إن الأمة الإسلامية بأسرها تمر مع مطلع هذا القرن بتحولات ومستجدات عظيمة في أحداثها، وتحدياتها، ومآلاتها على حد سواء!

وإن حدة هذه التحديات - برغم كل ما وقع ويقع - قد لا تكون قد بلغت مداها، ولا وصلت إلى منتهاها! وهي - على شدتها - أنواع منوعة، فمن تلك التحديات المفروضة:

1- تحديات في الأصول والهوية والمرجعية:

إنها تحديات تضرب أصل الأصول، وهو عقيدة الأمة الإسلامية وتوحيد رب البرية! تتوسل إلى ذلك بوسائل شتى: فتارة ينشرون الردة من خلال الدعوة إلى الإلحاد ووحدة الأديان، وأخرى يشيعون البدعة، ويضربون وحدة أهل السنة عن طريق الروافض والفرق العقدية والمسلكية الضالة!

إنها تحديات تضرب في الهوية، وتستهدف المرجعية الشرعية بالتشويه والتشويش والتمييع، وأخيراً بالنقض والاستبدال! وتعبث بثوابت الإسلام كافة تحت مصطلحات غائمة؛ كالتوافق، والوطنية، أو مصطلحات إسلامية تُفرَّغ من معناها كالوسطية، والتجديد، أما البلاء الواقع تحت مصطلحات وافدة - كالعلمانية والليبرالية - فحدِّث عنه ولا حرج.

2-  تحديات غربية في وجه الدعوات الإسلامية:

وذلك يمر بتشويهها إعلامياً، وتجريمها قانونياً، ومحاربة امتداداتها بكل أشكالها الدعوية والعلمية، وصناعة الفئات المناوئة لها من داخلها وتبنِّيها رسمياً، والعمل على تفكيكها وتشتيت قواعدها، وإلصاق تهم والإرهاب بها؛ تمهيداً لاعتقالات وأحكام قضائية جائرة، بما يحقق اضطهاداً سياسياً، وتشويهاً اجتماعياً، ومن ثمَّ تشن حرب إبادة وتكسير عظام بحق دعاة أهل السنة ومصلحيهم.

وتلك الحدة نفسها يجرى تقليص المدِّ الإسلامي في الغرب، لاسيما وقد شهدت العقود الأخيرة انتشاراً عظيماً للإسلام وأهله في تلك الديار!

3- تحديات في كيانات الدول العربية والإسلامية:

من تلك التحديات ما صرَّح به ساسة غربيون من أن اتفاقية «سايكس بيكو» قد فقدت صلاحيتها؛ ما يدعو لاتفاقية تقسيم جديدة!

ومنها السعي لإفقار دول غنية بالمنطقة، عبر تخفيض سعر النفط، وتوريط تلك الدول في التمويل والمشاركة في حروب مستنزفة للمال والآلة العسكرية باسم الحرب على الإرهاب!

وأما الكيد للنظام التركي لتعاطفه مع قضايا المسلمين  فلا يخفى، ومحاولة الانقلاب شاهدة، وأما الكيد للنظام السوداني فلأسباب لا تخفى أيضاً، غير أن الحصار المضروب على السودان - ومن أسفٍ - تشارك فيه أنظمة عربية!

وأخيراً: فإنه عبر الجرائم القانونية والعسكرية، والتهجير الديمغرافي للتجمعات السنية، والابتزازات الاقتصادية، والعبث بالموارد ومصادر المياه والطاقة يتأتى عبثٌ في كيانات الدول والأحزاب والمؤسسات في المنطقة العربية.

4- تحديات في الجهاد الفكري والعسكري لأهل السنة:

اكتشف منظرو الغرب أن الممانعة الفكرية لمبادئ الغرب وعولمته الثقافية يقف خلفها أهل السنة والجماعة عبر تاريخهم المشرق! ما حدا بدهاقنة الغرب إلى دق طبول الحرب الفكرية على أهل السنة وداخل محيطهم؛ لتغيير المفاهيم الشرعية واستبدالها، ولا تزال تلك الحرب على أشدها!

وعلى الصعيد العسكري: فمنذ قيام جهاد الأفغان والغرب يرصد تمددات تُقلقه، بلغت ذروتها بقيام دولة طالبان خارج النظام العالمي، فكانت الحرب الغربية لإسقاط تلك الدولة، ثم مواجهة الجهاد السني عامة.

