يكتنف الغموض جميع التنظيمات الشيعية على مر التاريخ، خصوصاً في مرحلتها التأسيسية ومنها حزب الدعوة، فمنهم من يرجعه إلى أصول إيرانية قياساً على جنسيات مؤسسيه، ومنهم من يعيده إلى المخططات الأمريكية برعاية شاه إيران، ومنهم من يرى أنه نتاج الفكر الانهزامي للشيعة أمام القوة الديناميكية السنية المتمثلة بأحزاب علمانية ودينية شتى، من أشهرها حزب الإخوان والتحرير، ما دفع بمؤسسي حزب الدعوة للبحث عن اختصارات زمنية للوصول للسيادة الإسلامية في طرق ميكافيلية بالتعاون مع الكيان الصهيوني والقوى الغربية ضد التنظيمات والمنظمات والأنظمة العربية. وللخروج برؤية بسيطة عن ماهية حزب الدعوة سنمر سريعاً عبر محطات مفصلية في تاريخ هذا الحزب.

التأسيس: يؤكد السيد مهدي الحسيني في منشوراته عن حزب الدعوة ومرحلته التأسيسية، وهو من كوادره المؤسسة الأولى في خمسينات القرن الماضي أن حزب الدعوة حزب إيراني بحت أسس بأمر مباشر من شاه إيران محمد رضا بهلوي، وكلف الخميني بهذه المهمة بسبب صلاته القوية بالشخصيات الدينية العربية لقاء دعم مالي وسياسي تضمنه السفارة الإيرانية لهم، فكانت بداياته في العراق بعد الانقلاب القاسمي الدموي عام 1958م وبمباركة من آل الحكيم ومحمد باقر الصدر، فضلاً عن الكوراني والأصفي والحائري والسبتي والرفاعي وغيرهم ممن كانوا هم أصلاً أعضاء في حزب الإخوان والتحرير، في الوقت الذي قوبلت التنظيمات الدينية الحزبية الشيعية التي سبقت حزب الدعوة بالرفض القاطع من قبل نفس الشخصيات المؤسسة لحزب الدعوة كالحزب الجعفري على يد السيد حسن شبر وعبد الصاحب دخيل ومحمد صادق القاموسي الذي فشل بسبب اتهام مؤسسيه بالوهابية، وهم ذاتهم يمكن أن نعتبرهم من مؤسسي حزب الدعوة الأوائل، ومنظمة المسلمين العقائديين، وتنظيم شباب العقيدة والإيمان، وغيرهم. ويرى الحسيني أن سبب نجاح حزب الدعوة هو ارتباطه المباشر بشاه إيران وممثله الخميني، وهنا وجب علينا إيجاد معادلة لتفسير ارتباط الشاه الإيراني بالسياسة الأمريكية في سبعينات القرن الماضي وهذا ما لا يخفى على عاقل، وبين الوثائق الأمريكية التي نشرت حول ارتباط الخميني بالمخابرات الأمريكية ومنذ ستينات القرن الماضي! والتي تعهد الخميني فيها للحكومة الأمريكية باستعداده للقيام بأي شيء تأمره به الحكومة الأمريكية، وطالبها بعدم إساءة تفسير خطاباته المحرضة ضد السياسة الأمريكية في المنطقة! مقابل ضمان استمرار الأمريكان بالدعم الدولي للخميني في المنطقة.

في الوقت الذي يرى فيه النظام الداخلي لحزب الدعوة أن المجتمعات الإسلامية ليست إسلامية إلا إيران، وأن القيادة العليا لحزب الدعوة صارت تؤمن بالقيادة السياسية للأمة بالإمام الخميني (إيراني الجنسية، أمريكي الولاء، شيعي العقيدة).

وهناك رأي آخر يرى أن حزب الدعوة كانت فكرة نشأته نابعة من محمد باقر الصدر ومهدي الحكيم، وهما من أوائل من خاطب الجميع بالفكرة، وبذلك فالحزب لا دخل له بإيران، لكن تبقى الحقيقة التي لا مفر منها هي أن حزب الدعوة أغلب قياداته إيرانيو الجنسية.

والحقيقة الثانية أن هذه القيادات الإيرانية في حزب الدعوة كانت هي المؤسسة للمجلس الفقهي للحزب، وأنهم أفتوا بوجوب الإيمان بمبدأ ولاية الفقيه وهو ما يقره النظام الداخلي للحزب اليوم.

والحقيقة الثالثة هي أن محمد باقر الصدر كان على صلة قرابة بموسى الصدر وزوج أخته، وكلاهما إيراني الأصل! علماً أن موسى الصدر صاحب أول مبادرة للتقريب الشيعي مع الكيان الصهيوني.

