يدرك الناظر في مجتمعاتنا اليوم أن هناك عاصفة هائجة من الفرقة والنزاع، تبدأ باللفظ الجارح وتنتهي بالسلاح القاطع، تجوب أرجاء الأرض الإسلامية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، تمزق الأوصال، وتوهي العلاقات، وتزرع إحناً لا تنتهي، وبغضاء لا تنقضي، يتجرع الناس مرارتها الكثير من السنين، بل ربما يكون فيها من يصطحبها معه إلى القبور، وقد عقدوا العزم على مقاضاة أصحابها يوم البعث والنشور، أفشلت هذه البغضاء مشاريع كان يمكن أن تكون سبباً لإقالة الأمة من عثرتها، وانتشالها من وهدتها، وتحقيقاً للتقدم في معيشتها، والرشد في إدارة مجتمعاتها، والوصول بها إلى مركز القيادة التي أرادها الله للأمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، ولكنك تجد بجانب هذه اللوحة السوداء لوحة أخرى تَنَادى أصحابها إلى الكلمة الجامعة، والموقف الرشيد، وتعميق أخوة الدين، وتقريب الموقف في القضايا المتعددة التي تعتري الأمة، مستلهمين في ذلك منارات الشريعة، وصُوَى الفقه عند علمائها، وخاصة من عارك الحياة وعركته، وخابرها فأخبرته، من عاشوا زماناً مثل زماننا، ومحناً قريبة من محننا وإحباطات شبيهة بإحباطاتنا.

وهذه الأسطر القليلات مساهمة متواضعة في التذكير بقواعد يرجى أن تكون ذات أثر إيجابي في تحقيق الألفة والابتعاد عن الفرقة.

هناك حقيقتان ينبغي أن نكون على ذُكْر منهما ونحن نعالج هذا الموضوع؛ أولاهما: أن الألفة والاتفاق مطلب شرعي، ومكسب دنيوي، يحرص عليها العقلاء كما يحرص عليها أهل الدين؛ لحميد عاقبتها وجميل عائدتها، ولا غرو حينئذ أن تجد الكتاب العزيز والسنة المطهرة مليئة بالحديث عن هذا الأمر حضاً عليه، أو بياناً لثمرته، أو امتناناً من الحق سبحانه بالتوفيق له؛ حيث عده من النعم العظيمة التي أنعم بها على العباد، وذلك في مثل قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]، فهذا خطاب لأقوام حمشتهم الحرب فذاقوا صَابَها واكتووا بجحيمها سنين عدداً، فهم لفهم معنى الألفة بعد أن أكرمهم الله بها أسبق وأعمق، وكما تذكرهم الآيات عظة التاريخ الواقعة بهم تذكرهم بعظة التاريخ الواقعة على أقوام أكرمهم الله بالسبب الجامع للقلوب - وهو الدين الذي أنزله - فأبوا إلا أن يستدبروا الهدايات ويتنكبوا الطريق فأصابهم من الفرقة والشتات ما بدد جهودهم ومحق مكاسبهم: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وعزز رسول الله صلى الله عليه وسلم  هذا المعنى في مواقف متعددة وبصور متنوعة؛ مرة بالترغيب في الألفة، ومرة بالنهي عن الفرقة، ومرة بتعليق دخول الجنة على إشاعة الحب بين أهل الأيمان، ومرة بالندب إلى مفردات تولد الحب، وأخرى بالنهي عن مفردات تورث القطيعة في أحاديث كثيرة، ومن شواهد ذلك هذه الأحاديث: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[1]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[2]. وقوله صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»[3]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً»[4]، وهذه الحقيقة من الثبوت والوضوح بمكان أمين حتى قال الإمام الغزالي: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْفُرْقَةِ[5].

