي محمد بن عبد الله فقيه الملوك، وملك الفقهاء؟

ولد السلطان محمد بن عبد الله بن إسماعيل بمكناسة الزيتون سنة 1130هـ الموافق 1721م، وبويع بفاس إثر الفراغ من دفن والده يوم الإثنين 25 صفر 1171هـ الموافق 8 نوفمبر 1757م، وهو يومئذ بمراكش ووجهت البيعة من فاس إلى مراكش، وقرئت على منبر جامع المنصور بالقصبة هنالك، وكان الذي تولى قراءتها قاضي العاصمة الفاسية أبو محمد عبد القادر بن العربي بوخريص الكاملي الجعفري[1].

وقد أجمع المؤرخون المعاصرون له على أن ما بين عشرين صفر 1171هـ إلى 24 رجب 1204هـ وهي المدة التي تولى فيها سيدي محمد بن عبد الله أمر المغرب كانت لطفاً من الله وعناية منه بعباده في هذه البلاد. ولعل ما يهمنا في هذا البحث هو تسليط الضوء على هذا السلطان العالم وجهوده الإصلاحية لبناء دولة قوية، يقول الحجوي الثعالبي رحمه الله تعالى: «السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي سلطان المغرب الأقصى، عالم السلاطين وسلطان العلماء في وقته، إمام جليل وجهبذ نبيل أحيا من العلم مآثره، وجدد الدولة العلوية بعد أن كانت داثرة، جال بنفسه في المغرب، وتقرى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين كاد أن يندثر من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفاً على نسق رسالة ابن أبي زيد تسهيلاً على العوام ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام، وهي عندي موجودة ومن ذخائري معدودة»[2].

تنظيمه الدولة على أسس الخلافة الراشدة:

لما تقلد سيدي محمد بن عبد الله ملك المغرب بعد وفاة والده صار يبذل جهوداً جبارة لتركيز السلطة في البلاد، وإعادة الوطنية إلى نصابها، وكان ذلك بتوجيهات ومبادئ القرآن والخلافة الإسلامية الشرعية، ومشاورة العلماء، وتابع هذا التنظيم تدريجياً، وبعد فراغه من تثبيت الأمن بمجموع المغرب التفت إلى التنظيم المالي فقد عقد جلسة مع العلماء الذين وفدوا عليه من فاس وغيرها وكان مما حدثهم به في أول الجلسة أن قال: «إني أسير إن شاء الله بسيرة الخلفاء الراشدين»، ثم تطرق إلى موضوع الجلسة وهو الزكاة والموارد الأخرى فقال لهم: «هل يجوز فرض مال على الرعية لإعانة الجيش غير الزكاة إن لم يكف ما في بيت المال»[3] فاعتمد السلطان فتواهم[4].

محمد بن عبد الله الملك العالم:

كان رحمه الله تعالى بحراً في العلوم لا يجارى وفي التحقيق لا يبارى، لاسيما علم الحديث كانت له عناية كبرى بجرد كتبه وتحقيق معانيه، ومزيد إجلاله وتعظيمه، ومن ذاك جلب من بلاد المشرق كتباً نفيسة من كتب الحديث لم تكن بالمغرب مثل مسند الإمام أحمد ومسند أبي حنيفة رضي الله عنهما وغيرهما، وألف كتباً في الحديث قل مثلها في القديم والحديث، وذلك بإعانة بعض العلماء والملازمين مجلسه للمذاكرة فيه من ذاك مسانيد الأئمة الأربعة أو ثلاثة منهم أو اثنان، فإذا انفرد بالحديث إمام واحد أو رواه غيرهم لم يخرجه ولم يسبق بمثل هذا، وكان كثيراً ما يتأسف ويقول: والله لقد ضيعنا أعمارنا في البطالة. تحسراً على ما فاته من تحصيل العلوم أيام شبابه، إذ كان  في ذلك معتكفاً على سرد كتب التاريخ وأخبار الناس، وأيام العرب ووقائعها حتى بلغ الغاية القصوى في ذلك، ثم زهد في التاريخ والأدب لما تولى الخلافة، وصرف همته للعلوم الشرعية ومجالسة أهلها ورتب بذلك أوقاتاً مضبوطة لا تنخرم.

