هذا مدخل لرؤية تأسيسية لموقع كلٍ من الخلاف والوفاق، أركز فيها على الكليات والأصول بعيداً عن الجزئيات والفروع، وأتناولها من خلال النصوص والنقول بأدنى حدٍ من التعليق والتحليل، واخترت ذلك حتى أبرهن أن التأسيس - من جميع الجوانب - يدل على أن الخلاف مشكلة ومصيبة كبرى، وأن الوفاق قيمة وغاية عظمى، تشهد لذلك اللغة، وتقطع به الآيات والأحاديث، وتعمِّقه أقوال العلماء، وتؤكِّده حوادث الماضي ووقائع الحاضر.بل إن الرؤية التأسيسية تكشف ما يلابس الخلاف والوفاق من مشاعر نفسية ومناهج فكرية، وهدفي من هذا العرض الموجز أن أقول لنفسي أولاً ولكل طالب علم  وداعٍ إلى الحق وقاصدٍ للإصلاح من العاملين في الميدان الإسلامي: تلك هي الأصول الكلية لغة وشرعاً وعلماً وعملاً؛ فأين أنتم منها وهي لا تدعوكم للوفاق فحسب بل تحرم عليكم خلاف الخصومة والتنازع والافتراق! وكيف يسوغ أن تتقدموا صفوف الأمة وترفعوا راية الدعوة وأنتم لا تلتزمون ما تدعون إليه من الوحدة والوفاق؟!

 الخلاف في اللغة نقيض الوفاق، كما يناقض الاختلاف الاتفاق.

ومادة «خلف» لها في اللغة معانٍ، منها:

التغير: تقول العرب: خَلَفَ فوهُ أي تغيّر، وخلَفَ فَمُ الصائم خُلوفاً أَي تغيرت رائحتُه.

الفساد: يقولون: خلَفَ اللبنُ إذا أُطيل إنْقاعُه حتى يَفْسُدَ.

الرداءة: الخَلْفُ: الرديءُ من القول، يقال: سكت أَلْفاً ونطق خَلْفاً، أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلَّم بخطأ.

الاعتزال: يقال هذا رجل خَلَفٌ إذا اعتزل أَهلَه، وعبد خالِفٌ قد اعتزل أَهلَ بيته.

الحماقة: ومنه قولهم: فلان خالِفُ أَهلِ بيته أَي أَحمقهم، والخالفةُ: الأَحْمَقُ القليلُ العقْلِ[1].

قال الأصفهاني: «والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله»[2].

وبعد هذا الإيجاز نرى التأسيس اللغوي للخلاف يبين ضرره وخطره وقبحه في جمعه بين الفساد والرداءة والحماقة وسائر المعاني المرذولة.

وإذا جئنا إلى الوفاق وعدنا إلى أصله الثلاثي «وفق» فإذا هو يدور على معانٍ عدة منها:

الملاءمة: قال ابن فارس: الْوَاوُ وَالْفَاءُ وَالْقَافُ: كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى مُلَاءَمَةِ الشَّيْئَيْنِ[3]، وَفْقُ الشيء ما لاءَمه، وَافَقَ فلان بين الشيئين مُوافقة ووِفاقاً: لاءم.

الجمع والاجتماع: أَوْفَقَ القومُ الرجلَ دنوا منه واجتمعت كلمتهم عليه، وَوَافَقْتُ فُلَاناً صَادَقْتُهُ، كَأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا مُتَوَافِقَيْنِ. وفَقَ بين الأشياء المختلفة: ضمَّها بالمناسبة.

الالتحام والانسجام: الوَفْق من المُوافقة بين الشيئين كالالْتِحام، واتفق الاثنان: تقاربا واتّحدا، ووافقت الجماعة: اتّفقت وتظاهرت.

التكيف والانسجام: وافقت وجهات النظر: تآلفت وانسجمت، وتوافق الحيوان مع بيئته أي تكيف.

الإصلاح: وَفَّقَ بين القوم: أصلح.

الصواب والاستواء: وفق الأمر وَفْقاً: كان صواباً مُوافِقاً للمراد، وأَوْفقَت الإبلُ اصطفت واستوت معاً.

التوفيق والنجاح: الوفق من التَّوْفيق، وَفَّقه الله سبحانه للخير أَلهمه، التَّوْفيقُ من الله للعبد: سَدّ طريق الشر وتسهيل طريق الخير، توفق فلان: نجح وأفلح في مسعاه وبلوغ مراده[4].

