للتربية النبوية أعظم الأثر في تحقيق وحدة الصف واجتماع الكلمة، وفي هذه المقالة نتناول إشارات موجزة حول هذا المعنى بقدر ما يتسع له المقام.

ويمكن أن نلخص أهم معالم التربية النبوية في ما يتصل بجمع الكلمة فيما يلي:

أولاً: التأكيد على الاجتماع: والتنفير من الفرقة:

يؤكد صلى الله عليه وسلم  على الاجتماع ويعظّم شأنه، فعن ابن عمر رضي الله عنمها قال: خطبنا عمر رضي الله عنه بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم  فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن»[1].

ويحذر صلى الله عليه وسلم  أمته من التفرق، ويعظم أثر ذلك، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة»[2].

ثانياً: تأكيد نعمة الاجتماع:

بين النبي صلى الله عليه وسلم  لأصحابه أن اجتماع الكلمة نعمة ومنة من الله عز وجل، فقال في خطابه للأنصار: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي»[3].

ووعي الدعاة بنعمة الاجتماع يقود إلى الاعتناء برعاية هذه النعمة، والحفاظ عليها، وإدراك عظم منزلتها.

ثالثًا: تأسيس معنى الأخوة:

اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم  بتأسيس الأخوة بين المسلمين عموماً، وتمثل ذلك في تأكيده على معنى الأخوة وأمره بها فقال صلى الله عليه وسلم : «وكونوا عباد الله إخواناً»[4]. وهو خطاب للمسلمين جميعاً التقيِّ منهم والمقصر، والعالم ومن دونه، وأكد عموم هذا المعنى بأن جعل الإسلام هو مناط الأخوة، فقال صلى الله عليه وسلم : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة»[5]، قال ابن حجر: «ويشترك في ذلك الحر والعبد والبالغ والمميز»[6].

ونص صلى الله عليه وسلم  على الأخوة بين المسلم ورقيقه، منكراً على صاحبه أبي ذر رضي الله عنه ما بدر منه تجاه غلامه، عن المعرور بن سويد، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»[7].

واختلاف المدارس الدعوية وتنوع الاجتهادات اليوم لا يلغي حق الأخوة بين المسلمين، ولا يبرر القطيعة والعداوة، كيف لا وقد سمى الله تعالى القاتل بالأخ، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْـحُرُّ بِالْـحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْـمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فإذا كان هذا في حق القاتل فكيف بمن دونه؟

وعلى المستوى العملي آخى النبي صلى الله عليه وسلم  بين أصحابه على مستويات عدة، منها ما كان بين المهاجرين، ومنها ما كان بين المهاجرين والأنصار، وارتقت تلك الأخوة إلى التوارث حتى نسخ التوارث بآيات المواريث.

رابعاً: رعاية الأخوة والمحبة:

لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم  في تربيته لأصحابه بالتأكيد على معنى الأخوة، وتطبيقها العملي، بل اعتنى بها، وأوصى بتعاهدها، فبين لأصحابه ثواب التواصل بين الإخوة والمتحابين في الله عز وجل، فقال صلى الله عليه وسلم : «قال الله وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ»[8].

وبين النبي صلى الله عليه وسلم  لأصحابه ثواب التزاور في الله عز وجل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه»[9].

وأمرهم بالتعبير عن مشاعر الأخوة والمحبة فيما بينهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذ مر رجل، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إني لأحب هذا الرجل. قال: «هل أعلمته ذلك؟»، قال: لا. قال: «قم فأعلمه». قال: فقام إليه فقال: يا هذا، والله إني لأحبك في الله. قال: أحبك الذي أحببتني له[10].

كما يأمر صلى الله عليه وسلم  بالاعتناء بالحقوق التي ترسخ الأخوة والمحبة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»[11].

ودلالة هذه النصوص أوسع من مجرد التزاور والإخبار بالمحبة؛ فهي تشمل كل ما من شأنه تعاهد المحبة ورعايتها.

وتعزيز الأخوة والمحبة من أهم ما يؤدي للائتلاف وجمع الكلمة، ولو أخذ الدعاة بهذه الوصايا النبوية، ورعوا حقوق الأخوة مع إخوانهم لزالت كثير من أمراض الخصومة والصراع.

خامساً: التطاوع والملاينة:

اجتماع الكلمة لا يتحقق إلا بقدر من التنازل والتطاوع، لذا يوصي صلى الله عليه وسلم  صاحبيه وقد بعثهما داعيين إلى الله بهذا الأمر، فعن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم  بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»[12]. والتطاوع يقتضي التنازل والمرونة، وأن يكون اجتماع الكلمة هدفاً يقصده الداعية ويسعى إليه، لا أن يتصلب في موقفه، ويتشبث برأيه.

سادساً: الواقعية:

إن النفوس مهما سمت وارتقت، ومهما أدركت قيمة معاني الاجتماع والألفة فلا يمكن أن تصل إلى حال الكمال المطلق، ولا أن تسلم من حظوظ النفس. لذا يأذن صلى الله عليه وسلم  بقدر من التنفيس عما يحدث في الصدور، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام»[13].