ونص على سياسة إصلاحية في مجال التعليم الشرعي الهدف منها كسر الجمود وتشجيع الاجتهاد، وهذا الظهير يدل على سعة علم السلطان، وحرصه على تطوير مملكته الشريفة، وأول خطوة للإصلاح إصلاح التعليم الشرعي الذي يخرج العلماء والقضاة ورجال الدولة، ولا أبالغ إن قلت إن سيدي محمد بن عبد الله فلتة من فلتات الزمان ورائد من رواد الإصلاح وعظيم من عظماء الإسلام رحمه الله تعالى.

ويفهم من خلال هذا الإصلاح أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان يوجه الناس إلى الأخذ بالعقيدة الصافية الواضحة البعيدة عن الحشو والكلام، ونهى السلطان رحمه الله تعالى وهو البصير بأحوال المسلمين الناس عن الخوض في المسائل التي لا ينفع العلم بها ولا يضر الجهل بها، وهي كتحصيل الحاصل الذي إذا لم يضرك لم ينفعك، مع العبء الذي تشكله على العقل وتمنعه من الاشتغال بمسائل الاجتهاد والإبداع التي لها أثر في الواقع بدل الاشتغال في مسائل ذهنية وصور نمطية لا تسمن ولا تغني من جوع فسبحان من وفق السلطان لهذا القرار النبيل في عصر التقليد والجمود.

سيدي محمد بن عبد الله.. دبلوماسية المدافعة والتدافع:

يعتبر سيدي محمد بن عبد الله عبقري زمانه في سياسته الانفتاحية على العالم الإسلامي والدول الأوربية المحيطة بالمغرب، فشكل قوة برية وبحرية رادعة لكل الغزاة وسعى لتحرير الثغور وتحصينها دفعاً لأطماع الدول الصليبية، وجعل العلاقة بين المغرب وبين دول أوربا تقوم على أسس المصلحة والردع. أما بالنسبة للدول الإسلامية وخصوصاً الخلافة العثمانية فقد حافظ معها على علاقة طيبة تقوم على الاحترام والتعاون في قضايا الأمة الكبرى، فساهم رحمه الله في تحرير أسرى المسلمين بغض النظر عن انتمائهم وأوطانهم في العالم الإسلامي وبذل في ذلك العطايا والأموال.

تحرير الأسرى المسلمين من أيدي الصليبيين دون تمييز بين رعاياه ورعايا الخلافة العثمانية:

بذل سيدي محمد رحمه الله تعالى جهوداً مضنية لفك أسرى المسلمين، وهذا ما سمي في زمانه بدبلوماسية الأسرى، وقد دل ذلك على قوة الدبلوماسية المغربية في فرض شروطها على العالم الأوربي، وموازاة مع ذلك نكتشف حضور هموم الوحدة الإسلامية في الوجدان المغربي، هموم تتضح معالمها من خلال افتداء السلطان المغربي لأسرى المسلمين ومنهم الأتراك والجزائريون، وبالنظر إلى أحد المؤرخين المعاصرين للسلطان سيدي محمد ماذا يقول: «فاتفق منهم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن إسماعيل مع جميع أصناف الكفر على استخلاص أسرى المسلمين بأي بلد من بلدانهم، وبذل لهم الأموال  الخارجة عن ميزان الأنظار فبلغت الأسرى الذين استنقذهم من بلاد الكفرة وقاربت العشرين ألفاً. وبذل لهم فيهم على أقدارهم من قنطار فضة على ما قيل إلى مائة دينار ذهباً واستمر فداؤه إلى أن حضرت وفاته في حدود 1206هـ رحمه الله تعالى، وهذا شيء لم يتفق لغيره من سلاطين الإسلام»[5].

