الاجتماع في الشريعة الإسلامية أصل أصيل، وركن متين، ومحكم من محكمات الدين، توارد في بيان أهميته والاهتمام به عشرات النصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية، منها ما يخص حال الحرب، ومنها ما يخص حال السلم، وبعضها لجوانب اجتماعية، وأخرى جاءت لجوانب سياسية، ومجموعة جاءت لجوانب عبادية؛ وهكذا في نصوص كثيرة جداً يمكن أن يقال فيها: إنها تجتمع على رفع قضية اجتماع الأمة أو المجتمع المسلم إلى أن تكون من مقاصد الشريعة ومحكماتها التي لها مكان التقديم وغاية الاهتمام.

فإن التوحيد والعبادة وإقامة الشريعة في المجتمع المسلم لا تكون إلا بتحقيق الاجتماع، وإلا تحولت إلى عبادات قاصرة على أهلها لا أثر لها في الحياة والواقع، ولذلك وردت النصوص تذكر أن أسوأ الآثار في المجتمع تكون بذهاب الاجتماع؛ قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال: ٦٤]، {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، وفي الحديث عند الإمام مسلم رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه كائناً من كان»، هذا كله في أهمية الاجتماع في المجتمع المسلم، لكن بعض النصوص الشرعية جاءت بخلاف ذلك حيث تذكر فطرية الخلاف ومشروعيته وهو ما نص عليه العلماء في مدوناتهم، فإن الخلاف قدر كوني ومنه خلاف العلماء؛ {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

ورسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «وسكت الله عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها»، وقصده ما يختلف فيه العلماء من مسائل الدين مما لم يحسم في الكتاب والسنة، فسماه رحمة للأمة.

ونص العلماء على أن خلاف الفروع رحمة، كما في مقدمة المجموع للنووي ومقدمة المغني لابن قدامة رحمهما الله، والجمع لهذا التعارض يكون بما يلي:

أولاً: صحة النصوص والنقولات الواردة في التدليل على أهمية العمل على الاجتماع، وكذلك النصوص التي تدل على أن الافتراق أو الخلاف أمر طبيعي في حياة الناس.

ثانياً: أن مسلك الجمع بين الأدلة الشرعية عند تعارض ظواهرها هو الأولى والجمع بحمد الله ممكن، وهو كما يلي:

ثالثاً: للجمع بين هذه الأدلة يمكن القول إن المقصود بالاجتماع المطلوب شرعاً هو ما يمكن تسميته: «الاجتماع السياسي»، فإن النصوص الشرعية الواردة في هذا الباب على قسمين:

القسم الأول: نصوص جاءت تتحدث عن الاجتماع على الإمام وعدم الخروج عليه وأهمية مخالفة من يدعو إلى الخروج عليه ونحوها، أو نصوص جاءت تتحدث عن الاجتماع في حالة الجهاد والقتال، وكلا هذين النوعين متفق على أنهما من الاجتماع بمعناه السياسي.

فمن نصوص النوع الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أتاكم وأمركم مجتمع يريد تفريق جماعتكم فاقتلوه»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة»، وقول صلى الله عليه وسلم : «إن تفرقكم في الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان»، وقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 45 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45، 46]؛ أي ذهاب مكانتكم وهيبتكم في نفوس أعدائكم. وفي هذا المعنى جاء الأمر بالصلاة جماعة وجاء الأمر بالحج خلف إمام واحد وفي مكان واحد.

قال القرطبي في تفسير:

{وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]

عن ابن مسعود رضي الله عنه: «ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة فيكون ذلك منعاً لهم عن التقاطع والتدابر»، وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافاً إذ الاختلاف ما يتعذر بعد الائتلاف والجمع. وما زال الصحابة يختلفون في الفروع وهم مع ذلك متآلفون.

وفي هذا المعنى جاء حديث العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة...»، فهذا الحديث يؤكد على اجتماع الأمة على أئمتها وهو الاجتماع السياسي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ما مات إلا وقد أكمل الدين فوصيته بسنة الخلفاء إنما هي السنة والسيرة السياسية في الحكم والتي ينبغي أن تتبع الأمة فيها الخلفاء الراشدين في سيرتهم وسلوكهم السياسي ويجتمعون عليها ولا يخالفونهم فيها. ونصوص أخرى غير ما سبق.

