قال ابن منظور في لسان العرب في أول مادة  «أ س ر»: «الأسرة: الدرع الحصينة». وهذا معنى يجعلني أتأمل كثيراً حال الأسرة الآن في المسلمين وحالها قبل ذلك، هل الأسرة الآن بالفعل درع حصينة؟ أم إنها أصبحت هشة خفيفة تخطفها الطير أو تهوي بها الريح في مكان سحيق؟!

المتأمل للكتاب والسنة يجد أن ربنا سبحانه قد جعل الأسرة بالفعل درعاً حصينة، بما جعل لها من دعائم راسية، يحفظ الله بها الفرد المسلم والمجتمع،

راسية 1: فرض الله عز وجل البر والإحسان للوالدين بعد التوحيد مباشرة، وجعل العقوق من كبائر الذنوب، وأشار إلى ذلك بألطف إشارة، في قوله تعالى: {فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فإن كان مجرد هذا الصوت منهياً عنه، فمعصيتهما وعقوقهما لا شك من الكبائر، وهذا من منهج القرآن في التنويه على خطر الأمور، أن ينهى عن أدناها كما قال في الزنا: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وقطع السبيل إليه في قوله عز من قائل:

{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30]، فمنع فضول النظر كي لا يفضي إلى ما هو أكبر منه، فكذلك قول أدنى شيء للوالدين يفضي إلى ما هو أكبر، وهو العقوق. والعجيب، أنه لم يقطع المعروف عنهما وإن كانا مشركين: {وَإن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]، وقالت أسماء بنت أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَعَ ابْنِهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَة أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (أخرجاه)، وهذا له نظائر عملية أخرى وقعت لسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة.

راسية 2: حرّض ربنا الوالدين على البرّ بأبنائهما فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْـحِجَارَةُ} [التحريم: ٦]، وهذا الأمر المقرون بالوعيد يكون من أعظم الواجبات، ومعناه أن يحمل الأب والأم أبناءهما على كلّ خير طالما كانوا في مرحلة التوجيه، وفي إشارة لطيفة إلى فائدة لزوم التقوى من الآباء، كي لا تنشأ الأسرة في بيئة منفصمة القول والفعل، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْـحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور: 21]، قَالَ ابن عباس: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ، لِيُقِرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ. وهذا وجه في الآية مخصوص من قاعدة: {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وهي لفتة لطيفة جداً في مقام التربية، قال سَعِيد بْن جبير: إني لأزيد فِي صلاتي من أجل ابني هَذَا. يعني من أجل أن يحفظ فيه، وفي الأدب المفرد بسند حسن عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّمَا سَمَّاهُم اللَّهُ أَبْرَارًا، لأَنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ وَالأَبْنَاءَ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، كَذَلِكَ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ»، يقصد في قوله تعالى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ
لِّلأَبْرَارِ} [آل عمران: 198].

راسية 3: ثم زاد ربنا رواسي الأسرة، براسية عظيمة، وهي راسية الارتباط والميثاق، بين الرجل والمرأة، والحفاظ عليها إلى أقصى درجة ممكنة، فمرة يشير ربنا إلى ذلك بلطيف العبارة فيقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم: 21]، يعني من آيات الله الدالة على وحدانيته سبحانه، الرجل والمرأة وسكون بعضهما لبعض، وانجذابهما لبعضهما البعض، والله منزه عن الزوجة والولد، ثم تأمل اختيار ربنا لفظ المودة والرحمة، فالمودة ربما كانت أشمل الألفاظ لمعنى الحب، ولذلك سمى ربنا نفسه الودود، الذي يتودد إلى خلقه ويتوددون إليه، فكأن المودة تحدث ألفة بين الطرفين بأقل الأفعال والأعمال، على عكس الحب الذي يحتاج إلى تكلف في الأفعال، أو يكون قذف ابتداء في قلوب العباد، كما جاء في رواية مسلم لحديث عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ، قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا»، لكن هذه الزيادة عندي شاذة، رويت بالمعنى، إذ روى الحديث أصحاب هشام كالليث بن سعد، وعلي بن مسهر، وأبو أسامة حماد، وأبو معاوية الضرير، ورواها الزهري عن عروة من دونها، وكأنها إما من شيخ مسلم، سهل بن عثمان فإن له غرائب، وإما من رواية حفص بن غياث بعد تغيره لما كبر، وقد نوّه الإمام مسلم على ذلك فقال حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا، والله أعلم.