سبب إلحاح سيدي محمد بن عبد الله على فداء الأسرى وجعله أولوية كبرى للخارجية المغربية:

لا شك أن سيدي محمد بن عبد الله الخليفة المصلح كان ذا نخوة وعزة إسلامية عظيمة يأبى الذل والهوان لجميع أبناء دينه وملته، فلذلك سخر جهوده الدبلوماسية لخدمة ملف الأسرى وجعل كبار دولتهم يفدون على ملوك النصارى برسائل قوية تؤكد أن خليفة المسلمين سيدي محمد بن عبد الله يبذل جميع الجهود السلمية والحربية لتحرير أسرى المسلمين. من ذلك رسالته لطاغية الإصبنيول التي جاءت على إثر مراسلة عدد من أسرى المسلمين لصاحب الجلالة السلطانية رحمه الله تعالى يعلمونه فيه بما هم من ضيق الأسر وثقل الأصر وما نالهم من الكفار من الامتهان والصغار، فكان فيهم من ينتمي للعلم ومن يقرأ القرآن، فلما وصلت كتبهم إلى السلطان وقرأت عليه تأثر لذلك ووقعت منه موقعاً كبيراً وأمر في الحين بالكتب إلى طاغية الإصبنيول يقول: «إنه لا يسعنا إهمال الأسرى وتركهم قيد الأسر ولا حجة في التغافل عنهم لمن ولاه الأمر وفيما نظن أنه يسعهم ذلك في دينهم أيضاً». وأصله أن يعتني بخواص المسلمين الذين هنالك من أهل العلم وحملة القرآن، وألا يسلك مسلك غيرهم من عامة الأسرى قال: «مثال نفعل نحن بأسراكم من ذوي المكانات فإننا لا نكلف لهم بخدمة ولا نخفر لهم ذمة»[6]، فلما وصل الكتاب إلى الطاغية أعظمه وكاد يطير سروراً به وأمر بإطلاق الأسارى الذين بحضرته، وبعث بهم إلى السلطان ووعده أن يلحق بهم غيرهم من الذين بقوا بسائر بلاد الإصبنيول[7].

وتتضح قوة سلطان المغرب ونفوذه ومدى احتياج ملوك أوربا له. والعزة التي يتمتع بها أمير المسلمين سيدي محمد بن عبد الله، وكيف يفرض شروطه على زعماء العالم ويخاطبهم بالإنعام عليهم بإطلاق الأسرى لهم وأن دولة المغرب هي القوة البحرية المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط فيذعن لها العالم بأكمله ويخطب ودها ويحترم ملكها وشعبها.

إخضاع سيدي محمد بن عبد الله العلاقات الخارجية للمصالح الإسلامية بدل البرغماتية السياسية:

من قرأ واطلع على حياة سيدي محمد بن عبد الله ربما ظن أن هذا السلطان الفقيه سيعتمد سياسة انطوائية اتجاه الأمم الأخرى، وأنه سيغلق بوابة المملكة الشريفة. ويجعل بين رعيته والخارج أبواباً حديدية موصدة، كما تفعل الأنظمة الشيوعية الشمولية في العالم اليوم. لكن الذي حدث هو عكس هذه الصورة. فالرجل متشبع بأفكار إسلامية صادقة مطلع على المقاصد الشرعية، مطلع على السياسة الشرعية، مدرك أن المصلحة الشرعية معتبرة في العلاقات الدولية، فخط أسلوب انفتاح جديداً لم يعهد في من سبقه من ملوك الدولة الشريفة. وتعامل مع الدول الأوربية بمنطق الدولة المحورية القوية، وكان يفرض إرادته السياسية على ملوكهم فلا يجدون إلا الإذعان والخضوع.

