تبدو إيران اليوم قوة مناهضة للأمة المسلمة السنية، ولا تكل هذه الدولة عن ممارسة تهديداتها قولاً وفعلاً في عمق الدول العربية والإسلامية، تارة ببث الخطابات المعادية لأصول أهل السنة ورموزها، وأخرى بتجييش المليشيات وتطويق ومحاربة وتهجير المناطق السنية كما في العراق وسوريا واليمن، وبث القلاقل والفتن في المناطق التي لم تتجذّر قواها فيها بعد كما في الخليج العربي.

وتتجلى هذه الحقائق فتعيد إلى الأذهان صورة الدولة الصفوية بدمويتها البغيضة، وسياستها المناوئة المتعطشة للتوسع والدماء على حساب السنة ولو بالتحالفات مع أعدائهم من الشرق والغرب.

مشروع التشيع الفارسي:

لقد بدأ نشاط المشروع الشيعي السياسي بجلاء منذ القرن الرابع الهجري، وهو قرن ظهر فيه الشيعة على المسرح السياسي العربي باعتلاء البويهيين السلطة في إيران والعراق، والفاطميين في مصر وشمال إفريقيا، والقرامطة في شرق الخليج العربي، والحمدانيين في الشام، والأئمة الزيدية في شمال اليمن.

وفي العراق حيث ثقل الأمة السياسي حينئذ، احتل البويهيون الفرس العاصمة بغداد، وتحالفت السلطتان الدينية والحكومية، وخضعت العاصمة السنية إلى النفوذ الشيعي والدعاية الشيعية، ولم يكن من المستغرب في ظل هذا الوفاق بين الديني والسياسي أن يتوالى ظهور الكتب الحديثية المرجعية الشيعية لكل من الكليني والقمي والطوسي، وكلهم من العنصر الفارسي، وهم «الذين وضعوا من الانحرافات والبدع الكثير حتى صارت مرجعاً مقدساً لكل من جاء بعدهم»[1].

وكان طور الصعود الثاني للقوة الشيعية على المستوى الديني والسياسي والعسكري منذ استلام الشاه إسماعيل حيدر الصفوي الحكم سنة 907هـ/1501م، فجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية، ونظر إليه عدد من أئمة الشيعة لاسيما المجلسي كممثل للمهدي المنتظر، والولي الهادي حصراً، وربط الدولة الصفوية بعلامات المهدي المنتظر.

لقد قامت الدولة الصفوية بتحويل إيران إلى دولة شيعية بالقهر والسطوة والجبروت، وقتل وتهجير وظلم أهل السنة ذوي الأغلبية حينها، ومناوئة الدولة العثمانية والدخول في صراع محتدم دام لعقود بين الطرفين سالت فيه دماء عشرات الآلاف، وفي ظل هذه الدولة تأسست المجاميع الحديثية الكبرى كالبحار للمجلسي، والوافي للكاشاني، وهي مجاميع رسخت مبادئ التشيع الفارسي من البغضاء والأحقاد والتكفير والسباب للخلفاء الراشدين الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وزوجات النبي عائشة وحفصة، وكذلك للمسلمين السنة، بل اعتبار ارتداد جميع المسلمين إلا أربعة أو عدداً محدوداً جداً، واعتبار من لا يؤمن بالولاية أولاد زنا غير شرعيين[2].

وبرغم أن الدولتين اللتين خلفتا الصفويين في إيران وهما القاجارية والبهلوية كانتا تدينان بالمذهب الشيعي أيضاً مذهباً رسمياً للدولة الإيرانية؛ فإن بعث المشروع الشيعي للمرة الثالثة لم يكن إلا على يد دولة الملالي التي أسسها الولي الفقيه الخوميني مع الإعلان عن قيام «الثورة الإسلامية» في 1979م وحتى اليوم.

سياسة الصفويين الجدد:

يعتز الإيرانيون اليوم بالدولة الصفوية أيما اعتزاز، ويصورونها على أنها الدولة التي حققت حلمهم في الوحدة والسيادة والقومية، وأنها أول دولة إيرانية تحكم بلادهم بعد استعمار طويل أو حكم أجنبي مستمر منذ الفتح العربي الإسلامي لإيران[3].

ومن ثم، فليس من المستغرب أن تسير السياسة الإيرانية اليوم، لاسيما الخارجية منها على درب السياسة الخارجية للدولة الصفوية، مع الأخذ في الاعتبار مستجدات وواقع السياسة الدولية المعاصرة، التي انتقل مركز الثقل فيها من الإسلامي - الغربي إلى مجموعة مجلس الأمن الممثلة لمجموعة أوربا الغربية والولايات المتحدة وروسيا والصين.

لم يكن الصفويون يرون عدواً إلا في الدولة العثمانية ممثلة السنة في الأقطار العربية والبلقان وشرق إفريقيا وغيرها، ويتحفنا التاريخ بالرسائل المتبادلة بين شاهات إيران وملوك وزعماء الممالك الأوربية كالإسبان والبرتغال والإنجليز وغيرهم، وكثير منها كان يبحث آليات التعاون التجاري والدبلوماسي والعسكري بين الجانبين لتطويق العثمانيين وإضعافهم، فضلاً عن التعاون المشترك للهيمنة على منطقة الخليج العربي[4]، وهي السياسة التي لا تزال إيران المعاصرة البهلوية ثم الملالية تسير على دربها.