وقد سعوا إلى تحقيق مرادهم عبر حروب عسكرية مباشرة أو بالوكالة، وعبر حروب استخبارية باختراق ذلك الجهاد مرة بعد مرة، ثم باغتيال كثير من قادته، ثم بصناعة الغلو داخل الجهاد واستثماره لإفساد الجهاد ولإيجاد مسوغات لشن الحرب على الأذرع الجهادية السنية في الشام وغيرها!

5- تحديات في القضية الفلسطينية:

لقد بات التآمر على غزة عربياً ودولياً أمراً لا تخطئه عين مراقب، بحيث صار نزع سلاح غزة مطلباً مُلِحاً لأعداء الله وأعداء الجهاد الإسلامي في فلسطين.

وعلى صعيد آخر، فإن الأطماع اليهودية في سيناء تتجدد بين الحين والحين، لاسيما بعد وقوع صدامات متعددة ومستمرة، وهو أمر يفتح باب ذرائع كبيرة لاحتلالها، أو تحويلها لوطن قومي للفلسطينيين.

6- تحديات التفرق والانقسام:

لقد عاشت أمتنا نحو ثلاثة عشر قرناً ترفرف عليها في أغلب أوقاتها راية جامعة لخلافة إسلامية، حاكمة بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ، قامت في ربوعها حضارة إنسانية راقية.

ثم آل الحال إلى أن غاب المسلمون سياسياً وحضارياً يوم غابت شمس خلافتهم، ورسَّم أعداؤهم حدود بلادهم، ثم تقاسموها فيما بينهم! ولما نالت تلك الدول تحررها زرع الغرب فيها صنائعه؛ ليبقوا على الانقسام بين المسلمين، وعلى الولاء التام لأعدائه! ثم قامت دعوات وحركات لاستئناف الحياة بالإسلام وإذا بداء الفُرقة يصيبها هي الأخرى، فلا تجتمع ولا تتناصر، فحق عليها قوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال: 46] ووقع جراء ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير!

فلما قام الربيع العربي وهبت رياح التغيير اجتمع كثير من هؤلاء في بادئ الأمر، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى عادتهم القديمة، من الفرقة والتنازع والانشقاق؛ فكانت العاقبة خسراً على الجميع، ومصر شاهدة!

وغدت التعددية في ساحة العمل الإسلامي اليوم خصماً من رصيد القوة؛ بسبب عدم القدرة أو الرغبة في الاجتماع والوحدة! وبدا جلياً أن التحدي الأخطر في هذا السياق هو الفشل في توحيد طوائف العمل الإسلامي فضلاً عن عموم المسلمين، ولو على مستوى البلد الواحد، أو المنهج المتقارب! وهو أمر أدى إلى أن يعود العقلاء إلى أنفسهم في ضوء قول الله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، وليعود مجدداً طرحٌ تداوله البعض في وقت مضى، هو اليوم ألزم وأوجب ما ينبغي نقاشه، والسعي إلى تحصيله، إنه «التيار الإسلامي العام».

فكرة التيار الإسلامي العام:

مقصود فكرة التيار الإسلامي العام: السعي في تأسيس تيار إسلامي سُنِّي تتقارب فيه الدعوات والحركات الإسلامية مرحلياً - بِرُؤاها النظرية واتجاهاتها العملية - لتنسق من خلال مؤسساته حركتها، وتوجه طاقتها لإقامة مجتمع مسلم تُحمى فيه ثوابتُ الشريعة، ودولةٍ تتبنى نظام الإسلام بصورته الحضارية المشرقة.

ويهدف إيجاد هذا التيار إلى الخروج من تعددية سلبية إلى إيجابية بترقيق الحواجز الموهومة بين جماعات الدعوة، وفتح الأبواب للتواصل الإيجابي؛ بما يمهد لإبراز أهل الحل والعقد في إطار التيار الإسلامي - قُطرياً ثم دولياً - وما يتضمنه ذلك من إيجاد مرجعية سنية متفق عليها عالمياً داخل إطار أهل السنة والجماعة.