ثم أشار الله سبحانه إلى ضرورة وجود الرحمة بين الأزواج للحفاظ على هذا الميثاق بينهما كما سمّاه ربنا: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] قال الطبري: أي: مَا وثَّقتم بِهِ لهن عَلَى أنفسكم، من عهد وإقرار مِنْكُمْ بما أقررتم بِهِ عَلَى أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أَوْ تسريحهن بإحسان، وكان فِي عقد المسلمين النكاح قديماً، فيما بلغنا، أن يُقَالُ للناكح: آلله عَلَيْكَ، لتمسكن بمعروف، أَوْ لَتُسَرِّحَنَّ بإحسان. انتهى.

ويزيد الله هذه الراسية بإشارة أخرى، فقال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72]، وهذه إشارة لطيفة جداً، في الترغيب في الزواج والإنجاب، وإبقاء رابطة الزواج إلى عهد بعيد يتجاوز إنجاب البنين إلى الأحفاد.

راسية4: حثت الشريعة على الإمساك بالزوجة، وكرهت الطلاق، قال عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ فَإن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }[النساء: 19]، وهذه آية جامعة في الحث على لزوم العشرة بالمعروف والإحسان بين الزوجين، حتى لو ظن الزوج أنه يبغض زوجته فعلّمه الله أن يمسكها ولو كان في قلبه منها شيء، إذ قد يجعل ربنا الخير في أمر ظاهره الكراهة، فربما يرزق منها ولداً صالحاً، وربما تعينه على أمر دينه، وربما جاءك من ورائها خير ما كنت ترجوه، وهكذا، ولقد وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، في قوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر»، يفرك أي يكره، والأمر مخيب للظنون، حين نسمع عن تفكك للأسر بالطلاق والخلع لأسباب في غاية التفاهة، وهذا من تسلط الشيطان على بني آدم، بل ومن أعظم التسلط عليهم أن يفلح أن يفرق بين المرء وزوجه، كما ورد في مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ»، وهذه أعظم الفتنة كما جاء في رواية أخرى: «يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً»، لأن تفكيك الأسرة، مثله مثل تفكيك القطيع من الغنم، يسهل على الذئاب النيل منهم، وذئاب هذا الزمن كثير كما سنبين بعد قليل.

راسية 5: تدرج الشريعة في الحفاظ على رابطة الأسرة من التفكك، فطالب الشرع الزوج صاحب الدرجة الأعلى، بالصبر على زوجته والوعظ والتشديد والهجر في المضجع، كمرحلة أولى عند الخلاف، وفي المرحلة الثانية، إذا اشتد بين الزوجين الأمر؛ أمر الله أن يدخل بينهما العقلاء من أهل الزوجين، وهاهنا وقفة لابد أن ننوّه عليها، وهي أننا نرى عناداً غريباً بين أهل الزوجين في هذه الأزمان، وتحيز كل فئة للطرف المختصم بشكل عجيب، مما يجعل الأمور تزداد سوءاً، وفي المقابل أيضاً نجد تفريطاً، حين لا يسمح للزوجة بالشكوى مطلقاً من زوجها وإجبارها على تحمل ما لا يجب عليها أن تتحمله في سبيل الحفاظ على أبنائها وحياتها وحتى لا يقال هي «مطلقة» وهذا من الآفات أيضاً، إفراط وتفريط، والشرع يريد إصلاحاً للحياة الزوجية، وليس ظلماً ولا إجباراً لأحد، فحين يقول ربنا سبحانه: {وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] فهاهنا مسائل، منها، أن الحكمين يجتمعان عند الخوف من وقوع الطلاق ووصول الخلاف إلى حد ينبغي أن يدخل فيه طرف ثالث للحل، ومنها، أن الله عز وجل سماهما حكمين، يعني لابد من توافر العقل والحكمة والعلم والحلم فيهما لمناقشة الأمور بهدوء، دون انفعال أو تحيز، لأن الأمر سيكون بيديهما بعد، كما أخرج مالك في موطئه بلاغاً: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالْاجْتِمَاعَ»، يعني لو قررا طلاقهما وقع الطلاق، وهذا يكون برضا الزوجين ابتداء ولا يجوز من غير رضاهما على الصحيح، كما هو مقرر في موضعه.

