قد أمرنا الله عز وجل في كتابه الكريم وفي أكثر من آية أن ننظر ونتدبر في سننه  التي لا تتبدل ولا تتحول، كي نعتبر بها ونسير في ضوئها ونفسر بها ما يحل بنا من مصائب وأحداث، ويهدينا الله بها إلى سبيل الخروج منها والسلامة من عواقبها ومآلاتها. قال الله عز وجل: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، وقال سبحانه: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلَّا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43].

وإن من سنن الله عز وجل التي لا تتبدل ولا يستثنى منها أحد من خلقه الآية التي اخترتها عنواناً لهذه المقالة، وهي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]، وقبل الدخول في تفسير بعض الأحداث المعاصرة في ضوء هذه الآية الكريمة والسنة العادلة الحكيمة أذكر هنا بعض أقوال المفسرين في بيانهم لمعنى هذه الآية المتضمنة لسنة من سنن الله العظيمة.

يقول القرطبي رحم الله تعالى: «هذا تهديد للظالم إن لم يمتنع عن ظلمه سلط الله عليه ظالماً آخر، ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه، أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته، أو السارق، وغيرهم»[1]. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم وإذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعان ظالماً سلطه الله عليه». قال ابن عباس: تفسيرها «هو أن الله إذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم»، يدل عليه قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30][2].

ويقول الرازي رحمه الله تعالى: «المسألة الثانية: الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم»، 
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: أي كذلك من سنتنا أن نولي كل ظالم ظالماً مثله يؤزه إلى الشر ويحثه عليه ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها. والذنب ذنب الظالم فهو الذي أدخل الضرر على نفسه وعلى نفسه جنى، ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم ومنعهم الحقوق الواجبة ولى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله وحقوق عباده على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.
كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا أصلح الله رعاتهم وجعلهم أئمة عدل وإنصاف لا ولاة ظلم واعتساف[3].
نخلص من أقوال المفسرين في شرحهم لمعنى الآية الكريمة أن من سنن الله عز وجل الماضية في عباده والتي لا تتبدل ولا تتحول أن الأمة إذا فشى فيها الظلم والمعاصي بين أفرادها ولاسيما المعاصي الظاهرة وقل الإنكار لها فإن الله عز وجل يسلط عليهم ظالماً أقوى منهم يظلمهم ويضيق عليهم في عيشهم وأرزاقهم، ويمنع عنهم حقهم، ويضرب عليهم الضرائب والمكوس التي تسبب لهم المشقة والعناء والعنت في حياتهم. ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30]، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، «ولا يعني هذا تبرئة الظالم المتسلط على الناس من حاكم أو وال أو رئيس ومدير، أو تبريراً لظلمه؛ فإنه ظالم آثم بمنعه الناس حقوقهم وبفرضه عليهم ما لم يفرضه الله عز وجل عليهم. ولكن المراد تفسير ما يحدث وبيان سنة الله عز وجل في أن الظالمين لأنفسهم بالمعاصي وللناس بمنعهم حقوقهم إذا أصروا على ذلك فإن الله عز وجل يسلط عليهم من هو أظلم منهم جزاء معاصيهم وظلمهم لعلهم يتوبون ويرجعون: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]، بل إن الله عز وجل وفي ضوء هذه السنة يسلط على الحاكم المستبد الذي يظلم رعيته وينشر فيهم الفساد ظالماً أظلم منه وأقوى يستبيح البلاد ويدمر اقتصادها ويذل ولاتها، وهكذا تعمل هذه السنة الإلهية في تسليط الظالمين بعضهم على بعض وصدق الله العظيم: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129].