والحقيقة الثانية: أن الاختلاف بين الناس يكاد أن يكون من الحَتْم اللازم؛ إذ هو ثمرة ما جعله الله من التفاوت بين الناس، في قدراتهم العقلية، وملكاتهم العلمية، واستعداداتهم الفطرية، وتجاربهم في الحياة، فكل ذلك له نصيب في صناعة القول الذي يقولون، أو الموقف الذي يتخذون، فمن رام التطابق التام بين البشر فقد رام محالاً، وها هم خير القرون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتباعهم، وأتباع أتباعهم يختلفون في المسائل من الأقوال والأعمال والأحوال، فما يرون أنهم هتكوا حجاب الشرع، ولا تسوروا محارم الدين، وإنما يرون أنفسهم بشراً من البشر يصيبون ويخطئون، ويخطئ أحدهم اليوم ويصيب غداً، لا يرون الحق مطبوعاً على لسان أحدهم فما يقول إلا حقاً، فإن دَرْك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[6]، ولذا لم يكن ما بينهم من الاختلاف مُذْهباً للألفة والمحبة وصلاح ذات البين، فكانت مجالسهم عامرة بالحوار والجدل المفيد، ثم يصدر كل امرئ منهم عن قناعته التي يرى الصواب فيها، دون أن تنطوي نفسه على ضغينة على مُخَالفه أو سوء ظن به.

وإذا كنت ترى أسباب الاختلاف مركوزة في طباع البشر - لحكمة إلهية - فأنت واجده أيضاً في وضع الشريعة نصوصها على هيئة تقبل هذا التعدد وتتيح هذا التنوع، ولو شاء الله أن يجعلها نصوصاً قاطعة لا تقبل التفاوت والأنظار المتعددة لفعل، ولكنه سبحانه حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف؛ لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات كما يقول الإمام الشاطبي[7].

هاتان الحقيقتان ينبغي أن تكون ثمرتهما أن نتجه لإدارة الخلاف، لا محوه بالكلية؛ فإن معالجة المحو معالجة أمر مستحيل؛ ومعالجة الإدارة واقعة في حيز الإمكان، متى صحت المنطلقات، وعُمرت النيات بالمقاصد الصالحة والأهداف النبيلة، ولذا كان الراسخون يوجهون النظر إلى الزوايا الإيجابية في هذا الاختلاف الناتج عن هاتين القاعدتين الآنفتي الذكر، وقد اشتهر قول الخليفة الراشد الملهم عمر بن عبد العزيز: «ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  لم يختلفوا»[8]؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة[9]. ومن هذه البابة قول شيخ الإسلام ابن تيمية: النزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتاباً سماه كتاب الاختلاف، فقال أحمد: سمه كتاب السعة. وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: ١٠١][10].

وفي مقال كهذا - لا يتسع لبسط القول - نختصر الحديث في قواعد ضابطة لمقامين من مقامات معالجة هذا الأمر المهم؛ المقام الأول: النظر إلى موضوع الخلاف، والمقام الثاني النظر إلى موضوع تدبير الخلاف وإدارته.

 

 قواعد في النظر إلى موضوع الخلاف

الناظر في كلام أهل العلم يجدهم قد حرروا قواعد مهمة في النظر إلى موضع الخلاف الذي يقع بين المختلفين، ومراعاة هذه القواعد تسلم إلى ثمرتين صالحتين؛ إما إلى ذهاب ما بينهما من اختلاف، أو إلى تضييق هذا الخلاف الذي كان واسعاً.

١- لا تتسرع في نسبة قولك للشريعة: في قضايا الخلاف في آحاد المسائل، العقدية، أو الفقهية، أو الدعوية. ينسب كل من المختلفين ما يقوله إلى الشرع، ويحشد له الأدلة والقواعد، وربما يقتبس من كلام أهل العلم هنا وهناك، وليس في هذا ابتداءً بأس، بل الأصل أن يصدر المسلم في أقواله وأفعاله ومواقفه من أدلة الشرعية الكلية والجزئية؛ ولكن البأس كل البأس أن ينسب ما هو على يقين من أنه ليس من الشرع إليه، أو يعلم من نفسه أنه اعتسف نسبته إلى الشرع، أو أنه قرره بطريق اجتهادي ظني، وقد أدب النبي صلى الله عليه وسلم  من أَمّرَه على سرية فقال له: وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا[11].

لقد كانت هذه الروح المتورعة من أن تجزم بنسبة اجتهادها إلى الشرع بيقين هي سمة عصر الاجتهاد في الصدر الأول حتى قال ابن مسعود في المفوضة: سأقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أرى أن لها مهر نسائها، لا وكس، ولا شطط، ولها الميراث وعليها عدة المتوفى عنها زوجها[12].

