السلوك الشيعي والإيراني العنيف تجاه عموم المسلمين المخالفين لطريقتهم ليس وليد اللحظة بطبيعة الحال، ولا وليد موقف سياسي فقط أو اجتماعي أو صراع مصالح كما يحلو لبعض المحللين تناوله ليجعلوه أكثر بروداً، إنما هو خليط من رؤية عقدية صلبة وحادة أضيف لها بعد سياسي وثقافي واقتصادي وحتى تاريخي. ولذلك فإن هذا الزحف الشيعي الأسود العسكري والديني والسياسي الذي تغذيه إيران في العالم الإسلامي عموماً والمنطقة العربية خصوصاً لم يأتِ عفو خاطر، إنما جاء عن صناعة وتربية أجيال من الإيرانيين والشيعة بطريقة مقصودة وممنهجة، بحيث تمت قولبة المجتمع الشيعي في مساقات ثقافية محددة تحمل في طياتها كل عناصر الحقد والعداء للآخر.

في هذا المقال سنحاول التعرف على تفسيرات وتعريفات «الآخر» في التصور الإيراني والشيعي، وكيف أدت تلك التعريفات أو ذلك التناول لإنتاج سلوك وموقف جمعي شيعي شديد العدائية ومتطرف السلوك تجاه ذلك الآخر، وليس الآخر هنا إلا تعبيراً عن المخالفين للتصورات الشيعية من المسلمين، فالآخر عند الشيعة وإيران هو المسلم أو العربي، لا الأخ ولا الجار ولا الشريك! ولا حتى الأعداء الدينيون المحاربون كاليهود والنصارى والمشركين.

وقبل ذلك من الجيد التنويه إلى أن ما سنعرضه هنا حول هذه المسألة، قد نجد سلوكيات أو مواقف لبعض الشيعة تناقضه أو تنكره، فرأينا فيه أنه من الشذوذ الذي يؤكد القاعدة، بالإضافة إلى صعوبة تصديق تلك المواقف أو التصريحات نظراً للتداخل الشديد بين ما هو من قبيل التقية عند الشيعة وما هو من قبيل الحقيقة! قضية «سحق الآخر» أصبحت ظاهرة عامة وسمة مميزة في الذهنية الإيرانية وسلوكاً عفوياً للمجتمع الشيعي، وهي توجه عام يقوده علية القوم وكبراؤهم! ولم تعد ظاهرة أحادية يمارسها حزب متطرف أو جماعة دينية.

موضوع «الآخر في الوعي الإيراني» سنتناوله من خلال العناوين التالية، التي تُشكل في مجملها قنوات ومنابر تغذية رئيسة تعمل عملها في تثقيف المجتمع الشيعي وتشكيل هويته العامة، وتحدد موقفه من الآخر أيضاً.

الآخر..  في المناهج الإيرانية:

لا يغيب عن أذهاننا ما للمناهج من دور عظيم في تكوين وبلورة كيان الناشئة العقلي والفكري والاجتماعي، ولذلك تعد دراسة المناهج والمقررات المدرسية وتحليل نصوصها من الإستراتيجيات المهمة في ميدان المناهج وطرائق التدريس؛ لأن الكتاب المدرسي أحد أهم العناصر المكونة لمنظومة التعليم، وهو الأداة لتحقيق الأهداف السلوكية، وركن أساسي في عمليتي التعليم والتعلم.

وقد أصدرت إيران سلسلة من الكتب المؤدلجة في المدارس الإيرانية التي تستهزئ وتسخر من العقلية والقومية العربية، وقد أصدرت إيران مؤخراً كتاباً مدرسياً يوزع على طلاب الصف التاسع من المرحلة التعليمية وعلى غلافه صورة رجل بدوي من الأعراب يمتطي ناقته ويقف بجانب إشارة المرور الضوئية، كإيحاء للطلاب بأن العربي ساذج ومغفل وجاهل[1].