  أهمية ومؤيدات إيجاد التيار الإسلامي العام

إن التيار الإسلامي الجامع لأبناء أهل السنة يعد ضرورة للاجتماع والوفاق، وتتبدى ضرورته وتظهر مؤيداته من جوانب كثيرة، ومداخل عديدة، منها:

أولاً: التيار الإسلامي العام فريضة شرعية:

وتتبدَّى فرضيته الشرعية من وجوه، أهمها الأمر بالاجتماع وتعظيمه في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ فقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وفي الحديث: «إِنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثاً، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثاً، فَيَرضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا»[1]، قال النووي رحمه: «ولا تفرَّقوا: فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام»[2]، وفي الحديث الآخر: «وَأَنا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَنِي الله تَعَالَى بِهِنَّ: الجَمَاعَةِ، والسَّمْعِ، والطَّاعَةِ، والهِجْرَةِ، والجِهَادِ فِي سَبِيلِ الله، فَمَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ - أَوِ الإِيمَانِ - مِنْ عُنُقِهِ»[3].

وبهذا الاجتماع بعث الله النبيين والمرسلين:

قال البغوي رحمه الله: «بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين، والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة»[4]، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولست تجد اتفاقاً وائتلافاً إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء، ولا تجد افتراقاً واختلافاً إلا عند من ترك ذلك، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118، 119]، فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهلُ الرحمة هم أتباع الأنبياء قولاً وفعلاً»[5].  وبهذا الهدي تميز جيل الصحابة برغم ما جرى بينهم من الوقائع!

كان الحرص على الائتلاف والاجتماع منهج الصحابة نظرياً وعملياً، فمن الجانب النظري قول ابن مسعود رحمه الله: «يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة»[6].

ومن الجانب العملي مواقف كثيرة، منها أنه لما سب بعضهم حسَّان عند عائشة رضي الله عنها قالت: «لا تسبه؛ فإنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم »[7]، وعلى منوال الصحب الكرام سار من تبعهم بإحسان، حتى صار من عقيدة أهل السنة قولهم: «ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً»[8].

ثانياً: التيار الإسلامي تفعيل لعقيدة الولاء بين أهل السنة:

ذلك أن من شروط إقامة الجماعات داخل إطار أهل السنة: ألا تنعقد على أساس التعصب لرايتها، أو يكون الولاء معقوداً على أساس الانتماء إليها، وإلا فهو سبب كافٍ للمنع منها! وعليه فالتيار الإسلامي الواحد هو فرصة لممارسة عقيدة الولاء بين أهل السنة، بعد أن امتد ذيل البراء ليشمل المسلمين والصالحين، بعد أن طوى تحته الكفار والمنافقين.

إن الولاء بين أهل الإيمان لا تقطعه راية دعوية، ولا انتماءات حزبية، ولا تكدر صفوَ الأخوة الإيمانية اجتهاداتٌ دعوية وإصلاحية! «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً - وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ»[9].

إن الانتماء إلى الإسلام أولاً، وقبل كل انتماء وبعده! قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْـمُسْلِمِينَ} [الحج: ٨٧]، والانتماء إلى السنة قبل كل نسبة، وفوق كل راية، فالولاء معقود على أساس الإسلام والسنة، إذ هو انتماء غاية، وليس على انتساب إلى طوائف الدعوة؛ إذ هو انتماء وسيلة، والمقصد والغاية يُقدَّمان على الوسيلة[10].

ثالثاً: التيار الإسلامي العام ضرورة واقعية:

التقى الكتابي مع الوثني مع الملحد، والشرق مع الغرب، واتفق الفرقاء المتشاكسون على أمر واحد، وهو النيل من الإسلام السني، واستعملوا في ذلك الرافضي والطُّرقي، والعلماني، ووظفوا في هذا السبيل العسكري والمدني! ولهم جهود ومؤامرات لا ينقضي تتبعها، غير أنه تكفي فيه إشارة حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث يقول: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ»[11].

والدعوات المعاصرة ذات السعي الشمولي في إنهاض الأمة تواجه اليوم تحديات ضخمة لا يتأتى لها نجاح فيها مع صراعات داخلية تأكل من رصيدها، وتهدر وجودها! بل إن فُرْقَةَ هؤلاء العاملين للإسلام وتفتتهم هو ما سلط الأعداء عليهم قال ابن تيمية: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة - علماؤها ومشايخها، وأمراؤها وكبراؤها- هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العملَ بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14]، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب»[12].

