لعل من عجائب هذا العصر اجتماع الكفار على اختلاف طوائفهم ودولهم ولغاتهم في كيانات اتحادية، جعلت القرار السياسي والاقتصادي في يد مركزية هيكلية، تُسير كبرى القضايا بسلاسة وانتظام، وتتجاوز مختلف الأزمات والمعضلات السياسية والإخفاقات الاقتصادية، ولنا في الاتحاد الأوربي حالياً خير مثال على ذلك، فقد نجح في توحيد جهود أعضائه اقتصادياً وسياسياً، برغم اختلاف حجم مشاركة كل دولة، فنجد أن ألمانيا وفرنسا تصران على استمراره برغم معرفتهما أن باقي الدول تشارك مشاركة شبه شكلية في الاتحاد، وبرغم خروج الإنجليز ظل هذا الاتحاد صامداً، أما المثال الثاني فلا شك أنه يتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فهي بلد ضخم في مساحته، متنوع في أعراقه، حديث في نشأته، غير أنه ظل إلى اليوم موحداً، بل إن سياسات حزبيه الشهيرين لم تصل حد التناقض فيما يخص المصالح الأمريكية، ولا شك أن هذه الكيانات لم يكن من الممكن ظهورها إلى الوجود لولا الجهود والكتابات التي بذلها كتاب وبحاثو ومفكرو هذه الدول وقادة الأحزاب فيها، الذين جعلوا إنسان مجتمعهم ومصلحته ومصالح دولهم مركز أعمالهم وجهودهم وكتاباتهم.

لماذا اجتمعوا وتفرقنا؟!

السؤال الذي يطرحه نفسه هنا ما الذي جعل هذه الاتحادات تقوم وتستمر فترة زمنية لا بأس بها، بينما يظل التمزق والتشتت، بل والتحارب سمة العلاقات العربية والإسلامية الرسمية، وإذا وجدنا أن ذلك يعود إلى مشاغبات السياسة المبنية على اللاأخلاق، فإننا نقف حيارى أمام ما يحدث في الدائرة الأقل والأصغر، وهي دائرة العمل الإسلامي، ففي غمرة الهجمة على الإسلام، ظهر في الآونة الأخيرة هرج وصراعات خطيرة ودموية أحياناً، بين مختلف حركات التيار السني، وعلى سبيل المثال في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الروسية تشن غارات كثيفة على حلب، كانت بعض  الفصائل ترى أن الأولوية الآن لسفك دماء المخالف المعارض، بتهم شتى، وفي الوقت الذي كشر فيه الغرب عن أنيابه في حربه على الثورة السورية، كان الكثير من الكتاب يقصفون إخوانهم بتغريدات وكتابات تخوينية لم يكن هذا وقتها ومكانها، وفي الوقت الذي كان العلمانيون في تونس يدكون بقايا مكتسبات ثورة الياسمين كان الإسلاميون يتصارعون فيما بينهم حول أبجديات العمل السياسي وجدواه وفائدته، بينما شهدت ليبيا صراعاً قوياً بين بعض الفصائل التي اتفقت قبل الثورة ثم تناحرت بعدها. أما على المستوى الدعوي المحض، فالطعن الذي تعرض له العمل الدعوي من الذين ركبوا موجات التبديع والتفسيق والتجريح أفرز واقعاً مشوهاً ومأساوياً، لأن الحملة التجريحية كسرت العمل الدعوي، إذ جعلته يلتفت إلى ميدان غير ميدانه، ويترك العدو الصائل في ساحات الفكر والأخلاق، ولم يتوقف الأمر عند هذه النتيجة التي قلبت الواقع الإسلامي وهدمت المكاسب التي تحققت زمن الصحوة الإسلامية، بل إن هيبة العمل الدعوي ورموزه قد سقطت عند غالبية العامة، وكيف لا تسقط وقد صارت الخلافات متاحة في المجالس العامة، وعلى مواقع الإنترنت، وكيف لا تسقط وقد أصبحت المساجد في العالم العربي مثلاً مقسمة بين الأحزاب والانتماءات المختلفة، بل إن الحي الواحد الذي يحوي خمسة مساجد يعرف اختلافاً شديداً بين أئمته، ومن أخطر النتائج التي عرفتها المجتمعات الإسلامية انتشار الفرق الضالة، والمذاهب الهدامة، وتسلل النصرانية إلى بعض الدول، فقد غزا  التشيع دول المغرب العربي، ووصلت القاديانية إلى دول عربية عديدة، ووصلت حملات التنصير في المغرب العربي حد إخراج عشرات الآلاف من المسلمين من دينهم وتعميدهم، وهذه النتائج منطقية؛ فالعدو يتمدد في الفراغ الذي يتركه أهل الحق!