 2-  ليس كل يقين لديك يقيناً لدى غيرك: إذا استثنينا مسائل الشريعة الكبرى التي تواترت عليها الأدلة، واتفق عليها أهل الاجتهاد في شتى العصور، فإن هناك مسائل كثيرة ربما ظن الناظر فيها لوجود بعض الأدلة أنها من اليقين الذي لا يجوز الاختلاف فيه، وذلك ظن غير دقيق؛ لأن تقرير الأحكام من تلك الأدلة خاضع لما يوجد في الناظر؛ من قوة النظر، واستكمال آلة الاجتهاد، وإحاطته بأدلة المسائل، وحينئذ يقع التفاوت، وكم من مسألة روى بعض الأئمة الكبار فيها حديثاً ثم قال بخلافه لنظر رآه؛ في أن ذلك الحديث منسوخ، أو مرجوح أو مخالف للقواعد العامة في الشريعة، أو ليس عليه العمل في الصدر الأول، ونحو ذلك، وربما وقف واقف على ذلك الحديث فجعله من اليقين الذي لا يحل خلافه، وما درى أنه وقف على البعض، ولم يقف على الكل، أو أنه سبق إلى فهمه ما كان فهم غيره أدق وأعمق، أو أنه اشتبه عليه لأمر يعود في فهم الدلالة، ومن يطالع موطأ الإمام مالك ومسند أحمد يرى عدداً ليس بالقليل من الأحاديث التي رووها، وقرروا في الاستنباط ما هو مخالف من حيث الظاهر لما تدل عليه، وإنما فعلوا ما فعلوا لنظر فسيح في أدلة الشرع، وتعمق في فهم الدلالات، وموازنة بين الأدلة الجزئية نفسها، وبينها وبين الأدلة العامة في الشريعة. ومن هنا وجب على المختلفين أن يتورعوا في دعوى اليقينيات فيما يقولون.

3 - قد جعل الله لكل شيء قدراً: أحكام الشرع متفاوتة المنزلة، فمنها ما هو من أركان الإسلام، ومنها ما هو من الواجبات دون الأركان، ومنها ما هو من المستحبات، وفي كل واحد من هذه الأقسام أقسام وتفاريع، فمثلاً أركان الإسلام الخمسة وإن اتحدت في الركنية إلا أنها تتفاوت فيما بينها في الترتيب؛ فالشهادتان بوابة الدخول في الإسلام، والإتيان بما ينافيهما بالكلية بوابة الخروج من الإسلام، وذلك باتفاق المسلمين، والصلاة ثاني الأركان وقد اختلف في تاركها تهاوناً وكسلاً، هل يخرج من الإسلام بذلك خلافاً قوياً، واختلف في ترك الزكاة شحاً وبخلاً هل يكفر بذلك أو لا خلافاً دون الخلاف في الصلاة، وكذا وقع الخلاف في الصوم والحج، وقس على هذا مسائل الواجبات دون الأركان، ومن باب أولى مسائل المستحبات؛ ولا ينبغي أن يظن أن التنبيه على هذا التفاوت يبتغي التمسك بالبعض، وترك الباقي، أو أن يوهن نسبتها إلى الشريعة، حاشا وكلا، ليس ذلك هو المراد، وإنما المراد أن يستصحب هذا الترتيب في عدد من الأحوال، كحال من يدعو الناس إلى الإسلام، أو يفقه الداخل في دين الله جديداً، وكذا في مقام تزاحم المصالح الشرعية، وفي مقام التعامل فيما بين المختلفين، وترتيب درجات الخلاف، وفي مقام وصف المخالف بالانحراف، أو البدعة، أو الفسق، أو غير ذلك من الأوصاف الشرعية، وكذا في مقام تعليم الناس؛ حيث ينبغي أن يدعى الناس إلى الأحكام الظاهرة التي يحتاج إليها جمهورهم، ويبتعد عن الخوض في المسائل الدقيقة التي هي من شأن الراسخين في العلم إلا عند من يفقهونها، فطرحها على عامة الناس يولد أثراً سلبياً تجاه الدين نفسه، ورحم الله الإمام علي بن أبي طالب حينما قال: حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله[13]، ومراده بما يعرفون أي يفهمون كما قرره الحافظ ابن حجر في (الفتح 1/225).

فمن الخطأ أن تجعل المسائل كلها من بابة واحدة ويكون المخالف في واجب من واجبات الشريعة كالمخالف في ركن من أركان الإسلام، والمخالف في مستحب كالمخالف في واجب، والمخالف في أمر تقرر بالاستنباط كالمخالف فيما جاءت به النصوص الصريحة، وخير ما يهتدي به الموفق في النظر إلى المسائل سنة الشرع وطريقته في عدم جعلها من باب واحد بل هي من أبواب متفرقة، وهذا من رحمة الله التي تجلت في بناء شريعته.

