في إطار الجدل الموجود بين حركات وجماعات العمل الإسلامي في العالم، والمتعلق بالصراع الوجودي، أو إثبات الذات، أو تسجيل النقاط على طرف ما، أو احتكار الحقيقة والحق معاً، أو التميز عن الآخر في شأن بعينه، أو إظهار الغيرة الزائدة على حفظ الدين والبيضة، أو اتـهام الغير بعدم الجدية في تعظيم الموروث الشرعي، أو غير ذلك من الأسباب؛ كل ذلك أوجد شكاً والتباساً وغبشاً في تعريف السلفية ومرادها ومدلولها والمعنيين بها، ومن يجوز له الانتساب إليها، أو الممنوع عنها، وهل هي منهج يتسع للجميع، أم حركة وشركة ذات مسؤولية محدودة؟ وهل انتهت فترة صلاحيتها وزمن وجودها، أم هي مبدأ ومنهج مستمر مدة وجود البشرية على ظهر الأرض؟ وهل هي مذهب لقطر وبلد وشعب وجماعة معينة، أم لا تحدها حدود ولا يختص بـها شعب أو جماعة دون أخرى؟ وهل السلفية منظومة واحدة لا تتعدد، ولها رأس واحد، أم هي متعددة؟ وهل يأثم من لم يقل إنه سلفي؟

أقول مستعيناً بالله تعالى:

المراد بالسلفية: الانتماء التام إلى عصر الرسالة والنبوة، وزمن الصحابة والخلفاء الراشدين، والقرون المفضلة من التابعين وتابعيهم، وفهم النصوص بحسب ما نقل عنهم، لأنهم شاهدوا التنزيل وعاصروا التأويل.

السلفية إذنْ هي الانتساب إليهم والاقتداء بهم والاهتداء بهديهم في جميع أمور الدين الأصلية والفرعية، في أبواب التوحيد والتشريع والسلوك والأخلاق، وفي الفقه والمعاملات والتعامل مع الأهل والجيران والأصدقاء والمجتمع، والتعاطي في الشأن العام وإدارة الدولة وتوزيع الثروات وتولية المناصب والعلاقة مع الأمم والأجناس الأخرى في حالة الحرب والسلم والتعايش المشترك.

وتعنى السلفية بحب الخير لجميع الخلق والفرح بهدايتهم والحزن لغوايتهم، والسعي لنفعهم ومساعدتهم، والرحمة للمسكين والعطف على اليتيم والمحتاج، والتألم لآلامهم، والتفاني في إصلاحهم، والتلطف مع العاصي والمذنب، وتبشيره برحمة الله التي وسعت كل شيء، والدعوة بالتي هي أحسن، واجتناب الفظاظة والغلظة مع المدعوين، ثم التواضع ولين الجانب، واتهام النفس قبل الآخر، وإصلاحها قدر المستطاع، والبعد عن الكبر والاستعلاء وتحقير الغير، وعدم تتبع عورات الآخرين من غير مصلحة شرعية معتبرة.

وترمز السلفية إلى احترام العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى، ومباركة جهودهم والدعاء لهم، ونشر فضائلهم، واحترام اجتهاداتهم المعتبرة، ورفع شأنهم ومكانتهم بين الأمة، والاعتذار عن أخطائهم غير المقصودة، والبعد عن احتقارهم وإهانتهم، والإغفال عن زلاتهم، والسكوت عن عثراتهم، والترحم على أمواتهم.

والسلفية تؤسس وتبني ولاءها على أساس الدين والشرع، فهي توالى جميع أهل الإيمان كلٌّ بقدره، وتعادي من أُمر بمعاداته، فتحب أهل الخير وإن لم ينتسبوا إلى الحركات، وتبغض أهل الباطل وإن رفعوا عقيرتهم بالانتساب إليها، وتزن الناس بميزان العدل والإنصاف لا الظلم والإجحاف.

والسلفية ليست مذهباً لجماعة معينة أو حزباً لقطر بذاته، أو ملكاً لشخص أو فئة من الناس، ولا يحتاج الانتساب إليها استئذاناً من أحد، أو البحث عن وسيط لها، فهي سبيل وطريق معبد لكل أهل الإسلام قاطبة، فيجوز للفقيه أن ينتسب إليها، والمحدث أن يجول في ساحاتها، والزاهد أن يرتاح في جنباتها، والصوفي السُنِّي أن يخوض في حياضها، والعامي أن يأنس من سير وأخبار روّادها، فهي بحر واسع يتسع لأهل القبلة والإجابة قاطبة بلا استثناء، مصداقاً لقول صاحب العصمة والرسالة «ما أنا عليه الآن وأصحابي».

وليست السلفية حزباً أو جماعة أو حركة يجب تسجيلها وتوثيقها لدى الجهات الرسمية والمصالح الحكومية لكي تمارس عملها وفق النظام والقانون، ولا يجب تقييد أسماء أعضائها ومنتسبيها في ديوانها وسجلاتها، وليس لها نظام الفصل أو الإيقاف والتأديب لمن لا يتقيد بتعليمات منظريها ومفكريها.

ولا تعني السلفية شركة ذات صلاحيات محدودة، أو تصلح في زمن ومكان وفترة ما، أو مشروعاً خاصاً بفئة من الناس دون غيرهم.

وليس للسلفية ناطق رسمي باسمها، يدخل من يشاء في حظيرتها، ويطرد من يشاء من حيطانها.

ولا تبني السلفية مجدها وعرشها على أنقاض الآخرين، أو اتهامهم بما ليس فيهم، كما لا تتتبع أخطاء وعيوب الآخر لأجل فضحه والتشهير به وتعريته.

وإذا أرادت السلفية الرد على المخالف لا تضع في أولوياتها تحطيم المخالف، بل يقتصر عملها على بيان الحق فقط مع مراعاة جانب الأخوة ورعاية الألفة والاجتماع.

والسلفيون ليسوا معصومين ولا منزهين عن الذنوب والخطايا، ولا يعطي الانتساب إليها حقوقاً فوق العادة، ولا يملكون صكوك الغفران لأنفسهم فضلاً عن أن يمنحوها لغيرهم، وليست لديهم مفاتيح الهداية والغواية، بل هم بشر يجري عليهم ما يجري على غيرهم ممن لم يَتَسَمَّ بهذا اللقب مع إيمانه بوجوب المتابعة.

إذن السلفية منهج عظيم ومعصوم يندرج تحته جميع قواعد الإسلام الكلية، من توحيد وأخلاق وسلوك ومعاملات، وليست حزباً أو حركة أو جماعة تخطئ وتصيب، أو ملكاً لأفراد مهما بلغت مكانتهم العلمية.

وأخيراً، هذا ما استطعت تسويده في تعريف وبيان مدلول ومراد المذهب السلفي، الذي يتعرض اليوم إلى تشويه ممنهج، يتولى كبر وزره من يدّعون أنهم حماة السلفية من الدخلاء - بحسب قولهم.

فإن وفقت في الإسهام في تجلية جانب من جوانب مفهوم المذهب السلفي فالشكر للعلي الكبير وحده، وإن كان غير ذلك فأسأل الله تعالى العفو والمغفرة.