واقعنا في ضوء هذه السنة:

إنه لا يخفى ما تعانيه اليوم الشعوب المسلمة في بلدانها من نقص في الأموال والثمرات وما يفرضه حكام هذه الشعوب عليهم من ضرائب ومكوس وتضييق عليهم في أرزاقهم ومعيشتهم، فانتشرت البطالة والغلاء الفاحش في الأرزاق، وأصبح الناس في ضيق من الحال، وعاشوا حياة العنت في أرزاقهم ومعايشهم. وانقسم الناس في مواقفهم من هذه المصائب ومواجهتهم لها إلى فريقين:

الفريق الأول: هم الأكثرون الذين نظروا إلى ما حل بهم من النقص في الأموال والأرزاق وغلاء المعيشة على أنه ظلم حل بهم من أصحاب القرار، ولا شك أنه ظلم، ولكن مصيبة هذا الفريق أنهم وقفوا عند الحديث عن مظلوميتهم وألقوا بالأسباب كلها على من ظلمهم ولم يسألوا أنفسهم: لماذا حل بنا هذا الظلم وما هي أسبابه؟ وهل نحن جزء من هذه الأسباب؟

إن هذا البعد قد غيبه هذا الفريق عن عقولهم ونظروا إلى أنفسهم وكأنهم أولياء لله صالحون ليس لهم من الذنوب ما يعاقبون بسببه. وبسبب هذه النظرة المادية إلى ما يحدث من المصائب تخلف العلاج الصحيح لهذه المصيبة وأخطأوا الطريق الصحيح الذي يرفع الله به البلاء عن الناس وكان من جراء ذلك أن بات الناس يخوضون في مجالسهم وفي مواقع التواصل الاجتماعي في ما حل بهم، ولماذا يكون كذا ولماذا لا يكون كذا وأخطأ فلان وأصاب فلان وطرف يتظلم وآخر يبرر وظهر على الناس الهلع والخوف على الأرزاق وماذا يخفي المستقبل لهم، وغير هذا من التخوفات والتحليلات وأكرر هنا ما ذكرته آنفاً من أن هذا ليس مبرراً ولا تبرئة لظلم المتسلطين فهم جزء من أسباب المصيبة، وليس كلها.

الفريق الثاني: هم الفريق الذين استضاؤوا بكلام رب العالمين الذي هو الحق المبين، وتدبروا سنته سبحانه التي قد خلت في عباده، وساروا في ضوئها وفسروا الأسباب والحوادث بمقتضاها، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]، وقوله سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، ورأوا أنه ما وقع بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، وفي ضوء ذلك رأوا أن الظلم الذي يسلط على الناس من سلاطينهم لم يحصل عبثاً ولا لمجرد خطأ وظلم فحسب من أصحاب القرار، وإنما هي سنة الله عز وجل في تسليط الولاة على رعاياهم بأنواع من الظلم بسبب ما أحدثوه من المعاصي والبدع والمظالم بينهم جزاءً وفاقاً، وذلك بسبب ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم كما مر بنا آنفاً في أقوال المفسرين لآية الأنعام، وإن هذه النظرة الشرعية الصحيحة من هذا الفريق تقودهم بإذن الله عز وجل إلى معرفة المخرج والطريق الذي يسلكونه ليرفع الله ما حل بهم من المصائب ألا وهي التوبة إلى الله تعالى والإنابة إليه والإقلاع عن موجبات العقوبة والبلاء قال الله عز وجل: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 43 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ 44 فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 43 - 45]، لقد أرشدنا الله عز وجل في هذه الآية التي تفزع منها قلوب المؤمنين إلى أسباب رفع البلاء إذا حل بالناس، وذلك في قوله تعالى: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 43]، أي هلا تابوا وأقلعوا عن ذنوبهم التي كانت سبباً في نزول البلاء فإن الله عز وجل يرفع بالتوبة المحن والمصائب عن الناس كما قال علي رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة»، ثم حذرنا الله عز وجل من التمادي في الذنوب وعدم التوبة منها فإن هذا يدل على قسوة القلوب واستكبارها واتباع خطوات الشيطان وتزيينه، قال سبحانه: {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ثم حذرنا الله عز وجل من مكره واستدراجه للناس في حال عدم تضرعهم وتوبتهم فقال: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ 44 فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، إن الله عز وجل في هذه الآيات يتوعد الذين لم ترجعهم المصائب إلى الله عز وجل فيتوبوا من ذنوبهم بفتنة وبلية أخرى هي أشد من فتنة الضراء ألا وهي فتنة السراء وفتح أبواب الدنيا والنعم والترف عليهم حتى إذا فرحوا بها وظنوا أنهم قادرون عليها جاءتهم العقوبة الماحقة التي تهون عندها المصيبة الأولى سواء في شدتها أو في كونها تأتي إلى الناس بغتة لم يحسبوا لها حساباً، نسأل الله عز وجل السلامة والعافية.