4 - التفريق بين الحق الجلي والخفي: ومما يلتحق بالقاعدة السابقة أن ندرك أن معرفة الحق في مسائل الاختلاف ليست على درجة واحدة، فهناك مسألة تكاثرت عليها الأدلة، وسطعت عليها أنوار الشريعة حتى أصبحت من الحق البين، فلم يعد للمخالف عذر في الأعم الأغلب، وهناك مسائل تخفى فيها الأدلة، أو تخفى فيها الدلالة، وهي حينئذ مسارح للاختلاف، لا ينبغي أن يسلك بها مسلك الضرب الأول؛ ذكر ابن دقيق العيد في شرحه لحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة»، قال رحمه الله: وقد يؤخذ من قوله «المفارق للجماعة» بمعنى المخالف للإجماع فيكون متمسكاً لمن يقول: مخالف الإجماع كافر. وقد نسب ذلك لبعض الناس، وليس ذلك بالهَيّن، وقد قدمنا طريق التكفير، فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلاً، وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته المتواتر، لا لمخالفته الإجماع، والقسم الثاني لا يكفر به[14].

قلت: ومما يسوغ هذا النظر الفسيح ما يدركه المنصف من أن الخفاء ميراث عوامل متعددة، علمية واجتماعية، وتاريخية، فقد يخفى في بلاد يقل فيها العلم بالشريعة ما لا يخفى في بلاد يظهر فيها العلم وتعمر فيها مرابعه بالدرس والتفقيه، وقد يؤتى العبد ذكاء تتجلى له الحقائق بأيسر سبيل، وقد يكون بالضد من ذلك فيتعسر عليه اليسير، وقد ينشأ في وسط علمي أسري فتنفتح عينه على الكتاب من نعومة أظفاره، فيشغف بالعلم، وتَنْصَبَّ همته إليه، وقد يشغل عن العلم بكدح الحياة، وملاحقة المعيشة، في ضروب من الأسباب لا تنتهي.

5 - الصواب والخطأ يقبل التجزئة: من طبيعة الأقوال المختلفة أن تتعدد الصور في موطن الخلاف المُعَيَّن، وكلما تعددت الصور ازداد الخلاف تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه أمكن للتمييز بين آحاد تلك الصور، وحينذاك يقع في قول كل مخالف ما هو صواب وخطأ، والواجب حينئذ أن يميز بينهما، لا أن يجني الخطأ على الصواب، ومن المتقرر عند أهل العلم المحققين أهمية أن يحرر الفقيه مسألة الخلاف فيميز ما يتفق فيه المختلفون عما فيه يختلفون، ليقر كل مخالف بما عند نظيره من الصواب، وتنكمش دائرة الخلاف إلى حدودها الحقيقية، وهذا من حصافة العقل، ورشد النفس، ومتانة التقوى، فليس من صواب العقل أن تخادع النفس فتزعم أن الخلاف في كل الصور، وأنت توقن بخلاف ذلك، وليس من رشد النفس وتقواها أن تنكر الحق من أجل أنه جاء في قول مخالفك، فتكون ممن عصى الله على علم، ولا يُسوّغ لك إنكار الباطل أن تنكر الحق الذي جاوره، وقد قال الله في شأن أهل الكتاب: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75]، فذكر ما عندهم من الخير والوفاء، وما عندهم من المكر والدهاء، والتزام هذا المسلك الرشيد بالغ الأثر في ردم هوة الخلاف وتجسير الاتفاق، في النظر إلى مسائل العلم كلها من الاعتقاد والفقه والسلوك.

قواعد في إدارة الخلاف

إذا كان هناك قواعد في النظر إلى موضوع الخلاف فإن هناك أيضاً قواعد للتعامل بين المختلفين، مراعاتها تحفظ ميزان المصلحة الشرعية، وتجعل الخلاف في جو رشيد، تسوده سلوكيات توصل إلى الحق، أو تقرب إليه، وتبتعد به عن أن يكون تهارشاً، بله تقاتلاً، وكلما كان التزام المختلفين بها أتم كان الوصول إلى الحق أو على الأقل حفظ إخاء الإسلام أتم، ويخطئ من يظن مسائل الخلاف عقلية محضة، فإن للنفس من ذلك قدراً غير يسير، وكم من لفظ خشن أغلق منافذ العقل، وكم من عبارة أورثت حسرة وربما كراهية للحق، والخير لا يخدم بالشر، والبر لا يسعى إليه بخطوات الإثم.