لقد كان من المتوقع حين يستشعر التيار الإسلامي خطر الإبادة أن تنتبه حواسه، وتجتمع أوصاله، ويهب رجاله للمناضلة عن أصل الوجود الإسلامي والدعوي، غير أن شيئاً من هذا لم يحدث بعد، فلا تزال الفرقة تعيث في الأمة، بما يمثل أكبر تحد واقعي يواجه الدعوة في هذه المرحلة.

وغير خافٍ على ذي عينين أن الدعوة الوحدة والائتلاف نطق بها أفراد وجماعات، تأصيلاً وتنظيراً، ولا يخفى أن جُلَّ هؤلاء - إلا من رحم الله - تخالف أعمالُهم أقوالَهم وممارساتُهم نظرياتِهم!

بل إن الشريعة التي يتنادى الجميع بالعودة إلى أحكامها يخالفها الأكثر بتشرذمهم، وضعف تواصلهم، وتقوية وطأة أعدائهم عليهم! وذلك بالمناقضة لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الحجرات: 10]، وقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، ومن أسف أن تغيب أخلاق الاجتماع والألفة بين المسلمين، بل بين كثير من الدعاة الصادقين!

وإذا كان الأصل هو وحدة الأمة ووحدة العمل الإسلامي، فإن التعددية مسألة مرحلية تَعْبُر من خلالها هذه الطوائف الدعوية السنية إلى صورة التيار العام الذي يؤالف بين هذه المجموعات من غير اشتراط انحلالها لحظياً أو التخلي عنها فورياً، وإنما الاتفاق على الأصول والقواعد العلمية والعملية، والتوحد في القضايا العامة والمواقف العملية المهمة، ومرحلة تسلِّم للتي بعدها، فيتحول التعدد إلى تنوع لا تنازع، وتعاذر وتغافر لا تنازع وتهاجر!

وإن نظرة عجلى إلى الجبهات الجهادية في سوريا والعراق وغيرهما لتفصح بجلاء عن أن الاجتماع على قيادة عامة موحدة مفتاح النصر والتمكين، وأن الافتراق والتدابر مفتاح الفشل وذهاب الريح، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

ومن دروس الواقع أنه لا قدرة لجماعة سُنِّية مهما كانت قوتها على الانفراد بالتمكين وإقامة الدين، بل لقد انعقد الإجماع على أنه لا يتأتى لفئة أو طائفة أن تستقل بالتغيير بمعزل عن سائر الفئات والجماعات في أضعف بلد سني، فكيف بكبرى الدول؟! ومن لم يقبل حقائق الواقع فإن مطارق الأحداث الموجعة كفيلة بأن تلين كل رأس تتنكب طريق اجتماع أهل السنة قُطرياً وعالمياً!

وأخيراً: فإن من دروس الواقع الأليمة أن علماء الرافضة في إيران اشتغلوا بالسياسة فاستطاعوا بوحدتهم - مع تفرقهم مذهبياً - أن يبنوا صرح دولة صفوية تمثل الأيدلوجيا الرافضية، ولم تلبث أن تمددت إلى العراق، ولبنان، وسوريا، وتنفذت في اليمن، وتقترب من البحرين وغيرها، تقاتل على الملك والغلبة!

وبالمقابل فإن أهل السنة لا تتمحض لهم دولة تنصر معتقدهم وتنشر دعوتهم وتنافح عن قضاياهم، وكثير من تلك الدول العربية المعاصرة هي حرب على السنة وأهلها، فلا عجب إذن أن تمالأت مع اليهود والنصارى والرافضة على منع قيام أيّ حكم لأهل السنة ولو كان منقوصاً! وتجارب الربيع العربي شاهدة!

رابعاً: التيار الإسلامي حتمية دعوية:

بعد التأكيد على أهمية الاجتماع والوحدة بين الطوائف الدعوية المنضوية تحت راية السنة، ومع فشل كثير من مشاريع الاندماج والتوحد، فإن التيار الذي لا يُلزم الجميع بالانصهار أو الاندماج، وإنما يأخذ بنواصي الكل لوحدة المواقف العملية، وضبط المناهج العلمية يمثل قدراً أدنى لا ينبغي التفريط فيه، وهو ميسور فلا يسقط بمعسور الاندماج والوحدة، وهي خطوة مقدورة تتبعها خطوات، وما لا يتم الواجب الدعوي إلا به فهو واجب.