أما القسم الثاني من النصوص التي تحث على عموم الاجتماع فمثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «يد الله مع الجماعة»، وقوله تعالى:{وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، وهذا في المحبة والمودة والمناصحة والدعوة للخير، وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: ٢] وقوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحوط من وراءهم»، وقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما من ثلاثة لا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية»، وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وهذا النوع الأخير من النصوص يتضمن الحث على اجتماع الأمة وأن تكون صفاً واحداً في كل ما يمكن أن تكون فيه كذلك، وهو ما يقويها في ذاتها ويعطيها المهابة أمام أعدائها فتعود أمة متماسكة تهابها الأمم ويحسب لها عدوها كل حساب.

وفي المسند عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: من قلة يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن». وغثاء السيل في العادة مختلف النوع متفرق الآحاد خفيف الحمل يقذف به السيل يميناً وشمالاً.

والمسلمون يتحول حالهم إلى ما يشبه حال غثاء السيل من الفرقة والاختلاف حتى لا يهاب منهم أحد، وهو ما يتضمن الحث للمسلمين أن يتعاونوا ويتقاربوا ويجتمعوا في كل ما يمكن أن يجتمعوا عليه وألا يجعلوا للفرقة بينهم سبيلاً. وحديث ثوبان رضي الله عنه لا يخلو من تأكيد الاجتماع السياسي لذكره أمة الإسلام مقابل الأمم الأخرى، لكنه يتضمن الحث على أهمية سائر صور الاجتماع وأنواعه بدليل آخر الحديث في التنبيه على أن سبب ذلك: حب الدنيا وكراهية الموت. وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمتي على ضلالة».

والعلماء تحدثوا عن معنى الجماعة الوارد في النصوص الشرعية، وممن تحدث عن ذلك الإمام الطبري والإمام ابن حجر والإمام الشاطبي وغيرهم رحمهم الله. وقد جمع أقوال العلماء في ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام[1]، وملخص ما قاله في ذلك:

القول الأول: أنهم السواد الأعظم من أهل الإسلام وقد عزا الإمام الشاطبي[2] هذا القول إلى ابن مسعود الأنصاري رضي الله عنهما، وقد جاء النص على هذا المعنى في بعض روايات الحديث الذي رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم»، قال ابن الأثير[3]: «السواد الأعظم: جملة الناس ومعظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك النهج القويم».

القول الثاني: أنهم أئمة العلماء المجتهدين. وممن قال بهذا القول ابن المبارك وإسحاق بن راهويه[4] والإمام البخاري والإمام الترمذي[5] وغيرهم.

القول الثالث: أنهم الصحابة. ونسب الشاطبي القول به لعمر بن عبد العزيز.

القول الرابع: أنهم أهل الإسلام. ولم ينسب الشاطبي رحمه الله هذا القول لأحد ممن قال به. وعلق على هذا القول بأن قال: وكأنه يرجع إلى القول الثاني أو يرجع إلى القول الأول[6].

القول الخامس: أن المقصود بالجماعة في النصوص الشرعية جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.

والمرجح والله أعلم من هذه الأقوال هو القول الخامس، وهو القول: بأن المقصود بالجماعة الواردة في النصوص الشرعية: السواد الأعظم من المسلمين إذا اجتمعوا على إمام.

وهو ما رجحه الإمام الطبري[7] وابن حجر[8] والشاطبي[9] وابن العربي[10] وهو الذي تجتمع عليه النصوص وتتفق معه النقول عن غالب أئمة الإسلام.

وعند النظر إلى بقية الأقوال فإنها تؤول إلى هذا القول: فإن القول الأول: أنهم السواد الأعظم فهو ذات القول الذي قال به الطبري رحمه الله وهو القول الخامس. ولذلك علق الشاطبي على هذا القول بقوله: «وهو الذي يدل عليه كلام أبي غالب أن السواد الأعظم هم الناجون من الغرق فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق. قال: وقال ابن مسعود: عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به، ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة. فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم»[11].

وهو بهذا ذات القول الثاني فإن القول الثاني هو أنهم جماعة أئمة العلماء والمجتهدين. ولا شك أن العلماء والمجتهدين هم قادة الجماعة وهم معيار صحتها ما داموا على الحق والهدى، ولذلك قال الشاطبي رحمه الله: «وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أو لا»[12].