1 - تأليف القلوب واجتماع الكلمة من قواعد الشريعة العظمى: وبذا نشأت أخوة الدين بين المسلمين بما تستتبعه من حقوق وواجبات كثيرة، تتناول اللفظ الحسن، والبشاشة الدائمة، والرفق في التوجيه، والموعظة والتغافر والتسامح، وتحريم التهاجر والتقاطع، وإن حصل ما هو من سجية النفس البشرية فلا يتعدى ثلاثة أيام ثم يعود حبل الود موصولاً بين المسلم وأخيه، وأُسّس لهذا الأصل في اجتماعات شرعية، تتناول اليوم الواحد؛ من مثل شرعية صلاة الجماعة، والأسبوع؛ بشرعية صلاة الجمعة، والسنة؛ بالصيام والحج.. في منظومة دائمة ثمرتها تواصل وتراحم وتعاون وتكاتف، وإذا كان هذا متقرراً فالواجب أن يُبْتَعد عن كل ما يوهن هذا الأصل تأصيلاً وتطبيقاً، قال الإمام الشاطبي: كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]. فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه؛ من اتباع الهوى وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين[15].

2 - معاهدة النفس على الرجوع إلى الحق إذا ظهر: تمام العبودية لله في الانقياد التام له في كل الأحوال، والمرء قد يظهر له ما يظنه حقاً في وقت من الأوقات، ثم ينازعه في هذا الحق الذي ظنه آخرون، يرون خطأ ما ظنه حقاً، والأصل في حال الموفق أنه اتّبَع ما اتّبَع لأنه ظنه الدين الذي يحب الله منه البقاء عليه، وهو يعلم من نفسه أنه ليس ممن يستحيل عليه الخطأ، أو الخفاء، فإذا رزق من يُظْهر له خطأه فالأصل أن يعود إليه، راضية نفسه؛ لأنه بهذا الانتقال يقترب من مرضاة ربه، وفي بقائه على ما كان عليه مع ظهور خطئه بُعْدٌ من الله ومجافاة لمرضاته، وقد كان سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه يجتهد في الأمر من أمور الدنيا، ثم يُظْهر له بعض أصحابه أن الأولى بخلاف ما فعل فما يصده ذلك عن أن ينتقل إليه، وكذا أصحابه من بعده، ولذا كان من الممادح لديهم قولهم في فلان من الناس: كان رجاعاً إلى الحق. وسلك المجتهدون من العلماء هذه الجادة حتى إنك لتجد لأحدهم في المسألة الواحدة الأقوال الكثيرة، وذاك تنقل أوجبه النظر الدائم والبحث الدائب وقبل ذلك النفس السوية التي لا تستنكف أن تعود اليوم عما قالته بالأمس وهي مستعدة أن تعود في الغد عما قالته اليوم إذا ظهر لها الصواب حينئذ.

3- توطين النفس على العدل والإنصاف: فبالعدل قامت السموات والأرض وبالإنصاف يتقاسم الناس هذه الحياة بخيرها وشرها وحلاوتها ومرها، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]، ومن هنا أيضا حرم الظلم بكل أنواعه وصنوفه، ومنه الظلم الذي يقع بين المتخاصمين في الأقوال والأفعال والتقريرات، ففي الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا[16]. وأنت إذا تأملت كثيراً من الخلافات في ساحتنا العلمية والدعوية أو الاجتماعية والسياسية وجدتها وليدة الحَيْف والظلم، وكأن الإنسان إذا خالف غيره بحق في خصلة بعينها حل له كل فعل أو قول تجاه ذلك الشخص، ولو أن يرميه بالبوائق ويدمغه بالفواقر، مهلاً مهلاً أيها الموفق؛ فالحق لا يبيح الباطل؛ والخير لا يُحل الشر، والحرص على السنة لا يبيح لك ظلم صاحب البدعة، وحرصك على الخير والمصلحة لا يسوغ لك أن تدمغ مخالفك بأنه عار عن النظر المصلحي، أو أنه غير مبالٍ بما في الأمر المختلف فيه من المفاسد، فزوايا النظر تتعدد، والتقديرات تتفاوت، والمعلومات تتباين، وفي كثير من الأحيان لا يصفو الصواب ولا الخطأ بل يختلطان اختلاطاً يدق على الناظر المتسرع، فأعط كل ذي حق حقه وزن بالقسطاس المستقيم فهو أسلم لك عند الله وأحفظ للمودة بين عباد الله.