والحقيقة الأخيرة التي أقرها كبار كتاب الشيعة هي أن السفير اللبناني في الأردن حسن بزي كان خال مهدي الحكيم، وكانا على علاقة وطيدة بالسفارة الأمريكية في الأردن والعراق وعليه أكد المحللون صدق اللقاءات التي كانت تجري بين مهدي الحكيم والمخابرات الصهيونية والبريطانية والأمريكية في السفارة الإيرانية لإسقاط حكومة عبد السلام عارف واتهامها بالطائفية، التهمة التي نفاها آية الله البغدادي في دفاعه عن عارف، يعضد هذه الفرضية العلاقة الودية التي كانت تربط المرجع الأعلى محسن الحكيم بالسفارة الإيرانية والأمريكية واستقبال سفرائهما في النجف بشكل منتظم؛ في الوقت الذي كان فيه الحكيم يمتنع عن استقبال ملك العراق الملك فيصل الثاني أثناء طلب الملك ذلك في زيارته للمرقد العلوي!

وعليه تكون المعادلة الثانية أشد خطورة من الأولى باستثناء إسقاط شخصية الخميني من المرحلة التأسيسية للحزب، مع تأكيد وجوب طاعته في النظام الداخلي للحزب كونه الولي الفقيه ومن يجيء بعده.

الانشقاقات: برغم كثرة الانشقاقات التي طالت حزب الدعوة إلا إنها لم تكن حقيقية في واقعها بقدر كونها مرحلية وتنظيمية تصب في قالب حشد التيارات المتعارضة الشيعية في إطار المصلحة الإيرانية العظمى.

بدأ تأسيس حزب الدعوة في بيئة عربية عراقية تنشط فيها الأحزاب السنية الدينية وخصوصاً حزب الإخوان وحزب التحرير اللذين اجتذبا إلى صفوفهما كبار رجالات دين شيعة أمثال طالب الرفاعي ومن في وزنه، فضلاً عن أحزاب علمانية كان أشهرها الحزب الشيوعي وحزب البعث، وعليه وجب على القائمين على تأسيس حزب الدعوة أن يستوعبوا إخفاقات الماضي ومنها الاتهام بالفكر الوهابي للتنظيمات الشيعية السابقة لحزب الدعوة كونها كانت أخفت توجهاتها العقائدية الشيعية أمام قوة الأحزاب السنية الإسلامية الشمولية.

وعليه ظهر حزب الدعوة وبالتعاون مع حزب التحرير والإخوان تحت شعار آية الشورى التي نظر لها محمد باقر الصدر في المرحلة الأولى (التأسيسية لحزب الدعوة) لتجنب التصادم مع الأحزاب السنية واستغلال زخمها الداخلي في خدمة مسيرة حزب الدعوة، وبعد أن أخذ حزب الدعوة صك القبول في الأوساط الشيعية تنصل الصدر من إيمانه بآية الشورى وأعلن الإيمان بمبدأ الإمام المعصوم مع جواز التحالف مع الأضداد لتأمين الوصول لأهداف الحزب المنشودة، ثم بدأت سلسلة انشقاقات في الحزب نتيجة تضارب المصالح العربية والإيرانية داخل الحزب كالخلاف بين الصدر الأول وكاظم الحائري، وخلاف بين عبد الأمير المنصوري وبين العسكري بسبب كتابات العسكري التاريخية التي اتسمت بالكذب وقلة الأدب التي أوقعت علاقات حزب الدعوة مع الأحزاب السنية الأخرى بمأزق.

ثم ظهرت ثورة الأحواز ضد الخميني والتي اتصفت بالثورة الشيعية العربية ضد الشخصية الإيرانية الظاهرة لدى ولاية الفقيه، ثم الخلاف بين الأصفي والسبتي على زعامة الحزب، الأمر الذي أدى إلى انسحاب محمد حسين فضل الله من الحزب منذ أوائل الثمانينات بسبب الذات الإيرانية المتعالية لحزب الدعوة والتي مورست حتى مع المؤسسين الأوائل للحزب ممن يعلن انتماءه العربي، ثم انشقاق فرع البصرة لحزب الدعوة الذي أكدت فيه التقارير الأمنية العراقية جذور الحزب الإيرانية البحتة منذ الأيام الأولى لتأسيسه.

