عايشتُ محاولات للاجتماع عديدة بين مؤسسات وفئات كثيرة ذات مدرسة واحدة وخلفية فكرية تكاد تكون متطابقة، غير أن النتيجة كانت افتراقاً لا اتفاقاً وانطواء تلك الجهات على نفسها، وكأنه هروب عملي من الاجتماع مع بقاء التنظيرات اللفظية والرغبة النفسية في الاجتماع! وهذا الخوف أو التمنّع من الاجتماع له أسبابه بلا شك والتي تختلف باختلاف الجهات التي يُراد اجتماعها، فمنها أسباب قد تكون فكرية ومنها مالية ومنها تنظيمية ونفسية، وقد يكون منها عدم الوعي الكافي بمفهوم الاجتماع ومستحقاته العملية.

وإن التعامل مع المفاهيم العامة والحديث عنها غالباً ما يكون محل اتفاق عام، غير أن الاقتراب منها والدخول في تفاصيلها يولّد الاختلاف، ومن هذه المفاهيم العامة، مفهوم الاجتماع فأنت ترى الكل يتحدث عنه ويتحمس له، غير أن الاقتراب من تطبيقاته العملية وأمثلته الواقعية يكون محل اختلاف وعدم اتفاق دائم.

ويعد الحديث عن الاجتماع من الضرورات العصرية للأمة المسلمة، غير أنه مرحلة متقدمة تتطلب شروطاً ومقدمات كثيرة، سنقتصر في مقالنا هنا على إحدى المقدمات اللازمة التي يُبنى نجاح الاجتماع واستمرار نجاحه على حسن التعاطي معها، وهي «التنسيق»[1]، فالتنسيق يعد مصاحباً للاجتماع ومهيئاً له أيضاً.

وسبب تناولنا «للتنسيق» ما رأيناه من فشل لكثيرٍ من محاولات الاجتماع، وسبب ذلك الفشل في ظننا ضعف التنسيق وفاعليته بين الأطراف الراغبة في الاجتماع، فالتنسيق برغم أهميته إلا إنه لا يكاد يُلتفت إليه، ولم يُكتشف دوره في تسريع الاجتماع أو تبطيئه أو إفشاله عند الكثير، ولهذا سنحاول عرض مفهوم التنسيق ومعرفة انعكاساته على الاجتماع، وسنتناول التنسيق من زاوية علاقته بالاجتماع وارتباطه به، وذلك في العناوين الفرعية التالية:

أهمية التنسيق

تتأكد أهمية التنسيق وتزداد الحاجة إليه اليوم أكثر مما مضى، وذلك لأسباب كثيرة منها:

- حالة الحرب والصراع التي تعيشها الأمة اليوم على مختلف الأصعدة وفي كافة الاتجاهات تستلزم العمل بواجب «التنسيق» والأخذ به، تحقيقاً للمبدأ الشرعي العظيم «التعاون»، كما أمر الله سبحانه به في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: ٢]، ولن يتحقق كمال هذا التعاون إلا بحسن التنسيق والترتيب له.

- ما تعانيه مؤسسات الأمة من ضعف حادٍ في الموارد وبالتالي عدم كفايتها لحاجات المجتمعات الإسلامية تلك الحاجات المتزايدة بسبب الحروب المشتعلة، وبسبب ما ابتليت به تلك المجتمعات من استبداد سياسي بددّ مواردها.

- الضعف الديني والحضاري العام للأمة وما يستلزمه الانطلاق الحضاري من تنسيق عالٍ بين القوى الفاعلة للأمة.

- التكرار الملحوظ في الأنشطة التي تقيمها كثير من الجهات والتي تمارس برامج واحدة وفي مناطق واحدة وبشكل واحد، وهذه من أكثر المظاهر السلبية بروزاً، فتجد مثلاً في مجال القنوات الفضائية أن هناك أكثر من قناة موجهة للجمهور نفسه وبالطريقة نفسها، وهذا ينعكس بشكل سلبي على ضعف أدائها وتأثيرها، فلو أنها نسقت جهودها وتحولت لقناة واحدة قوية لكانت أكثر تأثيراً وأفضل توفيراً للجهود، أو لو أنها نسقت جهودها في بعض البرامج القوية التي تشترك في إنتاجها لكان ذلك أيضاً أكثر فائدة، وعلى هذا المثال فقِس ولاحظ انعدام التنسيق لدى كثير من مؤسسات الأمة المختلفة.