القرآن الكريم أثبت وجود الآخر المخالف في الدين كأمر واقع، فأثبت الكثير من الأحكام التي تنظم العلاقة الاجتماعية والدينية والسياسية بين المسلمين وغيرهم كاليهود والنصارى وحتى المشركون، غير أن المناهج الإيرانية قامت وبقصد بإزالة الآخر وربطه بكل نقيصة، واعتمدت لذلك مختلف الأساليب غير الشريفة، لإقناع المجتمع الشيعي بالنظرة المتطرفة تلك، والأمثلة الدالة على هذا كثيرة.

الآخر .. في المؤسسة الدينية:

المؤسسة الدينية هي المشكِّل الرئيس والأبرز للوعي الجمعي في المجتمع الشيعي، فإيران والمجتمع الشيعي يستمد خصوصيته وتميزه الشديد عن الآخر )المسلم( من الرؤية الدينية التي يمتد تأثيرها العميق إلى مختلف مستويات الدولة وعلى كافة الأصعدة الاجتماعية الشيعية، ونظراً لوضوح الموقف الديني الشيعي من الآخر نكتفي بذكر ما أورده الخميني حول هذه المسألة، حيث قال: «ولا تجوز الصلاة على الكافر بأقسامه حتى المرتد، ومن حكم بكفره ممن انتحل الإسلام؛ كالنواصب، والخوارج، ويعتبر مال الناصبي حلال يؤخذ أينما وُجِد»[2].

وتتلخص الفكرة الدينية الشيعية في هدم الآخر (المسلم) وسحقه والانتقام منه اعتماداً على نظرية المظلومية التي بنوا عليها معظم معتقداتهم الدينية، ولا يعارض في هذه الحقيقة إلا صاحب هوى، فما أحدثه الشيعة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كلها بينات وشواهد على هذه النظرة وهذا الفكر المتطرف العنيف.

الآخر .. في الإعلام الشيعي:

الإعلام الشيعي إعلام تحريضي بامتياز، وإعلام بضاعته قلب الحقائق وعرض الأمور على غير وجهها الصحيح، وهذا ملاحظ في كافة القنوات الشيعية باختلاف مضامينها وتخصصاتها، وهناك عشرات القنوات الشيعية التي تكرر وتعيد بأشكال مختلفة تعريف وتصوير الآخر، بأسوأ وأقذع عبارات الوصف وأساليب الإسقاط الحسي والمعنوي بمناسبة وبغير مناسبة.

وهذا الاهتمام الشيعي بالإعلام كان مبكراً، ففي السنة التالية لحكم الخميني سنة 1980م أطلقت أول قناة شيعية باللغة العربية وهي «سَحَر»، والتي تحولت إلى قناة الكوثر لاحقاً، ثم تبعتها بعد ذلك عشرات القنوات، لتأخذ تلك القنوات على عاتقها إحياء التشيع ونصرة المذهب الباطني الشيعي، والفوضى التي نشاهدها اليوم في مناطقنا السنية الإعلام الشيعي أحد أسبابها ومصانعها، وللإعلام الشيعي أساليب ملتوية كثيرة ليس هذا مكان تتبعها أو بسطها، وفي إحصائية غير حديثة بلغت القنوات الشيعية العربية على قمر نيل سات أكثر من 30 قناة فضائية، وأكثر من 13 قناة أخرى على قمر عرب سات، هذا على مستوى القنوات الفضائية، ولم نتطرق لعدد الإذاعات أو الصحف والمجلات أو المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وهي أعداد ضخمة بلا شك وكبيرة.

وكمثال على تناول الآخر في الإعلام الشيعي نشير إلى حادثة واحدة فقط للتأكيد على أحد توصيفات «الآخر» التي يستخدمها الإعلام الشيعي، فقد قامت قناة العهد الشيعية العراقية بالنيل من السيد والخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه واتهمته «بالفساد»، لم تأتِ هذه العبارة لتعبر عن موقف ذلك الإعلامي وتلك القناة من شخص عثمان رضي الله عنه فقط، إنما لتدل وبوضوح عن الموقف من الآخر، كون عثمان رضي الله عنه يمثل أحد رموز الآخر وقادته، بل إن عثمان في نظرهم ليس إلا تعبيراً عن تيار المسلمين العام المحبين والمناصرين له، والأمثلة لا تعد ولا تحصى على الطريقة الإعلامية الشيعية المشينة في تناولها للآخر، بل هناك قنوات شيعية متخصصة فقط في هدم رموز الآخر كقناة «فدك»، وقناة «أهل البيت».