وبعد هذا التوصيف، وخروجاً من هذا المسار الذي لو جئنا نستقرئ جزئياته لما أنهيناه، فإن المرور إلى الحلول العملية أفضل وسيلة لعلاج هذا الصدع الهائل؛ لأن إغلاق أبواب الجدل يفتح أبواب العمل.

التكامل أم الاجتماع أيهما أسبق وأولى؟

قبل عن الحديث عن خطوات التكامل يجب الاعتراف أنه لا يمكن تحقيق الاجتماع دون تفعيل ما يسمى بـ«التكامل»، فالاجتماع الذي يعني التوحد تحت مشروع موحد وبقيادة موحدة لا يزال بعيد المنال لأسباب كثيرة، لكن المطلوب اليوم استحضار وصناعة فقه التكامل، لأن الملحوظ في أسباب الشقاق والشقاوة التي غلبت على الكثير من العاملين للإسلام في مختلف أرجاء العالم الإسلامي محاولة إثبات الذات  المتضخمة أصلاً عند بعض العاملين  عن طريق ضرب مشاريع أخرى، تارة برميها بالسطحية، وتارة بتنفير العاملين منها ومن الفاعلين فيها، وتارة باتهامها بتهم آثمة، كرميها بالعمالة أو الخيانة أو الضلال؛  بسبب الحسد الذي أكل قلوب بعض النافذين في الحركات الإسلامية.. وهكذا تمزق الجسد الإسلامي بدل أن يتكامل.

خطوات عملية نحو التكامل:

لأجل ما سبق فإن التركيز يجب أن يكون حول التكامل، لأن تحققه يحقق الغاية الكبرى التي هي الاجتماع، لذلك تجب تربية القادمين عليه، وإعادة بناء عقول الحاضرين على أبجدياته.

ويعتقد البعض أن الحديث عن خطوات التكامل يستلزم استحضار مصطلحات مضخمة، نفخت فيها المزايدات الكتابية، ويذهب البعض بتفكيره إلى أبعد مدى، ظاناً أن الأمة تحتاج حلولاً خارقة، بينما يغفل عن أن أسباب الداء والدواء قد ذكرت في القرآن والسنة.

أولاًتجفيف منابع الوساوس والأوهام النفسية:

إذ الأوهام والتوهمات والوساوس بواعث على أمراض قلبية خطيرة كثيرة، فإن السنة الكريمة قد جاءت بعلاجها عن طريق معاملات راقية أبرزها:

إفشاء السلاميقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالَذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» (حديث صحيح)، واللافت للنظر أن هذا الحديث كان أول حديث بثه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة بعد هجرته إليها، وهذا دليل على أهميته في بناء المجتمع المسلم السليم، كما أن غياب السلام في المجتمع يؤدي إلى فشو الكراهية وسوء الظن وإلى تمزق اللحمة والوحدة الاجتماعية والثقافية، فالمسلم والداعية الذي لا يرد السلام على إخوانه في مختلف الحالات، ويعتاد على ذلك يجب أن يعلَّم احترام الشريعة والسنة؛ لأن استهانته بقضية رد السلام -  الذي هو واجب، والواجب عند الأصوليين لم يرتق إلى مرتبة الواجب إلا بعد أن صارت مصلحته أعظم، وتضييعه يؤدي إلى مفسدة كبيرة  طريق إلى تهاونه في غير ذلك من المعاملات والعبادات؛ وهذه المؤشرات أبرز مقياس تقاس  به تعاملات المرء، فالمجترئ على انتهاك حرمة هذه التعاملات التي حثت عليها الشريعة، مجترئ على غيرها، لهذا وجبت التوبة من هذا الخطأ، واستحضار عظمة هذا الخلق الإسلامي الرفيع.

تجديد العمل بحديث حقوق المسلم الست في حياة المسلمينعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم  قَالَ«حَقُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّقِيلَ مَا هُنَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا  مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ»(حديث صحيح). وتتأكد اليوم ضرورة إعادة إحياء هذا الخلق؛ لأن الواقع يثبت أن التواصل بين أفراد المجتمع المسلم قد تقلص في كل العالم الإسلامي، وبالتالي تكريس غياب التضامن الإسلامي وقد يعتقد البعض أن هذه المسائل ثانوية وغير مؤثرة، ولو رجع إلى تفاصيل حياة القرن  الأول والثاني والثالث لهذه الأمة لرأى عجباً، حين يلقي نظرة عليها ويدقق فيها، فقد كانت هذه الأخلاق الأساس الذي قام عليه المجتمع المسلم.