ضد العرب

 إن مشروع إيران إقليمي في المقام الأول، يستهدف الهيمنة الشيعية الفارسية على الأقطار العربية القريبة، خاصة العراق وسوريا ولبنان والخليج العربي واليمن، وهذا المشروع تحسَّبَ العرب لخطورته منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988م)، لكن خطورته تجلت أكثر منذ كُسر صدام حسين ودخول الاحتلال الأمريكي العراق في 2003م، فالغزو الأمريكي لم يغير النظام هناك فقط والتركيبة الحاكمة، بل أضاف أمرين آخرين: إدخال إيران إلى العراق بوصفها شريكاً للولايات المتحدة في تكوين السلطة الجديدة، وفي 2009  و2010م عندما بدأ الأميركيون يعملون للانسحاب من العراق وتشاوروا مع الإيرانيين بشأن مستقبل البلاد، كما تبادلوا الأفكار بشأن التهدئة في الملف النووي؛ كانت إيران قد صارت تعد العراق جزءاً من أمنها القومي[5].

وتزداد خطورة السياسة الإيرانية بلعبها على الحبال الطائفية والدولية، وبوسع هذه السياسة أن تجمع الأضداد!  فهي ترفع شعار تحرير المسجد الأقصى، وتحتفي بيوم القدس العالمي؛ وكل هذا لا يجعلها تتردد في مؤازرة العدوان الأمريكي على أفغانستان أو الترحيب باحتلال بغداد، وحين يتصاعد هتافها بسقوط إمبراطورية البيت الأبيض فإنها تحتضن أبناء «الشيطان الأكبر» في حكومات الاحتلال المتعاقبة في بغداد، وعندما تعلن طهران سياسة الحياد الفعال، تمنح بركتها لفيلق القدس باجتياز الحدود العراقية والانتشار في البصرة، وفي الوقت الذي كانت تسوق فيه للعملية السياسية تحت حراب المارينز وتدافع عن تجربة أحزاب الاحتلال؛ كانت قواتها المسلحة تبسط سيطرتها على منطقة «الفكة» ناصبة أعلامها فوق آبار النفط العراقية، وإذا كانت ولاية المرشد الثاني تحارب أمريكا بالكلمة والصورة، فإنها كانت تسجل الرقم الأول في العالم الإسلامي في إضفاء الشرعية على الاحتلال الأمريكي عن طريق اعترافها بحكومة المندوب السامي «بول بريمر»، كما أعلنت دعمها السياسي اللامحدود لسلطة «مجلس الحكم الانتقالي»، وساهم سفيرها في بغداد في إعداد مشروع المحاصصة العرقية والطائفية[6].

وزاد من خطورة المشروع الإيراني دخوله مرحلة التحدي العسكري بعد قيام الانتفاضات العربية منذ 2011م، وحدوث حالة من السيولة السياسية في كل من العراق واليمن وسوريا، وهي مناطق نفوذ دول الخليج العربي وعمقها الإستراتيجي وأمنها القومي، بما يعني مواجهة لا مفر منها، خاصة مع تجييش المليشيات الشيعية التي تعد نفسها تابعة للحرس الثوري الإيراني!

على أن خطورة السياسة الإيرانية لا تنبع من أدواتها الذاتية المسخرة لخدمة مشروعها، وأذرعها الإقليمية، وإنما في الدعم الدولي الذي باتت وتيرته تتصاعد دون مواربة منذ الإعلان عن الاتفاق النووي في يوليو 2015م ورفع العقوبات الاقتصادية والمالية عن إيران، هذا فضلاً عن التحالف الإستراتيجي بين إيران وروسيا، وقد دخل طوراً جديداً حين أخضعت إيران إحدى قواعدها الجوية للطائرات الروسية لضرب الأهداف المناوئة لهما في العراق وسوريا.

إن رفع العقوبات المالية لا يعني تنشيط دعائم الاقتصاد الإيراني الداخلي فقط، وإنما القدرة على استمرارية تمويل الحملات العسكرية لأذرعها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ واقع تتمكن من خلاله إيران من التمدد في تلك المناطق، واستنزاف القوى العربية، مع قدرتها على تحييد بعض القوى الإقليمية السنية كتركيا ومصر؛ وأحسب أن الولايات المتحدة عما قريب ستتدخل لإحداث تقارب بين إيران والكيان الصهيوني، وهو واقع بالفعل من خلال التفاهمات «الصامتة» - إن صح التوصيف - بين الجانبين، واتفاقهما على مواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة في العراق وسوريا.

يبدو مشروع إيران اليوم أكثر خطورة وتجذراً من مشروعها منذ أربعة قرون خلت في ظل الدولة الصفوية، فقد تمكنت الدولة العثمانية من كسر أحلام الصفويين وقهرهم مراراً، واليوم يحتاج العرب، خاصة دول الخليج وسنة العراق وسوريا واليمن، إلى قوة موحدة سياسياً وعسكرياً، ومشروع لا يلين في مواجهة هذا النفوذ الإيراني الشرس.

 


[1] نبيل الحيدري: التشيع العربي والتشيع الفارسي، دور الفرس التاريخي في انحراف التشيع، دار الحكمة، الطبعة الأولى، لندن، 2014م، ص9.

[2] نبيل الحيدري، المصدر السابق، ص10.

[3] نصر الله فلسفي، إيران وعلاقاتها الخارجية في العصر الصفوي، ترجمة محمد فتحي يوسف، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1989م، ص7.

[4] نصر الله فلسفي، المصدر السابق، ص50.

[5] رضوان السيد: العرب والإيرانيون، والعلاقات العربية الإيرانية في الزمن الحاضر، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2014م، ص149.

[6] عادل علي عبد الله: محركات السياسة الإيرانية في منطقة الخليج العربي، دار مدارك للنشر، الطبعة الثانية، دبي، 2010م، ص20.