ومثل هذه الآية في معناها قوله تعالى في سورة الأعراف: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ 94 ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْـحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 95 وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 94 - 96]، والمتدبر لآيتي الأنعام والأعراف يرى في آية الأنعام أن الله عز وجل ذكر في فتنة السراء والاستدراج: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ٤٤] ولكن بدون بركة، بينما في سورة الأعراف قال في نعمة التقوى وطاعة الله وثمرتها: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ } [الأعراف: 96]، فذكر البركة هنا؛ فهلا تدبرنا هذه الآيات ومثيلاتها التي تفزع منها قلوب الذين يخشون ربهم ويقفون مع سنته التي لا تتبدل ولا تتحول!

وقد يرى بعض الناس أن في هذا الكلام مبالغة في التخويف ومبالغة في ذكر الذنوب وكونها هي السبب فيما نعيشه من مصائب. والحقيقة أن ذلك هو الواقع وهو قول رب العالمين الذي بيده الخلق والأمر وهو الحكيم العليم. قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، ولكي ندرك خطورة الأمر وكثرة المعاصي اليوم في مجتمعات المسلمين أذكر على سبيل المثال بعض هذه المعاصي والمنكرات الظاهرة:

ألم ينتشر الشرك الأكبر والسحر والشعوذة في أكثر بلاد المسلمين؟ ألم تنتشر البدع والمحاكم التي يتحاكم فيها الناس إلى قوانين البشر التي لم يأذن بها الله؟ ألم يتساهل كثير من الناس بشأن الصلاة والزكاة وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؟ ألم يقع بعض المسلمين في عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وظلم العباد؟ ألم يفشُ الربا الخبيث في معاملات كثيرة بين المسلمين؟ ألم يقع بعض المسلمين في تعاطي المسكرات والمخدرات وكثرة الغش في المعاملات، ووجد من يبخس الناس حقوقهم ويأكل أموالهم بالباطل ويتعاطى الرشوة التي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعي فيها ودافعها وآخذها؟ ألم يكثر الفجور في الخصومات والزور في الشهادات؟ ألم يتساهل كثير من النساء في الحجاب ويتبرجن بزينة الثياب؟ ألم يوجد الزنا والخبث وكثرة وسائله الخبيثة الماكرة من قنوات ومجلات خليعة تدعو إلى الفاحشة وتحببها للنفوس وتزينها، وامتلأت بيوت المسلمين بالفضائيات التي تنشر العفن والفساد فقلت بذلك الغيرة على الدين والعرض ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟ ألم يظلم بعض الناس العمالة التي تحت أيديهم بتكليفهم ما لا يطاق أو بعدم الوفاء بعقودهم أو بمنعهم أجورهم ورواتبهم المستحقة لهم؟ ومع كثرة هذه المنكرات فإن المنكِر لها قليل!

وقد قضى الله سبحانه في كتابه سنة ثابتة هي قوله: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: ١١]، فالتغيير يبدأ من داخل أنفسنا قبل أن نسقط أسباب مصائبنا على غيرنا. فالله عز وجل يخبرنا في هذه الآية أنه لا يغير النعم التي أنعم بها على العبد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره فإذا غير غُير عليه جزاءً وفاقاً وما ربك بظلام للعبيد. فإن غير المعصية بالطاعة وتاب إلى الله عز وجل غير الله العقوبة بالعافية والذل بالعز[4]. ومن العجيب الغريب أننا نشاهد ذلك في أنفسنا وعلى غيرنا ومع ذلك لا نتعظ إلا من رحم الله تعالى، يقول ابن القيم: «من العجيب علم العبد بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره، وسماعاً لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم، وكأن هذا الأمر جارٍ على الناس لا عليه، وواصل إلى الخلق لا إليه، فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلي الكبير؟»[5].

