لقد شهدت الأسابيع الماضية بداية تغيرات جذرية في مواقف الأطراف المنخرطة في أحداث المنطقة، وبينت المباحثات حول الوضع السوري ملامح التغير اللافت، وهو بقاء وزير الخارجية الروسي لافروف في المشهد وتغير الشريك من كيري إلى جاويش أوغلو، وبتعبير أدق هناك محاولة لتحجيم الدور الأمريكي في المنطقة وما يتبعه من اضطراب أوضاع الشريك الإيراني وأتباعه في المنطقة.

إنها بداية أحداث كبيرة لأن هناك من يحاول تغيير دفة الأحداث وبالتالي فكثير من الصراع سيكون في غرفة الربان، ولا أكتم القارئ الكريم أنني كلما فكرت بما يجري حالياً تبرز أمامي أحداث غزوة الأحزاب، وكلما حاولت تجاوزها تعود لتفرض نفسها، ولذا قررت أن يتمحور موضوع هذا المقال حول صراع المجموعات وكيفية إدارته والذي يختلف جذرياً عن الصراع بين طرفين، حيث يبرز فيه الجانب العسكري بعكس الصراع الذي تشترك فيه أطراف مختلفة فهو أكثر تعقيداً، والتحكم فيه صعب، ولذا فهو مليء بالمخاطر والفرص في آن واحد، ولذا فإنني أرى من الضروري طرح الموضوع بصورة مبسطة تعين في فهم الأحداث الجارية، فأقول وبالله التوفيق:

في غزوة الأحزاب كانت الأطراف الرئيسة المشاركة في الأحداث هي:

 أولاً: يهود خيبر وزعماء بني النضير الذين أخرجوا من المدينة، ويضاف إليهم يهود بني قريظة في المدينة. 

ثانياً: قريش ومن تحالف معها من القبائل.

ثالثاً : قبيلة غطفان النجدية، وهم أكثر الأطراف عدداً.

رابعاً: المسلمون ومعهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينهم فئة من المنافقين.

بدأت الأحداث بمبادرة من الطرف الأضعف وهم زعماء يهود بني النضير الذين صمموا على محاربة الإسلام، ونتيجة ضعفهم لجأوا للمكر والحيلة، وبدأوا بنسج تحالف مكون أولاً ممن يتفق معهم على الهدف، وهم كفار قريش الذين تم إقناعهم بسهولة للمشاركة والبذل في سبيل إنجاح المشروع، وأما غطفان فهي قبيلة بدوية كثيرة العدد ليس بينهم وبين المسلمين صداقة ولا عداوة مستحكمة، ولذا كانت طريقة إقناعهم هي أنهم يتحالفون مع قريش وهذا جاذب معنوي، وأن لهم نصف ثمار خيبر وهذا الشق المادي من العرض، وعند وصولهم إلى المدينة وبدء الحصار بدأت عملية إقناع بني قريظة بأن العملية مضمونة النتائج ومأمونة العواقب، وهنا نقف على فن نسج التحالفات وهو فن لا يجيده الأقوياء بل يمارسه أهل المكر والدهاء القادرون على جذب الأقوياء وتوجيههم لتحقيق هدف إستراتيجي يلبي رغبات المتحالفين كل بحسبه، فالبعض رغبته انتقام والبعض ظهور وغلبة، والبعض مجرد مكاسب مادية، ولذا فإن التحالفات مظهر قوة وخطر ماحق على المستهدف، وفي الوقت نفسه فإن الفهم العميق لأطراف التحالف يعين على تفكيك التحالف وأحياناً قلب المعادلة بتحالف جديد، وفي هذه الغزوة مارس الرسول صلى الله عليه وسلم فن تفكيك التحالف بمهارة واقتدار على مرحلتين: إحداها أن من أتى من أجل نصف ثمار خيبر سيذهب من أجل نصف ثمار المدينة، وهذا الذي حصل فقد وافق زعماء غطفان على الانسحاب ولم يمنع إتمام الاتفاق إلا اعتراض الأنصار، والمرحلة الثانية هي الإيقاع بين المتحالفين وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بتوجيهه الكريم لنعيم بن مسعود رضي الله عنه بعبارة «خذل عنا»، والذي يهمنا هنا أن بناء التحالف يحتاج إلى فن ومتابعة تمتينه والحفاظ عليه، وفي المقابل كذلك فإن فن تفكيك التحالفات يحتاج إلى جهد كبير في فهم أهداف كل طرف والتعامل مع كل طرف على حدة، والحذر من التعامل معهم ككتلة واحدة، وكلما تعمق فهم كل طرف سهل تفكيك الخصوم، بل وضربهم ببعض، وفي بعض الأحيان يصل النجاح إلى تحالف جديد يقلب الطاولة على العدو الأصلي ويقضي عليه، وفي التاريخ شواهد تاريخية كثيرة سنستعرض بعضها ونختم بالأحداث الحالية.