إن محاولات رأب الصدع وتوحيد الصف الإسلامي داخل دائرة أهل السنة والجماعة عرفت فشلاً مريراً، والسبب أن أغلب المحاولات ارتكزت على تصورات تخالف هدي القرآن الكريم والسنة في الإصلاح، البعض ذهب إلى اقتراح آليات مباشرة للتكامل، بينما أهمل الإنسان الذي يمثل محور هذا التكامل، والإهمال المقصود هنا:إهمال التزكية وغسل القلب والنفس من الذنوب والأدران التي صارت تحجب المسلمين عن  رؤية الطريق، والتمييز بين الصديق والعدو، وأبعدتهم عن واجب المرحلة، وواجب العصر، وكبرى المهمات والقضايا، والانشغال بمسائل جرت على الأمة اليوم مهالك ومصائب عظيمة.

وعليه فإن إصلاح النفوس، وتغيير الإنسان المسلم من حالة الخراب الأخلاقي، والغرق في أمراض القلوب إلى سعة الفضائل والرحمة خطوة أولى صحيحة نحو تفعيل فقه التكامل بعد ذلك.

ثانياًالعودة إلى الدعوة:

فقد انشغلت جل الحركات الإسلامية عن التنبيه والتكوين لصالح السياسة، وكأن المطلوب من كل فرد أن يكون سياسياً أو مُنظِراً أو مفكراً، فيجب العودة إلى حلقات القرآن وتدارس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وشمائله؛ حتى تلين القلوب، وتعيد وصالها بالسيرة العطرة للنبي عليه الصلاة والسلام والمجتمع النبوي الذي يمثل النموذج الأول للمسلمين.

ثالثاًتكريس برامج مشتركة لأجل التكامل:

لا شك أن لكل فريق عامل جانب قوة وجانب ضعف، وجانباً مشرقاً وجانباً مظلماً، والاعتراف بهذا النقص فريضة شرعية، وضرورة حياتية، الإيمان بها يجعل الجميع يطلب التكامل مع غيره، سداً لهذا النقص، وقد يكون ذلك في طلب التعاون في مجال نظري تعليمي، كطلب عون جماعة معروفة بتفوقها في علوم التربية، أو كان طلب التعاون في المجال العملي التدريبي، كطلب المساعدة والتأطير من جماعة عُرفت بتفوقها في أعمال ميدانية معينة، كأن تطلب جماعة علمية من أخرى تدريبها على تنظيم أعمال إغاثية أو تطوعية ما، وبالتالي يحصل التكامل المعرفي والتقارب الإيجابي الذي يذيب الحساسيات، ويربي الجيل على معرفة قيمة التكامل ومن ذلك أيضاً:

- تأسيس أعمال مشتركة، كالدعوة إلى مخيمات جماعية مشتركة، أو جامعات صيفية متعددة، يحصل بها التدافع المحمود في الأفكار والاقتراحات والرؤى والوسائل المقترحة.

- الدعوة إلى تأليف جماعي بين بعض الجماعات والمؤسسات العاملة.

تبادل الخبراء والأئمة، فلو كان في حي من الأحياء خمسة مساجد، واتفقوا على تبادل الخطب في المساجد في بعض الأحيان فإن هذا مما يهدئ العامة والساحة، ويمهد لتحقيق تعاون أكبر.

- عقد دورات علمية أو ملتقيات مشتركة، وإقامة معسكرات مغلقة في مجال عملي، يفيد منه الجميع.

- طلب الشفاعات من أي جماعة قد تفيد فرداً من أفراد جماعة أخرى في ميدان معين، كطلب مساعدته في إيجاد عمل، أو حل لمشكلة معينة، وهذا له أثر واضح في معرفة أهمية التكامل.

- تجميع الجهود وصهرها في قالب عملي، مثلاًكل جماعة ولها ما يميزها في مجال معين، فلو وصل أفراد بعضها إلى الثانوية العامة  ونجحوا فلا بأس بالاتفاق على مساعدتهم على التوجه نحو الرغبة التي يريدونها، والاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص من الغير، ثم فرزهم بحسب التخصص، والعمل على التعارف بينهم؛ حتى يكونوا مستقبلاً نواة لخبراء في ميدانهم، بدل أن يلتقوا في الجامعة غداً وهم يعتقدون أنهم أعداء.

إجراءات لتثبيت الوفاق وإبعاد الخصومة:

يظل الاحتكاك بين البشر سمة الحياة، وقد تنجر عنه خصومات وخلافات صغيرة أو كبيرة؛ لذلك وجب تحديد العقلاء في المجتمع المسلم، وبين العاملين للمجتمع المسلم، ووضع إطار معين لهم لطلبهم عند الخصومات التي قد لا يحلها من هو أقل منهم، والهدف من ذلكتفتيت المشكلات، ومنعها من التراكم القاتل.

أخيراًإن تجسيد هذه المقترحات يحتاج إلى جلسات معينة تحدد الوسائل والطرق والصيغ وفق خطط مرنة واقعية معقولة يكون هدفها الأول تحقيق التكامل، ولو ساد هذا الفقه فإن فقه  الاجتماع يصبح على الواقع حقيقة مجسدة.