وأضيف إلى ذلك مزيداً من الروعة والجمال في المعاني والدلالات المرتبطة بالوفاق، فهو:

في الفلسفة: أن يسلك المرء مسلك الجماعة ويتجنب ما عنده من شذوذ في الخلق والسُّلوك.

وفي الفيزياء: تفاعل عاملين أو قوتين حتى يصبح التأثير الكلي أعظم من مجموع تأثيرهما منفردين[5].

ما أجمل الملاءمة والانسجام، وما أحلى الصواب والإصلاح، وما أروع التوفيق والنجاح، وما أقوى الوحدة والالتحام، ولا تعليق بعد ذلك!

وفي التأسيس العملي للعلاقات بين البشر مسلمين وغير مسلمين أسوق هنا أصولاً تأسيسية موجزة فيما يلي:

إذا نظرنا إلى مبادئ وشرائع الإسلام لتوجيه أتباعه وبناء مجتمعه وتأسيس دولته وجدناها قائمة على الأخوة والألفة، ومعتمدة على التكامل والتعاون، وهادفة للوحدة والترابط، فهم أمة واحدة وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ومن واقعية الإسلام تثبيته لحقيقة وجود الخصومات كأمر عارض له أسباب متنوعة متعلقة بطبيعة البشر أنفسهم، ومن ثم وضع الإسلام طريقاً لحل النزاعات، كما حث على الإصلاح والجمع بين المختلفين كمبدأ أساسي من مبادئه.

البند الأول: الأمة واحدة:

خطاب القرآن للأمة خطاب وحدة واجتماع يوضح أن وحدة أصولها الجامعة يقتضي أن تكون أمة متحدة متوافقة، فالله جل وعلا يقول: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، «وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد»[6]، «والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم  أي إن هذه الملة، وهي الإسلام، هي ملة واحدة لسائر الرسل. أي أصولها واحدة»[7]، «وكان اللائق الاجتماع على هذا الأمر وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء أبيا إلا الافتراق والتقطع»[8] فالقرآن في خطاب المسلمين يعمق وحدتهم وارتباطهم بعمق الإنسانية الضاربة في جذور التاريخ فهو يبين» إن هذه أمتكم، أمة الأنبياء، أمة واحدة، تدين بعقيدة واحدة، وتنهج نهجاً واحداً، هو الاتجاه إلى الله دون سواه، أمة واحدة في الأرض، ورب واحد في السماء، لا إله غيره ولا معبود إلا إياه»[9].

البند الثاني: الأمر بالاعتصام والوحدة:

في الحقيقة إن «أول مقصد للإسلام، ثم أَجَلُّهُ وأخطره: توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم على غايةٍ واحدة؛ هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية، والمعنى الروحي في هذا: اجتماعهم على الصلاة وتسوية صفوفهم فيها أولاً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لتسونَّ صفوفَكُم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم»[10]، وهذا شيءٌ لا يدركه إلا من أنار الله بصيرته للفقه في الدين، والغوص بحثاً عن دُرره، والسمو إلى مداركه[11]، وفي مقدمة التوجيه الرباني لذلك يأتي قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ٣٠١]، قال ابن كثير: «أمرهم الله عز وجل في الآية الكريمة بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف.. وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف»[12].

وفي تفسير القرطبي: «إن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة»[13]. وزاد في التوضيح والتأكيد فقال: «وأمر بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقاداً وعملاً، وذلك سبب اتفاق الكلمة، وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين»[14]، وبعبارات رائعة وخلاصات جامعة نورد قول الطبري: «تعلقوا بأسباب الله جميعاً، يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله»[15].

ويكفي أن نضيف إلى ما سبق نصاً جامعاً من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم  عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال»[16].

البند الثالث: الألفة نعمة ومنة:

أظهر القرآن أن الألفة نعمة ربانية ومنة امتن الله بها على رسولنا صلى الله عليه وسلم  فقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63]، وإليك القول النفيس الواضح لشيخ المفسرين الإمام الطبري: «جمع بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، على دينه الحق، فصيرهم به جميعاً بعد أن كانوا أشتاتاً، وإخواناً بعد أن كانوا أعداء. وقوله: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63]، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لو أنفقت يا محمد ما في الأرض جميعاً من ذهب وورق وعرض ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيلك، ولكن الله جمعها على الهدى فائتلفت واجتمعت، تقوية من الله لك وتأييداً منه ومعونة على عدوك»[17].