عوائد التنسيق:

يعود التنسيق بفوائد وعوائد جمّة على الأطراف ذات الصلة بالتنسيق وعلى المشروع ذاته أو العمل المنسّق أيضاً، كما تعود فائدته بشكل كبير على عموم المستفيدين من المشروع، ويمكن أن نشير إلى عوائد وفوائد التنسيق التالية:

- التنسيق طريق للاجتماع: وهو مقدم له ومهيئ، فمن خلاله تزيد معرفتنا بالآخر وطرائق تفكيره وطبيعة عمله وأدواره الإصلاحية والتجديدية التي قد لا ندرك أهميتها دون أن يكون هناك تنسيق كلي أو جزئي معه.

- التنسيق وسيلة صمود وصعود: فبالتنسيق تواجه المؤسسات المتماثلة أو المتقاربة التحديات التي تحيط بها من الخصوم والأعداء، وما أعمق هذا البيت وأدق تعبيره عن هذا المعنى:

 تأبى العصيّ إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت أحادا

 فحسن التنسيق في مواجهة التحديات أثناء الأزمات يوحي بالاجتماع والوحدة أمام الخصوم، ويولد شعوراً نفسياً بالقوة والاطمئنان.

- التنسيق سياسة اقتصادية: فكّرت إحدى المؤسسات أن تُنفذ دورة علمية بتكلفة معينة ولتكن مثلاً 100 ألف ريال، وكانت مقتدرة على دفع هذا المبلغ، غير أنها قررت أن تنفذه مع بعض الجهات الأخرى كدورة مشتركة يتم تقاسم المهام الإدارية والتكاليف المالية بينها، فأصبح المبلغ المالي الذي تدفعه كل جهة مشاركة هو 25 ألف ريال فقط، فوفرت الجهة صاحبة فكرة الدورة 75% من القيمة المرصودة للدورة، وحققت أهدافها من الدورة بنجاح، بل أصبحت تستطيع أن تقيم بالمبلغ المتبقي مشروعاً أو مشاريع أخرى.

هذا المثل على بساطته يصلح أن تُستنسخ فكرته في كافة المؤسسات والمنشآت ومع مختلف الجهات، وهو ما يُعبر عنه عند البعض «بالتشبيك»، أي التنسيق العالي في تنفيذ المشاريع مع بعض الجهات ذات المصالح المشتركة، قد تكون هذه الفكرة مطبقة في حياتنا العادية أو أنها منطقية وبدهية لا تحتاج إلى عرض وكتابة، غير أن الواقع والشواهد تفيد أن هناك ضعفاً حاداً في تطبيق هذا المفهوم لدى كثير من مؤسسات الأمة.

للتنسيق شروط:

حتى يؤتي التنسيق عوائده المرجوة وتكتمل ثمرته المقصودة فله شروط ينبغي أن تكون حاضرة وبقوة، نشير إلى بعضها بإيجاز كما يلي:

- الإحساس والوعي بضرورته وأن عصرنا هو عصر التنسيق والتعاون وإنشاء التكتلات بين مختلف التوجهات والأهداف.

- العلم بفقه التنسيق ومتطلباته وشروطه ومآلاته.

- حُسن اختيار القائمين بفعل التنسيق والمتصلين بين الأطراف الراغبة في التنسيق، على أن يكون المنسقون ذوي أهلية عالية في الحديث وجودة العرض ونفس مرنة وروح لطيفة، وأن يكونوا ممن عُرفوا بحسن التدبير والاتصال وبمقدرتهم على التعامل مع مختلف الطباع والعادات.

وكلما كانت المشاريع المنسقة كبيرة كانت حاجتنا للاهتمام بالتنسيق وتفاصيله عالية، وأيضاً إذا كانت الأطراف جديدة على التعامل مع بعضها، كانت الحاجة للإحساس بأهمية حسن التنسيق وجودته مهمة، لأن أي خطأ أو تكرار في مرحلة التنسيق قد يكون له نتائج سلبية.