في بداية الفتح الإسلامي كان المسلمون كتلة واحدة ويواجهون قوى كبيرة مثل الفرس والروم، وتم تدمير الإمبراطورية الفارسية وإضعاف الروم البيزنطيين الذين استمروا بالمقاومة لوحدهم فترة طويلة لعداوتهم المستحكمة مع أوربا الكاثوليكية التي كانت غارقة في الجهل والتخلف والفوضى السياسية والصراع المستمر بين الكيانات المختلفة، وفي المقابل فهي كلها تحت سلطة دينية موحدة يمثلها البابا في روما، ومع توغل المسلمين في أوربا وبروز مشروع فتح القسطنطينية ورومية الذي تزامن مع فتح إسبانيا وأجزاء من فرنسا وصقلية وجنوب إيطاليا، بدأ المسلمون يواجهون نوعاً جديداً من الأعداء، إنهم قوى متنافرة يجمعها هدف وتظلها راية واحدة هي راية الصليب، ومن هنا بدأت الحروب الصليبية في إسبانيا وتطورت إلى مشروع احتلال بيت المقدس وتتابعت الحملات الصليبية ورفعت راية الصليب، ومشى تحتها أمم من النصارى مختلفي المشارب، فمنهم من أتى تديناً، ومنهم من أتى مغامراً، ومنهم من أتى طلباً للمك والسيادة، وكان المال حاضراً عند الجميع. وفي هذه الظروف نشأت تنظيمات سرية اتخذت استنقاذ بيت المقدس شعاراً معلناً وتسموا بأسماء مختلفة منها «فرسان الهيكل»، الذين تحالفوا مع الكنيسة وتغلغلوا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي، ومع فشل مشروع استنقاذ بيت المقدس تمت تصفيتهم بتهمة الهرطقة وعبادة الشيطان. والذي يهمنا أن الصليبيين تتابعوا على بلاد الشام بموجات متتالية تعامل معها المسلمون الذين كانوا يعانون من التفرق ككتلة واحدة، وبالتالي عانوا الكثير ويلاحظ أن الحملات الصليبية استمرت كأسلوب أوربي لتجميع القوى ويندر أن يخوضوا حرباً بدون تشكيل تحالف، وفي المقابل ومع الوقت أصبح لدى المسلمين خبرة في مواجهة الأحلاف المضادة وطوروا أساليب التعامل معها، وفي عصر الدولة العثمانية وأثناء توسعها في أوربا واجهت تحالفات كثيرة بعضها تحت راية الصليب وسنعرض لأحد هذه الحملات الصليبية وكيف تم التعامل معها.

لقد تعرضت الدولة العثمانية في عصر نهوضها الأول إلى أربع حملات صليبية، لكنها نجحت في إجهاضها وطبقت بمهارة مبادئ تفكيك التحالفات ومحاولة تحييد بعض القوى واستمالتها، وكان آخرها الحملة الرابعة عام 798هـ الموافق 1396م، فقد عم الذعر أوربا بعد تدمير الحملة الثالثة وفتح بلغاريا ودخول ملك الصرب تحت سلطة الدولة وانتشار الإسلام في ألبانيا وكوسوف والبوسنة، وبدأت الدعوة لحملة رابعة بمبادرة من ملك المجر ومباركة البابا وشارك في هذه الحملة كل من المجر وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا ولكسمبرج وبولندا والبندقية وقراصنة الإسبتارية، وغيرهم، وكانت حملة برية وبحرية في آن واحد وبعد معارك طاحنة تم تدمير الجيش الصليبي وأسر معظم قادته وعم الحزن أوربا وخاصة فرنسا، ومن نتائجها توسع الفتوح في أوربا وتحطيم سمعة المجر، وبروز مشروع فتح روما وتدمير مركز البابا لدى السلطان بايزيد، الذي بدأ فيه ومنعه من ذلك الاجتياح المغولي للأناضول على يد تيمورلنك وهزيمة السلطان في معركة أنقرة عام 804هـ ووفاته أسيراً رحمه الله عام 805هـ، وكادت الدولة العثمانية تضمحل ولكن شاء الله أن تنهض من جديد وتستمر.