واليوم يشهد العراق عدة انشقاقات لحزب الدعوة بين الفينة والأخرى، مثل: (حزب الدعوة مؤتمر الصدر، حزب الدعوة مؤتمر الإمام الحسين، حزب الدعوة المجلس الفقهي، حزب الدعوة تنظيم العراق، الدعوة الإسلامية، حركة كوادر حزب الدعوة، حزب الدعوة خط الأصفهي، حركة الدعوة، خط عز الدين سليم، حزب الدعوة تنظيم الخارج، تنظيم الإصلاح الجعفري)، وكل هذه الفروع وغيرها كونت ميليشيات تعمل لصالح إيران.

التحالفات: شهد حزب الدعوة منذ اليوم الأول لتأسيسه مجموعة تحالفات أضداد طبقاً للفكر الباطني القديم الذي يعتمد على التقية والتورية في مراحله التأسيسية لحين وصوله إلى التمكين.

كانت بدايات التحالفات الحزبية لحزب الدعوة تتمثل في التحالف بينه وبين حزب الإخوان وحزب التحرير اللذين كانا يمثلان أقوى الأحزاب الدينية العراقية في المناطق الشمالية والجنوبية وبين الأوساط السنية والشيعية، فكانت هذه الانطلاقة لحزب الدعوة في الساحة الحزبية الإسلامية متوارية خلف آية الشورى التي استهوت قلوب الأحزاب السنية للوقوف بوجه المد الشيوعي، ومخفية خلفها مطامع دولية ومذهبية، تجلت غاياتها وأهدافها بواقعنا اليوم وما تفعله القوى الشيعية على الساحة الإسلامية.

ليأتي بعد ذلك تحالف حزب الدعوة مع الحزب الشيوعي عدو الأمس للوقوف بوجه حزب البعث من عام 1975م.

وتبعه تأييد للأحزاب الكردية وتحالفه معها على اختلاف توجهاتها ديمقراطية كانت أم شيوعية أم إسلامية ويدعوها للأخوة الإسلامية، في الوقت الذي كان حزب الدعوة يفصح عن عقائديته المذهبية الحاقدة في المناطق الوسطى والجنوبية.

وكذلك تحالف حزب الدعوة مع الحركة الديمقراطية الآشورية النصرانية التي تأسست في إيران واتخذت من حزب الدعوة والنظام الإيراني حلفاء إستراتيجيين لانطلاق عملياتها في الداخل العراقي.

وعلى الصعيد الخارجي، في الوقت الذي دب الخلاف بين منظمة أمل اللبنانية الشيعية ومنظمة العمل الإسلامي وكذلك بين أمل وكمال الحيدري على إثر ثبوت العلاقة القوية بين أمل والكيان الصهيوني علناً، خالف حزب الدعوة الجميع وقوى علاقته بمنظمة أمل في تلك المرحلة وتولى قيادتها محمد مهدي شمس الدين، وهو من رجالات حزب الدعوة وفي زمنه قويت العلاقات مع الكيان الصهيوني في ضرب المخيمات الفلسطينية وأهل السنة في لبنان على غرار ما حصل للفلسطينيين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

التدريب والعمليات: يعلن الخراساني في كتابه «حزب الدعوة» أن الجناح العسكري للحزب تأسس عام 1967م كمحاولة للوصول إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري تأسياً بالجو العام آنذاك، بينما يرى مهدي الحسيني أن الجناح العسكري لحزب الدعوة شهد تأسيسه في مطلع سبعينات القرن الماضي.

ويرى آخرون غير ذلك، وبكل الأحوال فقد شهدت الحكومة العارفية والحكومة البعثية حالات من شحن الصحن الحيدري في مواسم الزيارات بالسلاح والمتفجرات القادمة من السفارة والمدارس الإيرانية خصوصاً بعد إعلان عبد السلام عارف قرار التأميم وانزعاج القوى الغربية منه، وكذلك بعد احتجاج العراق في مطلع السبعينات على الاحتلال الإيراني للجزر العربية والذي مثل نقطة تحول في العلاقات العراقية الإيرانية نحو الأسوأ بعد أن كانت قد تحسنت منذ الانقلاب البعثي على الحكومة العارفية لسنين قليلة.

ثم تبعتها سرقة كوادر حزب الدعوة لمدارس ودوائر الدولة ووكلاء المرجع الأعلى الخوئي لتمويل عملياتهم وكوادرهم في الداخل العراقي، وافتاء حزب الدعوة باغتيال القادة العراقيين وتدمير المعدات العسكرية العراقية الذي جاء متزامناً مع اندلاع الثورة الإيرانية ضد الشاه الإيراني.