قد عرفت ساحة الدعوة اجتهادات فردية لشخصيات اعتبارية، تأبَّت على الاجتماع المعروف جماعياً، وامتنعت من الانضواء في إطار حزبي محدد، وكان لها حسن بلاء في الأمة، وقبول في ممارسة الشأن العام بحيث لا يحسن تجاهلها ولا إهمالها، ولبعضهم عمل كبير في التقريب بين الطوائف دعوية، فيسع هؤلاء لافتة جامعة لا متحزبة، وعامة لا خاصة، وهذا يناسب كثيراً ممن لهم تخصصات علمية أو أهداف دعوية لا يتجاوزونها إلى ما هو أعم منها، فبهذا يمثل التيار الإسلامي العام في كل قطر من الأقطار قارباً يركبه الجميع، وفيئاً ينتفع به الكافة!

ولما انتقص كثير من الأعمال الجماعية من مشروعيتها بسبب ما يقع خلالها من تعصب لراياتها أو لرجالاتها أو لاجتهاداتها، فإن الانضواء تحت التيار الإسلامي العام يخفف من غلواء تعصب مذموم، ويفتح باباً لضبط التعددية الدعوية داخل إطار أهل السنة، بما يشابه التعددية في مذاهب الفقه الأربعة، وليتبرهن بشكل عملي أنه كما لا يخرج أي من المذاهب الأربعة عن دائرة السنة لأجل الاختيارات الفقهية، فلا يخرج أي من الجماعات الدعوية عن دائرة السنة لأجل الاختيارات الدعوية!

ومما لا ينبغي أن يفوت في هذا المقام: التفريق بين من تبنى أصول فرقة ضالة في المعتقد وإن كان منتسباً إلى الدعوة، ومن وافق بدعة جزئية أو قال بها تقليداً أو خطأ، وإذا كان مثل النووي وابن دقيق العيد وابن حجر وغيرهم رحمهم الله لا يُطرحون لمثل تلك المسائل فكذا جماعات الدعوة على منهج أهل السنة!

واعتبار تلك الفئات الدعوية فرقاً نارية خطأ وخطل، واعتقادها بمنزلة واحدة من العلم بالسنة والاتباع لها والدعوة إليها أمر يدفعه الواقع، على أن اعتماد سياسة الجسور المفتوحة داخل التيار الواحد يفضي إلى أن يُسمع من أولئك بدلاً من السماع عنهم، كما يفضي إلى التناصح عوضاً عن التنابز.

وأخيراً: فإن التيار الإسلامي العام تجديد دعوي حتمي للخروج من أزمة ومأزق، وكما مثلت فكرة العمل الجماعي حلاً تجديدياً فكذلك فكرة التيار الإسلامي العام تمثل تجديداً في الوسائل والأساليب، وتطويراً في الجهد الدعوي، وتحريكاً للمواقف بمبادرة للوفاق والالتئام تقوِّي جانب الولاء للحق بالحق، وتنمِّي فقه التعاذر والتغافر والتطاوع، وتغلِّب المصالح الكلية للأمة الإسلامية.

خامساً: التيار الإسلامي العام مهمة سياسية:

إن إيجاد التيار الإسلامي يضبط التعددية السياسية والدعوية على حد سواء، وبقبول التعددية السياسية فإن ضبطها وإحكامها يقتضي أن يكون التعدد نعمة لا نقمة، يجوَّد به الرأي ويمحَّص، وتتعدد به أسباب القوة من غير أن تتفرق الكلمة، وعليه فإن إيجاد هذا التيار يعمل على ضبط الأداء في القضايا العامة والنوازل السياسية، كما يمنع انفراد مجموعة بالرأي في الشأن العام، ويحول دون تغليب منافع جزئية أو فئوية على المصالح الكلية للأمة؛ ذلك أن انفراد مجموعة بالشأن العام مهما كانت قوتها مدعاة إلى تهارج في الصفوف باختراقات ومؤامرات تفشل السعي وتخذل الصفَّ.