وفي المرحلة الثانية برز التحالف بين أوربا والدولة الصفوية في إيران الذي أرهق الدولة العثمانية في حروب متواصلة غرباً وشرقاً، وكان ميل المماليك إلى الصفويين سبباً في دخولهم في صراع مع العثمانيين انتهى بامتداد الدولة العثمانية نحو الجنوب للشام ومصر.

وفي الوقت الحاضر تجري فصول مشروع صليبي قادته أمريكا منتهزة فرصة تفردها بالزعامة، وما يهمنا هنا هو جانب من المشروع ساخن لدرجة لا يمكن تجاهله وهو عملية إعادة ترتيب العراق والشام وما حولهما.

ولنبدأ الحكاية، فبدعوى الانتقام للبرجين تم احتلال أفغانستان، وبدعوى سلاح الدمار الشامل تم احتلال العراق، وبدعوى داعش تم تدمير الرمادي والموصل، وبدعوى النصرة تم تدمير سوريا وتهجير أهل حلب. ولنترك الشعارات ونغوص في التفاصيل فمتلازمة التحالف حاضرة في كل مراحل الأحداث، فمن أجل غزو العراق قامت أمريكا بتشكيل تحالفين: الأول من أجل إسقاط صدام واحتلال العراق وهذا خدمي مؤقت، والثاني أكثر ديمومة وهو التحالف من أجل حكم العراق وينحصر بطرفين اثنين هما أمريكا وإيران، ومع الوقت تجذر التحالف وخرج إلى العلن وتوسع الدور الإيراني بتولي ملف سوريا ومحاولة تعويم النظام، ولكن ملف الأكراد كان أحد نقاط الاختلاف بين أمريكا التي تريد استغلالهم وإيران التي تريد السيطرة عليهم، ومع تطور الأحداث وفشل إيران بجميع أدواتها في القضاء على الثورة تم إدخال الروس الذين استلموا الملف السوري، ولكن دخول الروس سوريا ارتبط بدخول المشروع الأمريكي في مرحلة جديدة وهي استهداف تركيا، ولما كان الأكراد وداعش غير كافيين لتركيع تركيا فقد تم الترتيب لدخول تركيا وروسيا في صراع يتم بعده تركيع الطرفين، وبدأ بتوتير العلاقات بينهما ومحاولة خلق حالة عدم استقرار في تركيا توجت بمحاولة انقلاب، وزاد التوتر مع إيران وشيعة العراق على خلفية محاولة إخراج تركيا من العراق من أجل التفرد بالسنة وأكراد الشمال.

لقد كان المشهد مرعباً فقد كان هناك تحالف تقوده أمريكا لأهدافها التي تتمثل في السيطرة الكلية على المنطقة بتحطيم السنة وتدجين الرافضة ويشارك فيه الرافضة والباطنية بقيادة إيران لأهدافهم التي يغلب عليها الانتقام والتوسع منتهزين فرصة الحماية الأمريكية، أما روسيا فتشارك من أجل أهداف غير واضحة ويبدو أنهم ينفذون مهمة مدفوعة الثمن وبدون قناعة بوجود مكاسب حقيقية، ولذا فإننا إذا حاولنا تمثيل الأحداث فإنني أتوقع أن إيران لها دور في نسج التحالف وتوظيف قدراتهم في التخطيط والتآمر وإقناع روسيا بالمشاركة ويبدو أن روسيا قبلت القيام بدور تعويم النظام لحساب إيران وأمريكا ولكنها متخوفة من اتجاه الأحداث لصدام مع تركيا التي تأكدت من الهدف الأمريكي البعيد وهو تدميرها وإعادتها لعصر التبعية، ولذا فإن التحالف الذي صمم لتحطيم السنة في المنطقة بدأ يتهاوى بمهارة الأتراك في تفكيك الخصوم وجذب روسيا إلى جانبهم مع عجز إيران عن سحب روسيا، بل الذي نراه أن إيران مضطرة لمسايرة الروس، وأما أمريكا فلم تفلح في تمتين التحالف أو الحفاظ عليه فهي من القوة بحيث لا تحسن لا نسج التحالفات المتينة ولا الحفاظ عليها، وإذا كانت أمريكا تقف وحدها وتكتفي بالصراخ أن روسيا والصين ليسا نداً لأمريكا فإن أردوغان وجد الشجاعة ليصرح أن أمريكا تدعم إرهاب البي كي كي وداعش.