4 - الالتزام بآداب البحث والمناظرة: وهو علم جليل قرره أهل التحقيق، وصنفوا فيه المصنفات الكثيرة بغية أن يختصر المتناظرون الأوقات، ويصلوا إلى مواطن التحقيق فيما يختلفون فيه، فكم من الجهود تذهب في غير طائل، وكم من الأوراق تسود في غير نفع، وكم من العواطف تنفق في غير سبيلها اللائق بها، وهذا العلم يكاد أن يكون مهجوراً في ساحتنا العلمية والدعوية، وكأن المناظرة في مسائل العلم والدعوة كلأً للجميع، يخاض بآلة وبغير آلة، ويسلك بغير تنظيم ولا ترتيب، ويقدر على ممارسته الصغير والكبير، وكأن المرء الواحد قادر على أن يناظر في كل العلوم وفي جميع المقامات، وكل هذا ظلم للحقيقة، وتوسيع لشقة الخلاف، وممارسة للجهل باسم العلم، وأحياناً يكون ارتكاباً للبدعة باسم السنة وتنفيراً عن السنة بحجة الحرص عليها.

5 - التعاذر لا التدابر: من الخطأ البين حمل كل مخالفة يخالفك فيها أحد على أنه أُتي من قبل الهوى، أو تعمد الخطأ، فهذا تحيز في تحديد الأسباب، وسوء ظن بمن الأصل سلامته من ذلك، وقد كان الموفقون لا يرمون بهذه العظيمة إلا بعد أن يستفرغوا الوسع في الحوار والنقاش، ويرون من مخايل الخصم ما يدل على ذلك.

والناظر في الشريعة يجد أنها وسعت في مجال الإعذار كثيراً، ومن مسوغات الإعذار التي دلت عليها النصوص وزخرت بها الحياة العلمية لأهل العلم المنصفين، ثلاث مسوغات:

 أولها: التأول: فقد يقع من المخطئ الخطأ لفهم فهمه من النص الجزئي، أو النصوص العامة فوقع منه موقع القبول فقال به، ونافح عنه، ونصب الحجج لنصرته، وقاعدة النظر في هذا الباب قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر[17]، ومن تطبيقات هذا الأصل ما وقع من إعذاره صلى الله عليه وسلم  لخالد بن الوليد فيما فعله في بني جذيمة حين لم يحسنوا التعبير عن إسلامهم فقالوا: صبأنا، فمال عليهم قتلاً وأسراً، فلم يقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم  من خالد، ولم يعاقبه، وتحمل دية المقتولين بعد أن بين خطأ ما وقع فيه خالد وتبرأ من فعلته[18]، وثمرة مراعاة هذا الأصل أن يدرأ بهذا التأول عن المرء التكفير والتفسيق والتبديع، ولذا عد أهل العلم التسارع في التكفير للمتأولين من أعظم المنكرات وأنه من متابعة الخوارج والروافض في منهجهم الوبيء[19]، وثانيها: عدم القدرة ذاتياً، أو سلبها بطريق الإكراه؛ فقد يقع الخطأ من المخطئ لعجزه الذاتي، أو لأن هناك من تسلطاً عليه فسلبه إرادته، وأُسّ هذا الباب أن الله أناط التكليف الشرعي بالاستطاعة، فقال عز من قائل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16]، ومن تطبيقات هذا الأصل أن الله عذر المتخلفين عن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعجزهم فقال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْـمَلائِكَةُ ظَالِـمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا صلى الله عليه وسلم 97 إلَّا الْـمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا 98 فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } [النساء: 97- ٩٩]، وقد حفل تاريخ الدعوة في هذه الأمة والأمم قبلها بما هو من هذا الباب؛ فيوسف عليه السلام، ومؤمن آل فرعون، والنجاشي لم يستطيعوا أن يفعلوا كل ما يعرفونه من الحق وجاءت النصوص بالثناء عليهم، ومدحهم ولم يُثَرّب عليهم ما تركوه عجزاً.