فقامت علاقته السياسية على مبادئ مهمة تعتبر في ذلك الوقت سابقة لزمانها يعرف ذلك من تتبع مختلف المعاهدات التي عقدها مع الدول الأوربية (فرنسا، إسبانيا، بريطانيا، البرتغال، السويد، الدنمارك، إيطاليا، هولندا، مالطا، نابولي). فالمعاهدات المنعقدة تقوم على أسس المساوة القانونية، وتبادل المصالح التجارية. فيستورد منها المغرب المعدات الحربية، والذخيرة والأدوات المستعملة في تقوية الأسطول المغربي وتستورد هي من المغرب المنتجات الفلاحية وبعض المواد المعدنية[8]. وقد كان سيدي محمد بن عبد الله مؤيداً للشعوب التي تريد الانعتاق من الاستعمار فكان أول رئيس دولة يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وقد استوجب ذلك أن تفكر هذه الدول العظيمة في إقامة نصب تذكاري له في عاصمتها كما تدل رسالة جورج لسيدي محمد بن عبد الله إثر الاعتراف بدولته على التقدير والاحترام اللذين يحظى بهما المغرب في الأوساط الدولية اعتباراً لقوته وتقدمه وسياسته السليمة الرشيدة[9].

تأسيسه للوحدة الإسلامية وتقديمها على المصالح القطرية:

يتجلى اهتمام سيدي محمد بن عبد الله بالوحدة الإسلامية في كثير من مواقفه، ولاسيما دبلوماسية الأسرى التي مارسها سفراؤه للدول الأوربية بغض النظر عن جنسيات الأسرى المسلمين. وكذلك وقوفه إلى جانب الدولة العثمانية أكبر دولة إسلامية في عهده ومساندته لها في حروبها، ومراسلته لخلفائها، وهو يوم ذلك مستغن عنهم، وقوته البحرية أقوى منهم لكن مع ذلك كانت هناك مراسلات بينه وبينهم وسنورد نماذج لذلك. ففي سنة 1180هـ بعث سيدي محمد بن عبد الله خادمه الرئيس عبد الكريم راغون التطواني باشادورا إلى السلطان مصطفى العثماني، وأصحبه هدية نفيسة مكافأة على هديته التي كان أرسلها مع السيد الطاهر بن عبد السلام السلاوي والسيد الطاهر بناني الرباطي. ثم لما دخلت 1181هـ قدم الحاج عبد الحاج عبد الكريم المذكور من عند السلطان، ومعه هدية عظيمة أعظم من الأولى، وهي مركب موسوق بالمدافع والمهاريس الحربية وإقامتها وإقامة المراكب القرصانية من صوار ومخاطية وقلوع وقمن وحبال وبراميل وغير ذلك من آلات البحر وفيها ثلاثون من منضرة المعلمين الذين لهم المعرفة بأضراع الدافع والمهاريس... وفيهم معلم مجيد في الرمي بالمهراس إلى الغاية فنزلوا بمرسي العرائش[10].

ونضيف رسالة أخرى تبين مقدار الترابط والوحدة التي كانت بين المغرب وتركيا أيام السلطان الوحدوي سيدي محمد بن عبد الله. وكيف أن السلطان شكر لملك فرنسا، وقوفه وميله للسلطان مصطفى العثماني في حربه ضد الروس وإليكم نص الرسالة:

«من عبد الله الأمير المجاهد في سبيل رب العالمين السلطان بن السلطان الشريف الحسني أيد الله نصره وخلد في المآثر الدينية والدنيوية ذكره أمين إلى الري لويز عظيم الفرنصيص.

السلام على من اتبع الهدى، أما بعد:

فاعلم أننا معك على المهادنة والصلح التأمين. والذي أكد ذلك ما بلغنا عنك من ميل لجانب أخينا السلطان مصطفى نصر الله.

في ثاني جمادى الأولى عام 1187 صح من أصله المحتفظ به من وزارة الخارجية من باريس»[11].

ويتبين من خلال هذه الرسالة أن هناك دليلاً واضحاً على عمق الروابط بين المملكة والدولة العثمانية، وإحكام الروابط والاتصال وتوثيق عرى السياسة الإسلامية توثيقاً مبيناً على قواعد السلم المتينة على التعاليم المحمدية التي لا تنفك ولا تتزلزل ولا يعتريها انفصام. ومن مظاهر تعلقه بالأخوة الإسلامية أنه خطب بعد صلاة عيد الفطر المبارك ودعا بالنصر والتأييد للخليفة العثماني عبد الحميد الأول، ثم أصدر أمراً بالدعاء له في سائر مساجد المملكة المغربية، وهذا العمل شبيه بما فعله يوسف بن تاشفين مع الخليفة العباسي برغم استغنائه عنه، وقوة سلطانه الذي لا يقاس به سلطان الخليفة نفسه.