ولله در الإمام ابن عطية حين قال: «ولو ذهب ذاهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار، وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءاً من ذلك لساغ ذلك، وكل تألف في الله فتابع لذلك التألف الكائن في صدر الإسلام»، وكذلك حين نقل لنا هذا الحوار: «قال مجاهد: إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا، تحاتت خطاياهم، فقال له عبدة بن أبي لبابة: إن هذا ليسير، فقال له: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني»[18].

وفي هذا الصدد لا أجد تصويراً أروع ولا صورة أجمل ولا وصفاً أدق للمحبة والأخوة مما جاء في قوله تعالى عن المهاجرين والأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩].

الوفاق: أساس العلاقة بين المسلمين:

للعلاقات بين المسلمين أسس ومنطلقات تتأسس عليها وتحصل بها الألفة، وتتقوى بها اللحمة، ويظهر أثرها في المجتمع محبة وأخوة، وتعاوناً وتكافلاً، وولاء ونصرة، وتلاحماً وتراحماً، ومن تلك الأسس:

البند الأول: الأخوة:

{إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، «جيء بصيغة القصر المفيدة لحصر حالهم في حال الأخوة مبالغة في تقرير هذا الحكم بين المسلمين... وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر وجوب الأخوة بين المسلمين»[19]، و«مما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه؛ وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج عن الأصل والقاعدة. وهو إجراء صارم وحازم كذلك، ومن مقتضيات هذه القاعدة كذلك ألا يجهز على جريح في معارك التحكيم هذه، وألا يقتل أسير، وألا يتعقب مدبر ترك المعركة ومن ألقى السلاح، ولا تؤخذ أموال البغاة غنيمة؛ لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم، وإنما هو ردهم إلى الصف، وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية»[20]، وتأمل أن هذا مع كون «معنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان... {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي: خافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل»[21].

البند الثاني: الولاء:

{وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، «أَيْ قُلُوبُهُمْ مُتَّحِدَةٌ فِي التَّوَادِّ وَالتَّحَابِّ وَالتَّعَاطُفِ»[22]، وذلك: «فِي الدِّينِ واجتماع الكلمة والعون وَالنُّصْرَةِ»[23] والمراد أنهم «يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ، كَمَا جَاءَ فِي الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنان يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»[24]، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضاً: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائر الجسد بالحمى والسهر»[25][26].

البند الثالث: النصرة:

{إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72]، أي يتولّى بعضهم بعضاً في النصرة والمظاهرة، ويقوم مقام أهله ونفسه، ويكون أحق به من كل أحد[27]. «ولَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِ وَلِيّاً لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا هَذَا، أَيْ إِنَّهُ عَوْنٌ لَهُ وَنَصِيرٌ فِي الْحَقِّ الَّذِي يَعْلُو بِهِ شَأْنُ الْإِيمَانِ وَأَهْلُهُ»[28].

وأكتفي هنا بحديث جامع في الأخوة ومتطلباتها فعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»[29].

الوفاق تأسيس التعارف والتعايش:

رغبة في تأكيد محورية الوفاق في الإسلام أنتقل إلى دائرة أبعد خارج إطار المجتمع المسلم، وذلك لتأيد الرؤية التأسيسية للإسلام في الوفاق في دائرة غير المسلمين من غير المحاربين، وأوجز القول بأن من المقرر في طبائع النفوس أن الخلاف شر، وأن الفطر السليمة مجبولة على النفرة من النزاع والخصومة، والإسلام - وهو دين الفطرة - قرر تلك الحقائق فبين أن الشحناء والبغضاء تهلك الحرث والنسل، وأن النزاع والقتال يأكلان الأخضر واليابس، ومن ثم جاء الإسلام مقرراً مبدأ التعارف الإنساني، ومؤكداً على كرامة بني آدم، ومعترفاً بالتنوع والاختلاف الفطري، وداعياً إلى التعايش البشري، ومقرراً مبدأ الحوار، وموجهاً إلى الجدال بالتي هي أحسن، وذلك كله في دائرة واسعة من المفاهيم والمعاني الإنسانية الإسلامية للحياة بين بني البشر والتعايش بين شعوب الأرض، وتلك رؤية تأسيسية جامعة في التصور والتعامل مع غير المسلمين من غير المحاربين، وللتركيز والجمع أسوق تلك الرؤية في ثلاثة بنود أساسية بنصوص ونقول جامعة هي:

البند الأول: التعارف:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، «الغاية من جعلكم شعوباً وقبائل إنها ليست التناحر والخصام إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات»[30].

