في خضم هذا البحر المائج من الحوادث التي تعصف بأمة الإسلام تتطلع أنظار الناس إلى منقذ لهم ومخلص مما هم فيه، فلا يجدون - بعد الله تعالى - إلا المشايخ والدعاة الذين يبصرونهم في وسائل الإعلام، أو يخالطونهم في أحيائهم، أو يوافونهم في مناسباتهم، ولما كان الحديث في شأن الدعاة فسأخلص هذه المقالة لهم.

ولابد من مصارحة الناس أن قدرة الدعاة على الاجتماع إنما هي محدودة ومرهونة بعوامل عديدة، وهأنذا أعدد هذه العوامل حتى يكون الناس على بينة من أمر دعاتهم وإمكان اجتماعهم:

أولاً: العامل النفسي:

وهذا من أهم الأمور التي تمنع الداعية من التنسيق مع غيره، والاشتراك معه في عمل واحد، وهذا العامل النفسي ينقسم إلى أقسام عديدة، منها:

1- أن بعض الدعاة قد ركبت نفسياتهم على حب التفرد، والميل إلى العمل بمعزل عن الآخرين، وتلك الطبيعة تمنعه من التعاون مع الآخرين أو التنسيق بينهم، وهذا الصنف من الدعاة يصعب جداً أن يشتركوا في أي عمل من الأعمال الجماعية، أو أن ينسقوا مع أحد آخر في أي شأن من الشؤون المجتمعية.

2- بعض الدعاة كثير الجدل والاعتراض، حاد النقد، ناظر بعين النقص إلى جهود الآخرين، فهذا إذا شارك في عمل أفسده أو أحدث فيه شرخاً بسبب ما تجلبه كثرة اعتراضه ونقده من إيغار للصدور، أو محق لبركة الاجتماع، أو التقليل من جدوى العمل.

3- بعض الدعاة يصر على أن يكون هو المُسَيِّر للاجتماع، مديراً له، أو أن يصدر المجتمعون عن رأيه، وإلا عزف عن المشاركة، وأعرض عنها، ومثل هذا إذا شارك فإنه يفسد أكثر مما يصلح.

4- الخوف والحذر الزائد، وتلك جبلة مركوزة في بعض الدعاة، تمنعهم من المشاركات النافعة مع غيرهم، وذلك أمر لا حيلة فيه؛ إذ من كان كذلك فإنه يصعب العمل معه على إي صورة من الصور.

ثانياً: المشروعات الذاتية للداعية:

بعض الدعاة له من الأعمال والمشروعات ما يملأ وقته، ويشغله عن الاجتماع مع الآخرين أو التنسيق معهم، وإذا شارك في مشروع تنسيقي فإنه كثير الغياب؛ وإذا حضر فمشاركته ضعيفة محدودة بسبب استغراق مشاريعه الخاصة أكثر أوقاته، ومثل هذا الداعية تكون الاستفادة من مشاركاته أو التنسيق معه محدودة أو ضعيفة، وقد جُرب بعض هؤلاء فلم تكن مشاركاتهم محمودة أو مثمرة.

ثالثاً: عوامل خارجية:

لا يحبذ عدد كبير من الدعاة الاجتماع للاندماج أو التنسيق لبضعة عوامل خارجية، منها:

1- الشك في جدوى هذا العمل، وعَوْده بالخير على العمل الإسلامي والجهود الدعوية، وذلك الشك ناتج عن تجارب سابقة للداعية، أو شعور يتملكه نتيجة تصور خاطئ أو نظر قاصر، أو المقارنة بتجارب أخرى.

2- التخوف من الاجتماع، وذلك لأن النظام في بلاده لا يقر مثل هذه الاجتماعات، أو يشترط الترخيص لها والترخيص متعذر، فلذلك لا يرى هذا الداعية المشاركة في مثل تلك الاجتماعات.

3- وجود مَن لا يحبه في تلك الاجتماعات أو مَن لا يريد أن يكون معه في تنسيق أو ما شابه، وذلك إما لمشكلة قد حدثت بينهما، أو لأنه لا يراه أهلاً لمثل تلك الأعمال، أو لغير ذلك من الأسباب المانعة.

- كانت تلك بعض العوامل التي تمنع المشاركة والتنسيق في العمل الإسلامي، والمشكلة أن تلك العوامل تكثر عند الدعاة المشهورين الذين يُرجى أن يسمع لهم الناس ويطيعوا، لكن هذا واقع كما أسلفت لا بد من معرفته.

إذن ما العمل في ضوء ذلك الذي ذكرته؟

ينبغي أن يكون هناك تنسيق وأعمال مشتركة بين الدعاة ولو أعرض عنها من أعرض، ولو تجنبها أكثر الدعاة المشهورين، لأن كثيراً من الدعاة قد تحرروا من كل تلك العوامل آنفة الذكر وليس لهم مانع من العمل التنسيقي المشترك، وعلى أكتافهم سيقوم العمل النافع بإذن الله تعالى.