ونعود بعد ذلك إلى مسألة تسليط الظالمين بعضهم على بعض بما كانوا يكسبون لأنقل هنا كلاماً نفيساً لابن القيم وكأنه يعيش واقعنا ومصائبنا، يقول رحمه الله تعالى: «تأمل حكمة الله عز و جل في حبس الغيث عن عباده وابتلائهم بالقحط إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين كيف جوزوا على منع ما للمساكين قبلهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم فقال لهم بلسان الحال منعتم الحق فمنعتم الغيث فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قبلكم، وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه، فصدهم عنه كما صدوا عباده، صداً بصد، ومنعاً بمنع، وتأمل حكمته تعالى في محق أموال المرابين وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا بأموال الناس ومحقوها عليهم وأتلفوها بالربا جوزوا إتلافاً بإتلاف فقل أن ترى مرابياً إلا وآخرته إلى محق وقلة وحاجة، وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء بسواء، وهذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف وكلما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم، وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك فلما شابوا شابت لهم الولاة فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم، وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها، ومن له فطنة إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدر ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء، فإياك أن تظن بظنك الفاسد أن شيئاً من أقضيته وأقداره عار عن الحكمة البالغة، بل جميع أقضيته تعالى وأقداره واقعة على أتم وجوه الحكمة والصواب»[6].

وأنبه هنا وأكرر ما ذكرته في الأوراق السابقة من أن هذا التقرير من ابن القيم لا يعني تبرئة السلطان الظالم وتبرير ظلمه، كلا فهو مشارك في الظلم وإنما المقصود التنبيه على أن لا يبرأ الناس أنفسهم ويزكوها بل عليهم أن يعلموا أن المعاصي التي تظهر في حياتهم مع الإصرار والمجاهرة هي سبب في تسليط الظالم عليهم.

مسألة أخيرة

إن مما يؤسف له أن كثيراً منا يرى حرمات الله تنتهك وحدوده تضاع ومع ذلك لا نرى الغيرة على ذلك ولا نرى الهم والتحرك لإنكارها، وكأن الأمر شأن لا يعنينا، بينما إذا مست أرزاقنا ودنيانا الفانية وطعام بطوننا فإن الأمر يتغير حيث نعلن حالة الطوارئ ويصيبنا الخوف والهلع ونبذل كل وسيلة ممكنة لتغيير ما أصابنا. فماذا تدل عليه هذه المفارقات؟ إنها تدل وبكل وضوح على أن اهتمامنا بديننا يأتي في آخر سلم الاهتمامات، هذا إن أتى، وإلا فاهتمامنا بدنيانا ومعاشنا ومآكلنا ومشاربنا هو في أول الاهتمامات، وهذا من الذنوب. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «أي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟ وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون، وهو موت القلوب، فإنه القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل»[7]،   
ويقول ابن عقيل رحمه الله تعالى: «من عجيب ما نقدت من أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق بذم الزمان وأهله وذكر نكد العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام، وشعث الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي وتقضي العمر في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي، فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره، ولا آسى على فائت دهره وما أرى لذلك سبباً إلا قلة مبالاتهم بالأديان وعظم الدنيا في عيونهم ضد ما كان عليه السلف الصالح يرضون بالبلاغ وينوحون على الدين»[8].

اللهم ارزقنا توبة نصوحاً ومغفرة من عندك ترفع بها مصائبنا في الدنيا وتدفع بها عنا عذابك يوم تبعث عبادك، 
والحمد لله رب العالمين.


 


[1]  تفسير القرطبي 7/76 .

[2] تفسير الرازي 13 / 15.

[3] تفسير السعدي ص273.

[4] انظر الجواب الكافي ص105 باختصار وتصرف يسير.

[5] الجواب الكافي ص45.

[6] مفتاح دار السعادة 1/234،254.

[7] إعلام الموقعين 2/177.

[8] الآداب الشرعية لابن مفلح 2/345 .