فمن كان من العلماء على السنة والهداية سالكاً لطريق الصحابة والتابعين فهو الذي عده أهل العلم هو الجماعة ومن وافقه.

ولما عد الآجري رحمه الله أئمة ممن كانوا على الكتاب والسنة قال بعد ذلك: «ومن كان على مثل طريقهم»[13]. فإذا ضُم إليهم العوام فهو ذات القول الأول فإنهم هم السواد الأعظم من العلماء ومن سائر الأمة.

قال الشاطبي رحمه الله: «قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا جماعة الناس ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم  وطريقه فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة»[14]، فجماعة الناس الذين يتبعون علماء السنة والأثر هم السواد الأعظم وهم جماعة المسلمين، وهذا يجعل القولين قولاً واحداً.

وكذلك القول الثالث وهو أنهم الصحابة، وهو منسوب لعمر بن عبد العزيز رحمه الله فلا شك أن الصحابة هم الذين تلقوا هذا الدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وسائر العلماء من بعدهم إنما هم تبع لهم يحيون ما نقل عن الصحابة الكرام.

وفي الحديث الصحيح: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، ومن خالف منهج الصحابة فقد خرج عن جماعة المسلمين، فأما تنصيص عمر بن عبد العزيز على الصحابة دون غيرهم فإنما هو ذكر بعض أنواع الاسم العام وإنما هو للتمثيل وليس للحصر، وهو منهج عند بعض علماء السلف رحمهم الله.

قال ابن القيم رحمه الله: «عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظ بعض معانيه ولازماً من لوازمه، أو الغاية المقصودة منه أو مثالاً ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في كلامهم»[15].

وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يقول: إن الصحابة هم الجماعة الأولى. ومثله من قال: هم العلماء المجتهدون وهو القول الرابع، لأنهم تتمثل فيهم صفات الجماعة المتبعة والعوام معهم وهم تبع لهم، قال الإمام الطحاوي رحمه الله: جماعة المسلمين هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين.

بقي القول الرابع في معنى الجماعة، وهو أنهم أهل الإسلام. وقد كفانا الإمام الشاطبي رحمه الله رد هذا القول بإهماله، فإنه لم ينسبه لأحد من أهل العلم وذكره مختصراً موجزاً ثم إنه قال: «وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي ما يقتضيه أو إلى القول الأول وهو الأظهر»[16].

فاتضح إذن أن القول الخامس من أقوال أهل العلم في معنى الجماعة الواردة في النصوص الشرعية هو الراجح، وهو أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فإذا أضفنا القيد الذي أضافه الشاطبي رحمه الله وهو أن يكون الإمام موفقاً للكتاب والسنة مُحكماً لهما[17] كان الكلام أدق.

فهم يرون أن جماعة المسلمين هم عامة الأمة وسوادها الأعظم الذين منهم العلماء المجتهدون السائرون على منهج الكتاب والسنة والصحابة الكرام وآثارهم إذا اجتمعوا على إمام شرعي يرتضونه ويسير بهم على ما يرضى الله تعالى وهم بذلك يمثلون عامة المسلمين.

والقول الخامس هو القول الذي تجتمع به سائر النصوص وتنطبق عليه سائر التعريفات للعلماء في معنى الجماعة. فقد اختاره شيخ المفسرين الإمام الطبري[18] ورجحه ابن حجر في الفتح[19]، وكان الشاطبي يختاره أيضاً[20]، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه المتفق عليه: «قال فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» إشارة لهذا المعنى، وقد أورد الإمام النووي هذا الحديث تحت باب: «وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة»[21].

وقال ابن حجر في شرحه لحديث حذيفة: «قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور»[22]، وهذ القول هو ما قال به عدد من العلماء والباحثين المعاصرين ومنهم:

المباركفوري شارح الترمذي حيث قال عند شرح حديث عمر رضي الله عنه «عليكم بالجماعة»: «أي المنتظمة بنصب الإمام»[23].

والدكتور عبد الرحمن المحمود هو أيضاً واحد ممن حصروا الأقوال الخمسة السابقة في قولين، فقال بعد أن عدد الأقوال الخمسة كما ذكرها الشاطبي: «وحاصلها أن الجماعة ترجع إلى أمرين: أحدهما: أن الجماعة هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع فيجب لزوم هذه الجماعة ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها. الثاني: أن الجماعة ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع وهو مذهب الحق. وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة أو أهل العلم والحديث أو الإجماع والسواد الأعظم فهي كلها ترجع إلى معنى واحد وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم »[24].