الآخر .. في الفن الإيراني:

«كان وجهه عفناً ومخيفاً جداً يشبه وجوه العرب البدو العفنين»، بهذه الجملة أضحك الممثل الكوميدي الإيراني الشهير «أكبر عبدي» الكثير من الإيرانيين، الذين انجذبوا لمتابعته في برنامج ساخر روى فيه قصته مع صائغ ذهب سعودي تقدم لخطبة ابنته التي تدعى «الميرا» لابنه أثناء الحج الفائت، فعلى شاشة التلفزيون الرسمي الإيراني سخر هذا الفنان في الثالث من أكتوبر من ثقافة العرب وتاريخهم على الهواء مباشرةوقال: «طلب هذا السعودي أن يخطب ابنتي الميرا لابنه وقال لنا سوف أعادل ابنتك بالذهب إذا وافقت أن تتزوج من ابني، قلت له: إذا عادلت ابنتي بالذهب فلن نعادلكم أنتم العرب وأنت وابنك بقاذورات الفرس»[3].

ومن أبرز القصائد التي تهين العربي القصيدة التي قدمها الشاعر الإيراني مصطفى «بادكوبه ئي»، تحت عنوان «رب العرب» فقد هجا العرب، ونعتهم بأسوأ التعابير والألفاظ، ووصفهم بالأعراب، ويقول الشاعر في هذه القصيدة التي ألقاها محتجاً في برنامج تلفزيوني حكومي مخاطباً الله: «خذني إلى أسفل السافلين أيها الإله العربي شريطة أن لا أجد عربياً هناك» رداً منه على ما قاله أحد المشاركين من أن العربية هي لغة أهل الجنة

 وبهدف تعزيز الروح الوطنية لدى الإيرانيين انتشرت مؤخراً لمغني راب إيراني يدعي «بهزاد بكس» أغنية «قتّال العرب»، جاء في كلمات الأغنية أن «حرس قورش»  سيقطع رؤوس العرب (قورش هو أحد ملوك إيران، الذي دمر حضارة بابل في العراق بالتعاون مع اليهود)، وقال المغني في كلماته أيضاً: «انهض يا قورش فقد بلغ الأمر بنا ليتم تهديدنا من قبل العرب، لم أكن يوماً أحب هؤلاء أكلة الجراد».

بل بلغ الأمر في التحريض على الآخر مستوى الألعاب الإلكترونية؛ «اضرب واشتم العربي» هو اسم لعبة إلكترونية قام موقع إيراني متخصص في مجال بيع الألعاب الإلكترونية بنشرها مؤخراً، ونقلت وسائل الإعلام أن الموقع الذي نشر اللعبة واسمه «ساجو» مسجل في «مركز تنظيم المواقع الإلكترونية الإيرانية» التابع لوزارة الثقافة والإرشاد في إيران[4].

ختاماً:

فإن ما ذكر لا يعد الصورة الكاملة لحقيقة الموقف من الآخر عند الشيعة وإيران، فما تخفي صدورهم أكبر، وما نشاهده من سلوك عدواني وتدميري لذات الآخر ومصالحه وكل ما يمت له بصلة ليس إلا نتاج عمليات تضليل واسعة وشعوبية عنيفة اشتركت فيها عناصر ووسائل مختلفة ومكثفة وبدعم هائل ومدروس منذ عشرات السنين وبقيادة إيرانية، وهو ما يُحتم علينا إعادة ترتيب أولويات المواجهة ووسائل المقاومة والردع المختلفة، لهذا الخطر ولهذا الموقف الظالم.

 


[1] مركز المزماة: الإرث التاريخي لحقد إيران على العرب.

[2] تحرير الوسيلة ج1 ص79.

[3]  رابط المقطع :  https://goo.gl/8gxcSI

[4] مقال منشور على الشبكة: «كيف قدم الأدب والفن والمناهج في إيران صورة العربي؟».