وبعد تولي الخميني لولاية الفقيه في إيران وإعلانه تصدير الثورة الشيعية فضلاً عن إعلانه عدم إسلامية الأنظمة الحاكمة في جميع الدول الإسلامية ووجوب محاربتها بجميع الوسائل، شكلت معسكرات في الداخل الإيراني وعلى الحدود العراقية لتدريب كوادر حزب الدعوة، وكان ذلك كله قبل نشوب الحرب العراقية الإيرانية، وكان من ضمن كوادر حزب الدعوة المسلحة حينها صبحي الطفيلي أمين حزب الله السابق كدليل على الارتباط الكلي بإيران من قبل جميع التنظيمات الشيعية في العالم العربي والإسلامي.

وعلى إثر ذلك كله انطلقت العمليات التخريبية لكوادر حزب الدعوة داخل الدول التي ينتمون إليها جنسيةً لا روحياً ومواطنة، ومنها وأولها العراق، حيث قام حزب الدعوة بعمليات تخريبية مسلحة اتخذت من المدارس الإيرانية مركزاً لانطلاقاتها ومخزناً لتسليح عملياتها، ومنها حادثة الجامعة المستنصرية التي أصيب وقتل فيها مجموعة من الطلبة الأبرياء. ثم توالت العمليات التي تحمل في مضمونها كل محرمات أدبيات حزب الدعوة اليوم؛ من حرمة تدمير الاقتصاد الوطني وهم من كان يفجر خطوط أنابيب نقل النفط العراقية التركية، وحرمة تخريب مؤسسات الدولة وهم من أعلنوا مسؤوليتهم عن تفجير وزارة التخطيط العراقية والتي راح ضحيتها مجموعة من الموظفين العراقيين، وحرمة العلميات الانتحارية وهم من فجر السفارة العراقية في لبنان بالتعاون مع منظمة أمل الشيعية الصهيونية؛ بانتحاريهم «أبو مريم» والتي راح ضحيتها المئات ومنهم زوجة الشاعر الكبير نزار قباني، مع كثير من عمليات التفجير والاغتيالات التي طالت مسلمي العالم العربي والإسلامي على يد أبي مهدي المهندس، وباقري صولاغ خسرو، وإبراهيم الأشيقر الجعفري، وجواد كاظم المالكي (نوري المالكي) وغيرهم كثر!

أما في العراق فقد أصبحت هذه العناوين الإجرامية السالفة الذكر هي الحاكمة اليوم في حالة من تولد ميليشيات مسلحة شيعية حتى غدت صفة السلطة العراقية الحاكمة وعلى رأسها حزب الدعوة، وتجاوز تعداد عناوين تلك الميليشيات الشيعية العشرات بل المئات قبل اندماجها في تكتلات تحت عناوين عريضة تحمل جميعها الفكر العقائدي المتطرف ذاته في تفضيل الجنس الفارسي والانقياد التام له.

يعد حزب الدعوة صورة معاصرة للتنظيمات الباطنية الشيعية التي شهدها التاريخ الإسلامي كالقرامطة في غزوهم للكعبة المشرفة وقتلهم الحجيج، والحشاشين الإسماعيلية في اغتيالاتهم لرجالات الإسلام كما يفعله حزب الدعوة اليوم، والفاطمية التي أعلنت تحالفاً عريضاً مع قادة الحملات الصليبية لإسقاط الدولة الأيوبية، كالتحالف الشيعي الغربي اليوم لإسقاط المجتمعات العربية الواحد تلو الآخر وما يحدث اليوم في العراق وسوريا واليمن خير شاهد على ذلك.

ومن صفات هذه الحركات الباطنية السرية التامة، والتأكيد على إعلاء شأن العنصر الإيراني، فضلاً عن المبدأ الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)، والمرحلية في ترتيب أهدافهم، فأعداء الأمس هم حلفاء اليوم أو العكس (أي مصلحة دائمة).

ولكي يضمن حزب الدعوة القبول الدائم له في الوسط العراقي اتخذ سياسة متوازنة تضمن له ذلك من خلال التهديد بالقتل لكل من يعارض أو يهدد وجودهم على كرسي السلطة حتى لو كان من الشيعة أنفسهم، والشق الآخر من السياسة هو ضمان مصالح القوى العظمى في العراق مقابل كسب تأييدها في غض الطرف عن سياسة القمع المتبعة من قبل حزب الدعوة في الداخل العراقي، لذلك كان الفشل حليف كل المشاريع السنية التي حاولت أن تخرج من عباءة التحالفات الغربية الفاشلة والتي لا تضمن مصالح أهل السنة، وعليه وجب على الدول العربية أن تنظر بجدية للموضوع وتعمل على توحيد الجهد الإسلامي إزاء الانبطاح الشيعي العالمي الذي أضر بمصالح المنطقة وأورثها حروباً دموية جراء تراجع الموقف العربي والإسلامي عن نصرة أهل السنة في العراق وسوريا.