وكذلك فعل الدكتور محمد باكريم حيث ذكر الأقوال الخمسة عن الشاطبي في رسالة له بعنوان وسطية أهل السنة[25] ثم قال: «وكل هذه المعاني متقاربة واختلافها تنوع لا اختلاف تضاد وأهل السنة هم أهل الجماعة على أي معنى من هذه المعاني».

وعلى أبعد الاحتمالات فإن الأقوال الخمسة تؤول إلى قولين هما ما ذكر الشيخ المحمود، فإذا خصص كل قول بحالة أو مرحلة من مراحل تكون الجماعة كما ذكرها البعض اتحدت الأقوال في قول واحد لكل حالة أو مرحلة.

وقد قال الأستاذ محمد عبد الهادي المصري إن الجماعة تمر بمراحل في تكوينها ووجودها، وذكر منها: أن تكون جماعة لأهل السنة ولهم إمام شرعي ملتزم بالسنة داعياً لها محذر من البدع والافتراق. وحالة أخرى توجد بها الجماعة العامة لأهل السنة بعلمائها على منهج السنة والاتباع لكنهم ليس لهم إمام منهم إما لعدمه أو مخالفته أهل الإسلام وعلمائهم[26].

المقصود بالاجتماع السياسي

وبناءً على ما سبق فإنه يمكن تصور الفرق بين المصطلحين: «الاجتماع الشرعي» و«الاجتماع السياسي»، كما يلي:

الاجتماع الشرعي: هو مجتمع مسلم يحكمه أمير شرعي على مراد الله ورسوله، تتعايش فيه الاجتهادات، مستقر سياسياً، ربما يتبعه جيوب من مواطنيه من غير المسلمين أو من أهل البدع غير الكفرية، فهو مجتمع شرعي واجتماع سياسي، وربما يكون هذا الاجتماع جماعة صغيرة تعيش في ظل مجتمع مستقر غير مسلم لكنها تلتزم أمر الله وشرعه في داخلها، وتكون في هذه الحالة من ضمن الاجتماع السياسي.

أما الاجتماع السياسي: فهو مجتمع قد يكون مسلماً أو غير ذلك لكنه مستقر دنيوياً ينقصه بعض الأسس الشرعية كالحاكم المسلم أو تحكيم الشريعة أو غلبت البدعة عليه تعيش فيه جماعة مسلمة تلتزم شرع الله وتعمل به قدر استطاعتها بلا نقض لهذا الاجتماع السياسي.

وحيث إن صورة الجماعة في الإسلام يجتمع فيها الاجتماع الديني بالاتباع للسنة والاجتماع الدنيوي تحت إمام تختاره الأمة لنفسها فإن هذا هو ما أعنيه بمصطلح «الاجتماع السياسي»، إذن فإن كل مجتمع شرعي هو اجتماع سياسي شرعي وليس كل اجتماع سياسي هو تجمع شرعي.

والاجتماع السياسي في إحدى صوره هو الذي عمل عليه عثمان بن عفان والمهاجرون معه إلى الحبشة زمن الهجرة الأولى التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعض أصحابه ليهاجروا إلى مجتمع يُحكم بغير الإسلام لكنه يتيح لساكنيه أن يعبدوا الله تعالى في أمن وبلا تعد عليهم في دينهم أو أمنهم، وكانوا بضعة عشر رجلاً وامرأة، ثم حصل أيضاً لأصحاب الهجرة الثانية وكانوا أكثر من ثمانين رجلاً وامرأة، هاجروا إلى الحبشة متضامنين مع بعضهم حريصين على سلامة دينهم ودنياهم، فحققوا داخلهم الاجتماع السياسي الذي يخص الجماعة المسلمة.

والاجتماع السياسي أيضاً في صورة أخرى هو الذي ينبغي أن تعمل عليه الكيانات والتجمعات الإسلامية وتتكاتف من أجل تحقيق أمر الله وشرعه أياً كان البلد الذي تعيش فيه ولو على عدة مراحل من أجل الوصول إلى أن تسود الشريعة وينتشر الخير والسلام في كل أرض وتحت كل سماء.