ومفهوم الحديث جواز الهجر فيما دون الثلاثة، وهذا في أمور الدنيا، أما الهجر لله فهو غير مقدر بهذا القدر، فقد هجر صلى الله عليه وسلم  كعباً وصاحبيه خمسين ليلة، قال النووي: «قال العلماء: في هذا الحديث تحريم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث، الأول بنص الحديث، والثاني بمفهومه، قالوا: وإنما عفي عنها في الثلاث؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة ليذهب ذلك العارض»[14].

ولعل من الواقعية في اجتماع الكلمة ألا يتطلع الدعاة إلى صور مثالية عالية، وأن يقبلوا بالتدرج، وبالانتقال من خطوة لأخرى، وأن يتفهموا ما قد يحصل من إخوانهم من خطأ أو جفاء أو تقصير في حق الأخوة.

سابعاً: تأكيد التنوع واختلاف الناس:

كثير من مواقف الافتراق والخصومة مصدرها عدم تقبل البعض اختلاف الآخرين في اهتمامهم وقدراتهم، بل ربما جعل أحدهم اهتمامه ورؤيته الشخصية معياراً يتعامل فيه مع الناس، وقد يبني مواقفه منهم على أساس هذه الرؤية الشخصية.

يبين صلى الله عليه وسلم  تنوع خير الخلق بعده وهم صحابته رضوان الله عليهم، فكيف بمن دونهم؟ فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»[15].

ثامناً: حسن التعامل مع المخالف:

الخلاف من أكثر ما يقود إلى افتراق الكلمة والتنازع، وبخاصة حين يتعلق بأمور الدين.

وقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم  أصحابه على حسن التعامل مع الخلاف، وألا يؤدي للفرقة والتنازع، وحين اختلف أصحابه - رضوان الله عليهم - في حياته في فهم أمره المتعلق بالصلاة - أعظم شعائر الدين العملية - لم يعنف أحداً منهم، بل سكت عن بيان من أخطأ ومن أصاب منهم؛ لأن الأمر قد انتهى، فهم ما بين أجر وأجرين، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم  لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهم[16].

تاسعاً: تحديد مرجعية التعامل مع الاختلاف:

يبين النبي صلى الله عليه وسلم  لأمته منهج التعامل مع الاختلاف ومرجعيته؛ فعن عرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  الفجر، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب، قلنا أو قالوا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة»[17].

عاشراً: ذم الفحش في الخصومة مع المخالف:

إن مما يثير الحفيظة ويزيد الفجوة: الفحش والغلظة على المخالف، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم  في هديه العملي والقولي على تجنب الفحش وسوء الخلق حتى مع المخالفين في الدين، فينكر صلى الله عليه وسلم  على عائشة ما قالته في حق اليهود الذين أساؤوا الأدب في خطابهم، فعن عائشة، رضي الله عنها أن يهوداً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم  فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله، وغضب الله عليكم. قال: «مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش» قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: «أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في»[18].

ويتمثل النبي صلى الله عليه وسلم  هذا الخلق مع من وصفه بأنه بئس أخو العشيرة، وهذا الوصف النبوي لا يرد إلا على مطعن في الديانة والخلق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة» فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ قال: «أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس، أو ودعه الناس، اتقاء فحشه»[19].

إن استيعاب معالم التربية النبوية وأثرها في جمع الكلمة يضيق عنه هذا المقام، فحسبنا هذه الإشارات، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم  القولية والعملية، وسيرته حافلة بشواهد رعاية هذا المعنى العظيم، رزقنا الله صلاح القلب، والصفاء والود لإخواننا المسلمين.


 


[1] رواه أحمد 114، والترمذي 2165، وابن ماجه 2363.

[2] رواه أبو داود، وأحمد 27508، والترمذي 2509.

[3] رواه البخاري 4330، ومسلم 1061.

[4] رواه البخاري 6065، ومسلم 2559.

[5] رواه البخاري 2442، ومسلم 2580.

[6] فتح الباري 5/97.

[7] رواه البخاري 29، ومسلم 1661.

[8] رواه مالك وأحمد 22030.

[9] رواه مسلم 2567.

[10] رواه أحمد 12430، وأبو داود 5125.

[11] رواه البخاري 1240، ومسلم 2162.

[12] رواه البخاري 3038.

[13] رواه البخاري 6065، ومسلم 2559.

[14] شرح صحيح مسلم 16/117.

[15] رواه أحمد 12904، والترمذي 3790، وابن ماجه 154.

[16] أخرجه البخاري 946، ومسلم 1770.

[17] رواه أحمد 17144، وأبو داود 4607، والترمذي 2676.

[18] رواه البخاري 6030، ومسلم 2165.

[19] رواه البخاري 6054، ومسلم 2591.