وإذا أردنا أن تكون قضايانا المشتركة مؤثرة وحاضرة في الواقع الاجتماعي فلا بد أن يتحول التنسيق إلى مؤسسة أو مكتب متخصص للتنسيق، يمارس فيه التنسيق بشكل مؤسسي ومخطط، ولهذا نقترح أن يتم إنشاء مكاتب متخصصة في كل مدينة وقُطر للتنسيق بين المؤسسات المتماثلة في التوجه أو الوسيلة، أو التي تتقارب مع بعضها في المشتركات وإن قلّت، وكم نتمنى أن لا تخلو مدينة مسلمة من هذه المكاتب، بحيث تعمد مكاتب التنسيق فيها إلى توحيد الجهود ورص الصفوف ومواجهة التحديات مع تحقيق المبدأ الإسلامي والإنساني في التكامل والتعاون.

موانع التنسيق:

للتنسيق أحياناً موانع، تمنع كثيراً من الجهات من المبادرة للتنسيق مع المؤسسات والجهات الأخرى، وقد يكون معظم تلك الموانع متوهماً ولا عبرة به، لكنه يظل واقعاً حاصلاً تجب الإشارة إلى بعض مظاهره وهل تلك الموانع منطقية أم متوهمة، منها:

- الحفاظ على الشخصية الاعتبارية للمؤسسة وبروزها: وهذا المانع وإن لم تستطع بعض الجهات إعلانه إلا إنه يظل حديث مديريها في المجالس المغلقة الخاصة بهم، وهذا قد يكون مقبولاً في بعض البرامج أو مراحل نشوء المؤسسة، على أن وجه الانتقاد هو أن يصبح هذا المانع لازمة نفسية للمؤسسة تحُد من فعل التنسيق مع الجهات الأخرى، مع ملاحظة أن التنسيق غالباً لا يعارض شخصية وتمايز المؤسسات عن بعضها بل يخدمها ويزيدها حضوراً!

- النضوج الفكري: بعض الجهات لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الفكري، فترى أن أي تنسيق أو اشتراك مع جهات أخرى تخالفها في بعض الاجتهادات الفكرية نوع من التنازل والاعتراف والإقرار بتلك الاجتهادات التي تخالفها فيها، وهذا مما يجب ويلزم تجاوزه، فلا يعتبر كل اشتراك أو تنسيق اعترافاً بكل آراء واجتهادات الأطراف المشتركة في التنسيق!

-  الخوف: وهو مانع نفسي قوي، الخوف على الداعمين الخاصين بالمؤسسة من التعرف على جهات مشابهة في البلد نفسه أو القطر والتي قد يحول لها الدعم والتمويل، الخوف على الأتباع والكوادر من الانسحاب نحو أطراف وجهات أخرى، خوف على الخط الفكري والتربوي الخاص بالمؤسسة والتيار من ضريبة الانفتاح والتنسيق والاحتكاك بأطراف ذات أفكار ومناهج أخرى، الخوف من قوّة الأطراف الأخرى وقدراتها التنظيمية أو الفكرية العالية وأثر ذلك في إبراز جوانب ضعف القيادة أو الفكر لدى المؤسسة أو التيار، فالخوف هنا حاجز ومانع من التنسيق يجب تجاوزه وتخطيه، فقرار التنسيق والانفتاح الواعي على الأطراف الأخرى يُعبر عن قوة وثقة في شخصية التيار أو المؤسسة ومنافعه أكبر من أضراره المتوهمة.

 

 ختاماً

لا اجتماع بدون تنسيق، فالتنسيق فعل إداري مستمر وملازم للاجتماع بل هو عملية سابقة له، وفي الشرع الإسلامي شواهد وأدلة واضحة تدفع نحو التنسيق وتشجع عليه، كما أن في ما أودعه الله سبحانه في الكون من سُنن منظِّمة ومنسِّقة لحركة الحياة في الأرض شاهداً آخر يدفعنا للتأمل والاعتبار واستحضار جمال التنسيق وضرورته، لقد أصبح التنسيق ظاهرة سياسية وثقافة عالمية وضرورة تنظيمية تتآزر الدول والمؤسسات به وتتكامل وتتناصر، ولهذا صار من اللازم والواجب في العمل الإسلامي الأخذ بالتنسيق والوعي بهذه المقدمة الغائبة للاجتماع.

 

 


 


[1] لم نتطرق لتعريف التنسيق وإنما تركناه لما يفهمه القارئ عنه، ولما ترسّخ في ذهنه من قبل عن هذا المفهوم.