ولإيضاح مصطلح الاجتماع السياسي أيضاً: يمكن القول إنه الاجتماع الذي لا بد منه لاستقرار المجتمعات والقيام بما أمكن من شريعة الله فيها مهما كان النقص في عناصر المجتمع الكامل.

والمقصود بالمجتمع الكامل المجتمع القائم على الشريعة الإسلامية كما أراد الله في أسسه وسائر أعماله وتصرفاته وسياساته.

وربما كان المجتمع المسلم فيه من النقص الكثير لكنه لا يصل إلى درجة ألا يكون مجتمعاً بالمعنى الدنيوي أي مفرقاً مختلفاً تتنازعه الأهواء والفرق والعصبيات والطائفيات كما في بعض بلاد المسلمين اليوم، فإذا لم يصل المجتمع إلى هذه المرحلة التي لا يكون فيها جماعة ولا بمعنى الاجتماع الدنيوي فإنه ليس بمجتمع لا شرعاً ولا سياسة، وإن سُمي بذلك لغة.

فإذا نقصت بعض أسسه الشرعية كما في نقص أساس الإمام المنتخب أو عدم كون الاجتماع على السنة ووجد في المجتمع فرقة مخالفة لما عليه علماء المجتمع أو غالبه كما في بعض المجتمعات الإسلامية اليوم بوجود الرافضة فيها، فإن هذا المجتمع يمكن أن يطلق على جماعته الجماعة السياسية، فهي جماعة لم ينتظم اجتماعها الشرعي كاملاً لكنها مستقرة يمكنها القيام بأمرها الدنيوي ويمكن للناس أن يعبدوا الله في هذا المجتمع بطمأنينة وأن يعملوا للدين ما أمكنهم.

والجماعة السياسية بهذا المعنى هي الواردة فيها النصوص التي تذكر بعض النقص في شأن الجماعة والحذر من الخروج عليها ما دام ينطبق عليها وصف الجماعة.

وللتمثيل ببعض النصوص في هذا فقد جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن ابن عباس عند البخاري ومسلم: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية».

وحديث الافتراق مثال آخر: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» وهي الجماعة.

فالأول في شأن الإمام والثاني في شأن الأمة وعقيدتها وكلاهما يحذر من مخالفة الجماعة بالفعل المذكور وأن صاحبه لا يعد من المحافظين على الجماعة وأنه متوعد ومخالف للشرع.

فنخلص إلى أن الاجتماع السياسي وصف للمجتمع المسلم الذي فيه من النقص ما لا يخرجه عن أن يكون جماعة للمسلمين، لكن الرغبة في استقرار المجتمع وبقاء الدين والعمل على استكمال عناصر الاجتماع الشرعي تمنع الخروج على المجتمع السياسي وتحذر من الفرقة التي ستفض كلا الاجتماعين والإبقاء على الأساسي منهما إلى أن يحين استكمال المقصود الأكمل منهما وهو الاجتماع الشرعي، فإن تطبيق الشرع لا يكون في مجتمع غير مستقر أصلاً.

والشريعة قد جعلت الاجتماع أحد مقاصدها العظمى؛ قال الإمام النووي رحمه الله عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم   «ولا تفرقوا»: «هو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتآلف بعضهم ببعض وهذه إحدى قواعد الإسلام»[27]. وقال الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله في كتابه «مقاصد الشريعة»[28]: «إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا المقصد العام من التشريع فيها وهو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ولقد علمنا أن الشارع ما أراد من الإصلاح مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما قد يُتوهم بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية. ولولا إرادة انتظامه لما شرع من الشرائع الجزئية الرادعة للناس عن الفساد». وقال أيضاً: «لم يبق للشك مجال يخالج به نفس الناظر في أن أهم مقصد للشريعة من التشريع: انتظام أمر الأمة وجلب الصالح إليها ودفع الضر والفساد عنها، ولا ينكر أحد من فقهاء الدين أنه إذا كان صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح أحوال المجموع وانتظام أمر الجماعة أسمى وأعظم»[29].