ومنها، أن الله عزّ وجل أثبت للعبد هاهنا اختياراً ونية، في قوله: {إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] وهذا من أجلَّ ما يردّ به على القدرية، الذين لا يثبتون للعبد اختياراً، وأن نيّة العبد الصادقة في الصلح تنفعه بمشيئة الله.

ومنها، أن الأخذ بالأسباب في الإصلاح أمر لابد منه في أحوال البشر، وأن كل سبب ليس بحرام يوصل للإصلاح فهو شرعي، لأن الله عز وجل لم يبين ولم يحدد آلية معينة في الصلح، إنما دل على النتيجة المطلوبة بالوسائل المتاحة والمعروفة لكل زمان ومكان.

وفي المرحلة الثالثة، أباح ربنا للزوجين الطلاق والانفصال، بطلقة واحدة، ثم جعل ربنا لهذه الطلقة «فترة صلاحية» تسمى العدة، وهي ثلاث حيض إن كانت تحيض، أو أن تضع حملها إن كانت حاملاً، أو ثلاثة أشهر لمن يئست من المحيض، ولا تخرج الزوجة من بيتها في فترة العدة، قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الطلاق: ١]، فطالما كانت الطلقة رجعية فإنها لا تخرج من بيت زوجها بل يخرج ويدخل عليها، وهذا من رحمة الله بالزوجين، إذ ربما من هذا الدخول والخروج عليها يؤلف الله بينهما ثانية، وترجع الأمور إلى خير ما كانت عليه. ثم مرحلة رابعة، بالطلاق ثانية، ثم الثالثة معلوم ما وراءها.

فالشاهد من ذلك كله، أن الله عز وجل وثّق رباط الزوجين بمواثيق، وجعلها عسيرة الحل، لأن في حلها فتنة، ما لم تكن مصلحة، إذ ربما في الانفصال مصلحة، ولا شك، لكن هذه الأخيرة تقدر بقدرها، والله أعلم.

راسية خاتمة

إذا علمت ما سبق، فاعلم أن هناك من الذئاب من يسعى دوماً للنيل من قطيع الأسرة، ويسعى دوماً للتفكيك ونحن نذكر لك آياتهم:

فمنهم، ذئب حرية المرأة، وهو ذئب ضار جداً، أطلقه علينا الغرب، وأعوانه من بني جلدتنا، وهم لا يكلون ولا يملون من المناداة بالمساواة والحرية، تارة، وبحقوق المرأة المهدرة تارة، وبظلم العالم الثالث - كما يطلقون علينا - للنساء تارة، وهذا التحريض نجح في إظهار كثير من السلبيات في مجتمعاتنا الإسلامية، مثل سعي المرأة للعمل قبل الزواج، وإرضاء طموحها في الترقي وأخذ مكانة شخصية بالمجتمع، وأتى ذلك على حساب بيتها وتربيتها لأولادها، وولّد ذلك أجيالاً من الأطفال تربّوا في مدارس رياض الأطفال مع غرباء، لينشأ الأطفال في عزلة من الأب والأم، ففُقدت معاني التربية والأمومة وفُقدت أسمى غاياتها، ثم يكون أكبر الأثر في ذلك على الأسرة حين تأبى الزوجة أن تضحي بعملها ومكانتها في سبيل الحفاظ على أسرتها، فتتفكك الأسرة ولا بد حتى لو استمر الزواج بشكل صوري، فإن الأبناء سيرون من الانفعالات بين الأبوين ما يسقطهما من أنظارهما، ثم يبدأوا البحث عن احتواء جديد يعلم الله كيف تكون نتيجته!

والحرية للمرأة والعباد عامة، إنما هي في عبوديتهم لرب العباد، وذلك لأنهم لو لم يطيعوا ربهم، أطاعوا غيره، إذ لا بد للعبد من سيد يملي عليه أوامره، ولا بد للعبد من طاعة سيده، فمن فاته طاعة الله، أطاع الأمم المتحدة ومواثيقها والأعراف الفاسدة والعادات الجاهلية.