لأهل الحل والعقد في الأمة أعمال جليلة تبدأ من النظر في المهمات، ولا تنتهي عند تولية الإمام، وإيجادُ أهل الحل والعقد الذين يفوض إليهم عموم النظر في مصالح المسلمين مطلب شرعي سياسي، تشتد الحاجة إليه في كل زمان، وفي غياب الإمام الشرعي تكون الحاجة أشد؛ لأنهم يقومون مقامه، فتلزم الأمةَ كلمتُهم، وتصدر عن رؤيتهم، وأهل الحل والعقد هم خلاصة التيار الإسلامي العام؛ فهم كل عالم له باع في الاتباع، وكل ذي شوكة وأمر مطاع، واجتماع هاتين الفئتين يجمع شتات الأمة، ويحقق التزاماً علمياً وعملياً بجماعة المسلمين.

والتيار الإسلامي العام وسيلة فعالة وخطوة مهمة في طريق الأمة الواحدة؛ إذ هو القادر دون غيره على التصدي للمؤامرات على تحكيم الشريعة، وهو أكثر تمكناً من توجيه الجماهير، ورص الصفوف والاحتشاد لإنجاز الأهداف.

وهكذا فإن الطاعات الجماعية على مستوى الأمة الإسلامية لا بدَّ لها من اجتماع العقول والسواعد، والرجال والأموال في إطار من التيار الإسلامي العام.

سادساً: التيار الإسلامي العام قاعدة تربوية:

إن التيار الإسلامي العام ينطلق من قول الله تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ومن قوله صلى الله عليه وسلم : «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ»[13]، إنه محاولة لتربية جيل يقوم على قاعدة: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: ٤]، ويستشعر في وجدانه حقيقة أن المسلمين أمة واحدة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم[14]، وأن «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»[15].

إنه تربية على الولاء لأهل السنة مع اختلاف الانتماء الدعوي أو المنحى الفكري أو الاشتغال العملي! بتعظيم الأسماء والأحكام الشرعية، وتحقيق الولاء والاجتماع على منهج الاعتصام والاتباع.

وحقيقة التيار الإسلامي العام أنه تعزيز لفقه الاجتماع والإخاء، ولإصلاح ذات بين المسلمين، كل هذا برغم الخلاف الدعوي في المدارس المعاصرة، والتمايز العلمي والعملي بين القيادات الدعوية والعلمية الآسرة! وتربيةُ الأجيال على الصلح والتصالح من أعظم المهمات، ففي الحديث: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، والصَّلَاةِ، والصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»[16].

والتيار الإسلامي العام تطبيق عملي تربوي عقدي للولاء بين المؤمنين المأمور به في قوله تعالى: {وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، والمحذَّر من الاستنكاف والانكفاف عنه في قوله تعالى: {إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، فهو ولاء حميم برغم الخلاف العلمي والعملي، وهو ائتلاف القلوب وإن تباعدت الأبدان وتناءت الديار!

إن التيار الإسلامي تربية على بذل حقوق أهل الإسلام والدعوة كاملة غير منقوصة، تربية على التباذل والتناصر والتحابب والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة»[17].

ومتى تربى الجيل الإسلامي الحاضر على هذه المعاني فقد انتصف طريق الوحدة وتمهدت أسباب اجتماع الكلمة.

 


[1] أخرجه مسلم (1715).

[2] شرح مسلم، للنووي (12/11).

[3] أخرجه أحمد (17170)، وابن حبان (6233).

[4] معالم التنزيل، للبغوي (7/187).

[5] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (4/52) بتصرف.

[6] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (1/121) بتصرف يسير.

[7] أخرجه مسلم (3531).

[8] متن الطحاوية، للطحاوي (ص85).

[9] أخرجه البخاري (481)، ومسلم (2585).

[10] معالم في أصول الدعوة (ص199-200).

[11] أخرجه أحمد (22397)، وأبو داود (4297).

[12] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (3/421).

[13] أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2580).

[14] أخرجه أبو داود (2751)، وابن ماجه (2685) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وورد عن صحابة آخرين.

[15] أخرجه البخاري (481)، ومسلم (2585).

[16] أخرجه أحمد (1430)، والترمذي (2509) من حديث الزبير بن العوام.

[17] مجموع الفتاوى (3/421).