ولقد كان مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم  في أول مهاجره إلى المدينة المنورة أن عقد بين أهل المدينة عقداً اشتهر بمسمى: صحيفة المدينة، وطّد فيه عرى السلام الاجتماعي وقرر حدود النظام العام، وهذا بالضبط ما يمكن تسميته بالاجتماع السياسي الذي تستقر به الدولة وتقام فيه الشريعة بلا تعد ولا تجاوز من أحد على أحد، أو هو إحدى صور الاجتماعي. فبرغم اختلاف الأديان والأفكار فقد استقر المجتمع واجتمعت الجماعة المسلمة تحت إمرة إمامها. ويمكن القول إن المجتمعات البشرية بهذا الاعتبار تنقسم أربعة أقسام:

1- مجتمع إسلامي يحكمه إمام شرعي، فهو اجتماع شرعي سياسي وإن وجد فيه أحد من غير المسلمين.

2- مجتمع غير مسلم وحكمه بغير الإسلام وليس فيه أحد من المسلمين، وهذا خارج عن موضوع حديثنا هنا.

3- مجتمع مسلم ينقصه الحاكم المسلم أو أنه محكوم في غالبه بالبدع المخالفة للدين والمعادية للسنة.

4- مجتمع مسلم يحكمه حاكم مسلم ينقصه الحكم بالشريعة أو أن البدعة فيه ظاهرة لكنه لا يعلن عداء الدين ولا يحارب السنة.

فالأول تصدق عليه سائر النصوص الشرعية الواردة في شأن الجماعة. والثاني وإن صح أن يطلق عليه أنه اجتماع سياسي إلا إن النصوص لا تعنيه بشيء. والثالث والرابع هما ما يمكن أن يقال أنهما صورتان للاجتماع السياسي الذي نتحدث عنه هنا، ويمكن أن يكونا أيضاً قسماً واحداً.

فقه الاجتماع السياسي

فقه هذا النوع من الاجتماع يساعد على الوقاية من كثير من أسباب التنازع وانتشار العداوات التي تسبب فرقة وربما تقسيماً للمجتمع، وهنا تذهب هيبة المجتمع المسلم ويمكن لأعدائه السيطرة عليه.

وأهم عناصر فقه هذا النوع من الاجتماع يمكن أخذها من النصوص الشرعية وأقوال أهل العلم، فمن ذلك:

1- أن سلامة دين المجتمعات لا يمكن أن تكون إلا مع سلامة دنياها، وأن المجتمع إذا لم يكن مستقراً فلن يستطيع الناس أن يؤدوا شريعة الله كما أمر الله، وأنهم سيفقدون كثيراً من دينهم لو كان المجتمع مجتمعاً فاشلاً تكثر فيه الفتن والخلافات والعداوات والمنازعات. ومن ثم فإن الجميع ينبغي أن يعملوا على تقليل هذه الخصومات والخلافات وأن يعملوا على ما يصلح أحوال الناس ويؤول بهم إلى التفاهم والاستقرار.

لمثل هذا يساق حديث صحيفة المدينة وكيف أن رسول الله حرص على الاستقرار مع مواطني المدينة جميعاً حتى يستطيع المسلمون إقامة دينهم في طمأنينة وسلام.

ولمثل هذا أيضاً يستدل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد»، وحديث الحارث الأشعري: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: أمركم بخمس: فذكر الجماعة أولهن...». ونحو ذلك من النصوص، وكذلك الأحاديث التي تذم الفرقة وتحذر منها: مثل حديث: «من فارق الجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية». ومثل ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه: «الخلاف شر».  فيعمل الجميع إذن على حفظ ما يمكن تسميته «النظام العام» لأجل الاستقرار وحفظ الحقوق وسلامة الناس في المجتمع.

2- من فقه الاجتماع السياسي والحفاظ عليه عدم إثارة العصبيات والتحزبات غير المشروعة والتفريق بين الناس بما لا يكون فرقاً ونحو ذلك. وفي هذا يأتي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١]، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبته وينصر عصبته فقتل فقتلة جاهلية»، قال النووي رحمه الله: «قوله من قاتل تحت راية عمية هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق بن راهويه هذا كتقاتل القوم للعصبية»[30]، وقال معناه: «أنه أنما يقاتل لقومه وهواه».

وعن أنس رضي الله عنه في المتفق عليه: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً»، ومعلوم أن المسلم لا يصدر عنه الحسد والبغض لأحد بل هو يحب الخير لكل أحد حتى للكافرين يتمنى هدايتهم، ومن ثم فإن من يحاور المسلم ويتعامل معه لا يجد منه إلا الصدق والنصح فهو رحمة للعالمين.