 وثالثها: الجهل فقد يأتي الخطأ من لا يعرف أنه خطأ، فلا يؤاخذ في الشريعة، ومرد ذلك إلى أن المرء لا يتحرك في شيء إلا بعلم بما يتحرك إليه، وإرادة تدفعه إلى تحقيقه، فإذا فُقدا أو أحدهما فقد زال موجب التكليف، فقد درأ الله العذاب عمن لم تبلغه الرسالة فقال عز من قائل: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، واتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيئاً من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يُعّرف ما جاء به الرسول، وكان سادة الصحابة بالحبشة، وتنزل الواجبات والتحريم على النبي صلى الله عليه وسلم  فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأشهر معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص[20]، ومن بدهي القول أن هذا الجهل يقع في العلميات كما يقع في العمليات، ويقع في كبار المسائل وصغارها، ووقوعه في المسائل الخفية أكثر، وفي مسائل الاجتهاد أكثر وأكثر؛ لأنها مطارح الظنون، ومراتع الفهوم المتدافعة، وعامة ما يتنازع الناس فيه اليوم من أمر الدعوة من هذا الأخير، فينبغي أن يكون الإعذار فيه أكثر، والتسامح فيه أرحب، ثم إن الناس ينشأون في بيئات متعددة، ولكل بيئة مدارسها، ومناهجها، وقضاياها العلمية التي أصبحت من كثرة تقريرها تضاهي اليقينيات فالداعية وطالب العلم ينشأ في هذا الجو العلمي، في وفرة من التقريرات العلمية، فيبني عليها اختياره في العلم والدعوة، ويظن ما سواها غير صحيح تقليداً لأهل العلم في بلده، والأصل إحسان الظن في أهل العلم، وإلا أسلمنا الناس إلى فوضى لا حدود لها، فالأمثل في هذا الوضع أن يقدر لهذا التفاوت قدره وأن يحفز ذلك إلى مزيد من التعليم ونشر الحق لا إلى تنابز وتهارج.

على أنه ينبغي أن ننبه في هذا المقام إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن هذه المسوغات للإعذار الآنفة الذكر محمية الجناب عند أهل العلم بضوابط دقيقة تمنع من أن تكون بوابة للتفلت من أحكام الشريعة، لا يتسع مقال موجز كهذا لبسطها وتحريرها.

والأمر الثاني: أن هذا الإعذار لا ينبغي أن يحول بين التناصح بين أهل العلم والإيمان وتقليب النظر في مسائل الاختلاف في جو من الأخوة والمودة، فالعلم ينمو مع الأيام، ونماؤه مع البحث والمدارسة أكثر، ومن أخطر الآفات أن يقف المرء عن إعادة النظر ومزيد التحرير وتعميق التفتيش، فإن المرء لا يزال عالماً ما بحث عن العلم.

وبعد، فهذه نتف من القواعد أرجو أن يكون في مراعاتها النفع ومن أراد أن يستكثر منها أو أن يخوض في تفاصيلها وتفاريعها فعليه بمراجعة كتب التسبيب للخلاف بين أهل العلم في شتى علوم الشريعة، وما حرره أهل العلم في آداب العلم والطلب وما حرره أهل السلوك والتهذيب في تهذيب النفوس وترويضها على الفضائل وما حرره أهل الدعوة في قديم الدهر وحديثه، وبالأخص ما سطر للتنظير في الخلاف بين المشتغلين في مجال الدعوة، ككتاب «فقه الائتلاف.. قواعد التعامل مع المخالفين بالإنصاف» للأستاذ محمود محمد الخزندار، والله الموفق لكل خير المستكفى به من كل شر.

 


[1] رواه مسلم.

[2] رواه مسلم (ح 54).

[3] رواه ابن ماجه بسند صحيح (ح 1334).

[4] متفق عليه، البخاري (ح 6076)، مسلم (ح 2558).

[5] المستصفى (ص360).

[6] رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص 38).

[7] الاعتصام (2/168).

[8] الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 116).

[9] فتاوى شيخ الإسلام (30/80).

[10] الفتاوى (14/159).

[11] صحيح مسلم (ح1731).

[12] مصنف ابن أبي شيبة (3/556).

[13] أخرجه البخاري(ح 127).

[14] إحكام الأحكام (4/300).

[15] الموافقات (4/ 186)، وانظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/349).

[16] صحيح مسلم (ح 2577).

[17] صحيح البخاري (ح 7352).

[18] صحيح البخاري (ح 4339).

[19] الفتاوى (35/100).

[20] انظر الفتاوى (11/407)، والكبائر للذهبي (ص 16).