ومنهم، ذئب المال والثروة، وسعي الأب والأم الحثيثين، في الحفاظ على مستوى الأسرة المالي والاجتماعي، أو اللهث وراء توفير العقارات والسيارات والمنقولات والأرصدة، متجاهلين حاجة الأسرة لما وراء ذلك من توجيه وعظة أخلاقية وتربوية، فربما سافر الأب وترك أسرته سنين، وترك رعايتهم، وتوجيههم، ليفاجأ في نهاية الأمر بتلف ابنه أو ابنته، ولا ينفعه حينئذ مال ولا جاه ليعيد إصلاح ما تكسر على أعتاب اللهث وراء الثروة، قال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

ومنهم، ذئب العناد والاستكبار والأنا، بين الزوجين، وهو ذئب في غاية الشراسة، وهو أكبر مداخل إبليس بين الزوجين، بل ظني لو أجريت دراسات ميدانية على الساحة عن أشهر أسباب الطلاق لوجدوا أن أشهرها هو العناد والأنا، وهذا نتاج للفساد التربوي الذي تعيشه الأمة منذ فترة، فالزوج لا يرى إلا ذاته والمرأة كذلك، خاصة في السنوات الأولى من الزواج، فالمرأة كان لها وضع معين في أسرتها وعند والدها، تأبى أن تتنازل عنه بعد زواجها، والزوج يريد أن يشعر برجولته وسيطرته على مجريات أمور بيته بالطريقة التي يراها صحيحة، وكلاهما مخطئ، فالتعايش مثله مثل نظرية الأواني المستطرقة، يصب هذا على ذاك، ويأخذ هذا من هذا حتى تستقيم الأمور، ثم يكون للرجل الكلمة العليا والسمع والطاعة طالما لم يكن في ذلك شيء من معصية الله، وليس في طاعة الزوج صغار، وليس في استشارة الزوجة عار، وليس في اللين للزوجة ضعف، وليس في تبجيل الزوج شنار.

وإذا سألت أحد الزوجين عن مبرر هذا العناد تجاه الطرف الآخر يقول: «لأنه لا يحبني»، وهذا من أكبر الخطأ الذي يكون في البيوت وقد قدمنا قوله تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، ونزيد ههنا أثراً صحيحاً أخرجه الطبري في تهذيب الآثار وغيره، أن عُمَر أرسل إِلَى امْرَأَة أحدهم - في قصة - فَجَاءَتْ، فَقَالَ لَهَا: «أَنْتِ الَّتِي تُحَدِّثِينَ زَوْجَكِ أَنَّكِ تُبْغِضِينَهُ؟»، قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أَوَّلُ مَنْ تَابَ، وَرَاجَعَ أَمَرَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْشَدَنِي بِاللَّهِ، فَتَحَرَّجْتُ أَنْ أَكْذِبَ، أَفَأَكْذِبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَاكْذِبِي، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ لا تُحِبُّ أَحَدًا، فَلا تُحَدِّثْه بِذَلِكَ، فَإِنَّ أَقَلَّ الْبُيُوتِ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْحُبِّ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَعَاشَرُونَ بِالإِسْلامِ، وَالإِحْسَانِ»، ومعنى قوله: «اكذبي» أي الكذب المباح بين الزوجين، فإن الزوجة لا يمكن أن تكره زوجها من كل وجه، كما هو العكس، فلا داعي أن تذر الزوجة بهذا الجواب فرجة للشيطان بينها وبين زوجها، وهذا الأثر من أبلغ ما قرأت في المعاشرة، أن البيوت لا تبنى على الحب وحده، لذلك قلنا إن الله ذكر المودة وهي أعم بين الزوجين، وإنما هناك أمور أخر عظيمة تبنى عليها البيوت، وهي الدين، والإحسان بين الزوجين، وقال ربنا وهو أصدق القائلين: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } [البقرة: 237]، هذا وفيما ذكرنا كفاية للبيب وما يتذكر إلا من ينيب، والحمد لله رب العالمين.