وفي الحديث أيضاً: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس»، فهو يساهم في نفع كل أحد بما يصلح له فيدعو الكافر للإسلام ويتآلفه ويعلم الجاهل وينصح العاصي ولا يظلم أحداً ولا يأكل مال أحد.

3- صبر المسلم في حالة الاجتماع السياسي على بعض الأمور التي تحتمل من النقص في الحاكم المسلم أو الخطأ من بعض المسلمين أو الشبهة والبدعة حتى يجد الفرصة للمناصحة فيها وتعليم أهلها، ولا يدفعه شيء من ذلك إلى الخروج على المجتمع أو ضرب بعضه لبعض أو الإساءة فيه لأحد. لأن ذلك مقتضى النصوص أولاً ولأجل الحفاظ على الاجتماع السياسي ثانياً.

فأما النصوص فمثل قوله صلى الله عليه وسلم  كما في البخاري عن ابن عباس: «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية»، والسلطان هنا المقصود به الجماعة واجتماع الأمة بدليل الرواية الأخرى التي فيها: «فإنه من فارق الجماعة...». قال ابن حجر رحمه الله[31]: قال ابن أبي جمرة: «لأن الأخذ في ذلك [المفارقة] يؤول إلى سفك الدماء بغير حق».

وقال أيضاً: «الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها» وهذه حالة نادرة لها حديث آخر غير حديثنا هنا، فإن حصل الخلاف في مثل هذه الحالات فعليكم بالسواد الأعظم لحديث: «فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم». والسواد الأعظم هم غالب الأمة إذا كان معها علماؤها فإنه في هذه الحال مهما كان الخلاف والمخالفة فينبغي التزام صفهم، وكم خرج على الأمة من شبابها الذين يخالفون سواد الأمة وعلماءها يفرقون الاجتماع السياسي لها فكان مصيرهم أن خسرتهم أمتهم يخرجون يقاتلون حكوماتهم وإنما أضروا بأمتهم.

4- في الاجتماع السياسي حرية في الاجتهاد والنظر في الشريعة وفي فروعها من غير تعصب لرأي ولا منع لمخالف مجتهد، مع حفظ أقدار العلماء وترك الأمة تقلد من شاءت منهم، وقد سبقت الشواهد لذلك أول المقال.

والناس إذن في إطار الاجتماع السياسي يقبل بعضهم بعضاً مع اختلافهم في فروع المسائل العقدية والفقهية مما ليس محسوماً في نصوص الشريعة أصلاً، فهو مجتمع متسامح في هذا كما أنه مجتمع متسامح مع المخالفين من اليهود والنصارى أيضاً، فهو يشتري معهم ويبيع ولا يهضمهم شيئاً من حقوقهم ضمن العقد الذي عقده معهم المجتمع المسلم وولايته.

وإذا كان متسامحاً مع اليهود والنصارى فهو من باب أولى يفعل ذلك مع المخالفين في الاتباع من أهل البدع فيشفق عليهم وينصح لهم ويعطيهم حقوق المسلمين ما لم يدعوا إلى بدعة أو فرقة داخل المجتمع.

في الاجتماع السياسي يدرك كل المجتمعين أن حسن تعاملهم وفقههم في ممارسة الخلاف بينهم هو سبب بقاء مظلة المجتمع الذي يستظلون فيه.

5- في الاجتماع السياسي يعمل الناس جميعاً على حفظ النظام العام، والذي «يتكون من ثلاثة عناصر متداخلة لا ينفك بعضها عن بعض وهي الأمن في مقابل الخوف، والعدل في مقابل الظلم، والقوة في مقابل تسلط الأعداء»[32].

وقد جاءت النصوص الشرعية في الصبر وتحمل النقص في بعض هذه الأمور في سبيل الحفاظ على «الاجتماع السياسي» وبقائه بما يعوض النقص في بعض هذه العناصر، فمن ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  السابق «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية». وكما في حديث مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إنه ستكون هنّات وهنّات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان». والمقصود بالهنات جمع هنة وهي الشر والفساد ونقص الخير. وفي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] وهذا يحصل للمؤمن في سائر أحواله فلذلك عقب عليه بقوله وبشر الصابرين الذين يحتملون مثل هذا ما دام دينهم وسلامة مجتمعهم قائمة وهذا هو الأمر الأهم.