وللإيجاز أورد هذا الحديث الجامع في تأكيد معنى الآية ودلالتها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب. ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان»[31].

البند الثاني: الحوار:

قال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، فهذه المجادلة لا تكون إلا «بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق»[32]. {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}: «أي بأحسن من مجادلتكم المشركين، أو بأحسن من مجادلتهم إياكم كما تدل عليه صيغة المفاعلة... ويجوز كون اسم التفضيل مسلوب المفاضلة لقصد المبالغة في الحسن، أي إلا بالمجادلة الحسنى»[33].

البند الثالث: البر والقسط:

قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]، «أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، {أَن تَبَرُّوهُمْ} أي: تحسنوا إليهم، {وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ} أي: تعدلوا، {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ[34].

«أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: {الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصصْ به بعضاً دون بعض»[35].

ومن دلالة هذه الآيات يتضح أن «الإسلام دين سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين. وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله. فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك! وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة، انتظاراً لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع. ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه المستقيم»[36].

وكل ما سبق مجرد مدخل سقته كالمثال الذي يمكن أن يحتذى، وكالمقدمة التي ينبغي أن تُكَمَّلْ في صورة بنود تأسيسية مؤصلة بدلالات اللغة ونصوص القرآن والسنة، وأقوال الأئمة والعلماء ليعلم جميع المسلمين - ودعاتهم وعلماؤهم - في المقدمة أن الوفاق والاجتماع أساسٌ في دينهم عظيم، ومقصد كلِّي مكين لا ينبغي الحيدة عنه ولا التهاون فيه، ويجب السعي لتحقيقه، وتجاوز العقبات في الوصول إليه، وما زلت مهتماً بذلك ووضعت له أسساً في الخلاف وذمًّه، والإصلاح وأهميته ووسائله وغير ذلك لتكتمل المنظومة في صورة أشمل يضيق عنها مثل هذا المقال.


 


[1] انظر: لسان العرب (9/82)، الصحاح في اللغة (1/183-184)، تاج العروس (1/5822)، القاموس المحيط (2/376).

[2] انظر: غريب القرآن للأصفهاني (ص156).

[3] معجم مقاييس اللغة (6/128).

[4] انظر لسان العرب (10/282-283)، الصحاح (4/1765)، تاج العروس (26/ 477) وما بعدها.

[5] معجم اللغة العربية المعاصرة (3/2474).

[6] تفسير البغوي (3/316).

[7] التحرير والتنوير (17/140).

[8] تفسير السعدي (ص530).

[9] في ظلال القرآن (4/2396).

[10] رواه البخاري، حديث رقم (717)، ومسلم، حديث رقم (1006).

[11] سنن الترمذي، في مسألة الجماعة الثانية، تحقيق وشرح الشيخ أحمد شاكر (ص430).

[12] تفسير ابن كثير (2/90).

[13] تفسير القرطبي (4/159).

[14] تفسير القرطبي (4/164).

[15] تفسير الطبري (5/643).

[16] رواه مسلم، حديث رقم (1715).

[17] تفسير الطبري (11/256).

[18] تفسير ابن عطية (2/548).

[19] التحرير والتنوير (26/203).

[20] في ظلال القرآن (6/498).

[21] تفسير الطبري (22/297).

[22] تفسير الطبري (8/203).

[23] تفسير البغوي (2/369).

[24] رواه البخاري، حديث رقم (481)، ومسلم، حديث رقم (6750).

[25] رواه مسلم، حديث رقم (6751).

[26] تفسير ابن كثير (4/174).

[27] محاسن التأويل (5/331).

[28] تفسير المنار (3/38).

[29] رواه البخاري، حديث رقم (2442)، ومسلم، حديث رقم (6706).

[30] في ظلال القرآن (7/3).

[31] مسند البزار (2938).

[32] تفسير السعدي (1/632).

[33] التحرير والتنوير (20/181).

[34] تفسير ابن كثير (8/90).

[35] تفسير الطبري (23/323).

[36] في ظلال القرآن (7/183).