وكان هذا العمل إيذاناً بأن الدولة الإسلامية دولة واحدة، وأن التضامن الإسلامي حقيقة فعلية لا تقبل التشكيك، وأن الجامعة الإسلامية التي يدعو لها الناس اليوم قد حققها سيدي محمد بن عبد الله بوسائل عملية وأخضع العلاقات الدبلوماسية لها، فكان من نتائج هذا الاتفاق والتعاضد بين ملك المغرب، والخلافة العثمانية على رفع شعار الإسلام في ميدان العلاقات الخارجية أن نالا العز والمجد، ووقف العالم الإسلامي من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلسي وحدة قوية متراصة[12].

وكانت له رحمه الله تعالى هيبة عظيمة في مشوره وموكبه يتحدث الناس بها، وقد وصف رحمه الله تعالى بأنه أحد المجددين للإسلام، وهابته ملوك الفرنج وطواغيتهم ووفدت عليه رسلهم بالهدايا والتحف يطلبون مسالمته في البحر، بلغ ذلك رحمه الله بسياسته وعلو همته حتى عمت مسالمته أجناس النصارى إلا الروس فإنه لم يسالمهم لمحاربتهم الدولة العثمانية، ولقد وجه طاغيتهم رسالة للسلطان وهديا لطنجة فردها للسلطان ورفض مسالمته[13].

والسلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله تعالى قد ساهم بشكل كبير في خلق رأي عام إسلامي وتكوين وعي سياسي بقضايا الأمة مما حقق له استثمار حركة الرعية وترشيدها في إطار قيامها بواجباتها الدينية تجاه الدولة والمجتمع.

ونحن عقدنا هذا المبحث لتبيين وظيفة العلماء في توجيه المجتمعات وقيادتها بالسياسة الشرعية الرشيدة، ثم إقناع الشعوب المسلمة أن تكون أفعالهم وفق المنهج الإسلامي، وأن يتقبلوا حكم الشرع في نتائج أفعالهم، وأن يتصرفوا على النحو المشروع في علاقتهم مع الآخرين. ويقدموا وحدة الأمة المحمدية على المصالح القطرية «سيدي محمد نموذجاً»، فإذا جهلوا ذلك أو بعضه وجب عليهم أن يعرفوه ليكون سلوكهم وفق حدود الله تعالى. ولا سبيل إلى معرفة الناس بهذه الأمور إلا إذا قام العلماء بهذا الواجب الذي تتسع فيه دائرة الوعي العام بالإسلام وأحكامه بين الناس فيدركوا بذلك مالهم من حقوق وما عليهم من وجبات.


 


[1] الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة، عبد الرحمن بن زيدان، «نقيب الأسرة العلوية»، طبع على نفقة مولانا السلطان محمد الخامس، المطبعة الاقتصادية، الرباط 1937، ص58.

[2] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاشي، المكتبة العصرية، صيدا لبنان، ص623.

[3] الملك المصلح سيدي محمد بن عبد الله، الحسن العبادي، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص70.

[4] الاستقصا، ج8، ص7.

[5] نزهة الأنظار في عجائب الأخبار، محمود مقديش، تحقيق علي الزواوي، محمد محفوظ، طبعة دار الغرب الإسلامي 1988، ج1، ص532.

[6] الاستقصا مجلد ٣، ج 8، ص23.

[7] المصدر السابق، مجلد 3، ج 8، ص23.

[8] الملك المصلح، ص75.

[9] المصدر السابق، ص76.

[10] الاستقصا، مجلد 3، ج8، ص32.

[11] العلائق السياسية للدولة العلوية، ص70/71.

[12] المصدر السابق، ص78.

[13] الاستقصا، مجلد 3، ج8، ص71.