6- ينبغي أن يحرص أعضاء وأفراد «الاجتماع السياسي» على كل ما يزيد تماسك مجتمعهم، فإن تماسك المجتمع يقوي من انتماء أفراده إليه، ودفاعهم عنه لو احتاج إليهم، ورفضهم كل ما يضر به أو يضعفه، ومن المعلوم أن المجتمعات مرتفعة مستوى التماسك والترابط أنها تنتج شعوراً بالتضامن والمسؤولية عند سائر أفرادها كما أنها تعلي قيمة العمل الجماعي وتجعل له الأولوية، وكذلك ينبغي أن تكون الاجتماعات السياسية والمجتمعات الشرعية أيضاً من باب أولى.

7- تعاني المجتمعات الغربية المتقدمة من الخلاف والتنوع وتعمل باستمرار على تنظيمه تفادياً لأي صدامات أو افتراق داخل أنظمتها، لكن المجتمع السياسي في الإسلام يعمل على تنظيم الخلاف ويجعل ذلك أساساً في الاجتماع الدنيوي والديني، ثم يزيد على ذلك مساراً آخر وهو مسار الإصلاح.

 فالمتأمل في نصوص الكتاب والسنة يجد أن الشريعة الإسلامية اختطت لمعالجة الخلاف الواقع في بني آدم مسارين:

١- المسار  التنظيمي: ويدعو إلى لزوم الجماعة وطاعة أولي الأمر وينهى عن الفرقة والشذوذ ويمكن التعبير عنه بما يضاد الفتنة والتنازع.

٢- المسار  الإصلاحي: ويدعو إلى التوحيد وأصول الإيمان[33].

بمعنى أنه مسار يهتم بتجفيف أصول الخلاف ويعمل على تصحيح المسار بتصحيح الأخطاء قدر الإمكان.

بل إن المسار الإصلاحي في الإسلام يحتل مكانة مهمة، فهو لا يعتني بالإصلاح في جانب دون آخر بل يعطي من الاهتمام للأمور في جانب الإصلاح الدنيوي كما يعطي في الجانب الديني.

فأنت تجد من النصوص الشرعية ما يحث الناس على التزام دينهم ومناصحة بعضهم في ذلك، في الوقت الذي تجد كثيراً من النصوص الأخرى التي تحث المجتمع على التماسك وتوصي الجار بجاره وتؤكد على أهمية الحق العام للطريق وعلى حفظ الحقوق للولاة وهكذا، بما يقنعك أن الإسلام نظام عظيم في حفظه لنظام المجتمع وفي عنايته بسلامة وصيانة جوانبه.

 


 


[1] الاعتصام 2/255.

[2] الاعتصام 2/255.

[3] النهاية 2/419.

[4] الاعتصام 2/255.

[5] فتح الباري 13/136، والترمذي كتاب الفتن باب لزوم الجماعة.

[6] الاعتصام 2 /264.

[7] انظر فتح الباري حيث نسب هذا القول للطبري رحمهما الله 13/37.

[8] فتح الباري 13/37.

[9] عارضة الأحوازي 9/10.

[10] الاعتصام 2/264.

[11] الاعتصام 2/265.

[12] الاعتصام 2/102.

[13] الشريعة ص14.

[14] الاعتصام 2/267.

[15] مختصر الصواعق المرسلة 2/199.

[16] الاعتصام 2/265، وفيه بعض التوسع في الترجيح والاستدلال.

[17] الاعتصام 2/265.

[18] نسبه إليه الشاطبي في الاعتصام 2/264.

[19] فتح الباري 13/37.

[20] الاعتصام 2/265.

[21] شرح مسلم 12/237.

[22] الفتح 13/37.

[23] تحفة الأحوذي 6/384.

[24] موقف ابن تيمية من الأشاعرة، للدكتور عبد الرحمن المحمود 1/17.

[25] وسطية أهل السنة ص88.

[26] أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى.

[27] شرح النووي على مسلم 12/11.

[28] مقاصد الشريعة (273).

[29] المرجع السابق (405).

[30] شرح النووي على مسلم 12/239.

[31] فتح الباري 13/7.

 [32] انظر فلسفة الاجتماع في الشريعة الإسلامية، ماهر القرشي.

[33] جميع النقول أعلاه عن ماهر القرشي في فلسفة الاجتماع، ص51.