انقضى نصف عقد على التغيير السياسي العنيف في ليبيا مع رحيل نظام معمر القذافي عنها في 20 أكتوبر 2011م بعد حكم دام ما يربو على الأربعين سنة منذ ما عُرف بثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969م، حدث دخلت ليبيا في أعقاب انهيار نظام القذافي في دوامة متنامية من العنف الداخلي المعقد، والذي سرعان ما اتسع ليجتذب أطرافاً أجنبية، منتجاً تداعيات إقليمية مؤثرة، ومجسداً مخاوف آنية معتبرة، ومخاطر مستقبلية أكثر تعقيداً.

وعليه تسعي تلك الدراسة لتقديم رؤية استشرافية لبيان مخاطر استمرار سيولة الدولة الليبية لفترة زمنية ليست قصيرة، وذلك عبر بيان ما المقصود بسيولة الدولة الليبية ومظاهرها، وما هي المخاطر الداخلية، والإقليمية وحتى الدولية التي قد تنتج عن استمرار تلك السيولة لعدة سنوات أخرى، على أمل أن تقدم في النهاية مساعدة فكرية لمحاولة بناء الدولة في ليبيا.

الدولة في ليبيا.. مظاهر السيولة:

تعرف «الدول الهشة» بأنها تلك الدول التي تعجز عن الوفاء بالوظائف الرئيسة لها، وما يستتبعه ذلك من سمات تصيبها، وأول تلك السمات التي تشير إلى هشاشة دولة ما فقدان السيطرة المادية على أراضيها أو عجزها عن احتكار الاستخدام الشرعي للقوة، وثاني تلك السمات تآكل السلطة الشرعية وعجزها عن اتخاذ قرارات جماعية، وثالثها عدم القدرة على توفير الخدمات العامة بمستويات معقولة، وكذا عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي[1].

يصدر تقرير سنوي يعرف باسم «تقرير الدول الهشة» عن مؤسسة صندوق الديمقراطية، ومجلة السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بعد أن تغير اسم التقرير في إصدار عام 2014 ليكون تقرير الدول الهشة بدلاً من تقرير الدول الفاشلة.

وقد أجمل التقرير السنوي للدول الهشة اثني عشر مؤشراً لتحري الهشاشة في دولة ما وهو معني فقط بالدول الأعضاء في الأمم المتحدة وتغطي تلك المؤشرات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وهي كالتالي: مؤشر الضغوط الديمغرافية، مؤشر اللجوء والنزوح، مظالم الجماعات، تجفيف العقول وهجرة العنصر البشري، التنمية الاقتصادية غير المتوازنة، الفقر والانهيار الاقتصادي، شرعية الدولة، احتكار وجود الأمن، تشرذم النخبة، المرافق العامة، حقوق الإنسان وحكم القانون، التدخل الخارجي.

وعليه تمثل الدول الضعيفة والفاشلة تحدياً للمجتمع الدولي لما تحمله من مخاطر ليست فقط داخلية وإنما تطال مخاطر هذا الفشل دول الجوار، وحتى المجتمع الدولي بأكمله، وذلك وفقاً للتقرير المشار إليه[2].

ويصنف التقرير الدول على مقياس درجات من صفر ليشير إلى الأكثر استقراراً، وصولاً إلى 120 درجة ليشير إلى الأكثر خطورة وعدم استقرار، مقسمة إلى تلك الفئات: دول مستدامة جداً، دول مستدامة، دول مستقرة جداً، دول أكثر استقراراً، دول مستقرة، دول تحذير، دول تحذير مرتفع، دول تحذير عالٍ، دول إنذار، دول إنذار عالٍ، دول إنذار عالٍ جداً. وتحصل الدولة في كل مؤشر على درجة من (1) إلى (10) ليحدد مجموعها موقعها على مؤشر الهشاشة.

وبقراءة مؤشرات ليبيا وفقاً للتقرير يتضح أنها تقع في فئة الدول ذات الإنذار، وتحتل الموقع 25 عالمياً على قائمة الدول الهشة يرتب التقرير الدول ترتيباً تصاعدياً من الأكثر هشاشة رقم 1 وهي الصومال إلى الأكثر استدامة رقم 178 وهي فنلندا - بإجمالي درجات (96.4)، حيث حصلت ليبيا على درجات متوسطة في مؤشرات الضغوط الديمغرافية (5.1)، وهجرة العقول (6.5)، والتنمية الاقتصادية غير المتوازنة (5.8)، في حين تحصل على درجات مرتفعة (ارتفاعها يشير إلى الخطورة) في المؤشرات الإنسانية، والسياسية والأمنية والعسكرية، فتحصل على (8) درجات في مؤشر النزوح واللجوء، (8.3) في مؤشر مظالم الجماعات، (8) في مؤشر الانهيار الاقتصادي، (9.5) في مؤشر شرعية الدولة، (7.2) لمؤشر المرافق العامة، (9.3) لمؤشر حقوق الإنسان وسيادة القانون، (9.6) لمؤشر الوظيفة الأمنية، (9.4) لمؤشر تشرزم النخب، (9.7) لمؤشر التدخل الخارجي[3].

ومع ضرورة توخي الحذر في الاعتماد على هذا التقرير كمرجع للتحليل، وضرورة مراجعة منهاجياته، وقراءته في ضوء مصادر أخرى، إلا أنه لا يمكن إغفال أهمية الاسترشاد به لبيان التقييم الدولي لمخاطر استمرار سيولة الدولة في ليبيا، حيث يُشير التقرير إلى أن جملة المخاطر التي تحدق بليبيا هي مخاطر عجزها عن القيام بوظائفها الأمنية والعسكرية وما يرتبط بذلك من تبعات ومشكلات إنسانية وتدخل خارجي، وهو ما ستعرض له الدراسة في السطور التالية.

المخاطر الداخلية لاستمرار سيولة الدولة الليبية:

من العرض السابق يمكن القول إن جملة المشكلات والتحديات التي تواجه ليبيا هي تحديات سياسية أمنية في الأساس، وما ينتج عنها من تداعيات إنسانية واقتصادية.

ويمكن تمييز المخاطر الداخلية المرتبطة بالتحديات السياسية والأمنية في ضوء التقرير السالف إلى عدة مستويات، أولها تحديات متصلة بشرعية السلطة السياسية، وتحديات متصلة بأداء النخبة السياسية الليبية، وتحديات متصلة بأداء الوظيفة الأمنية والعسكرية، وتحديات متصلة بالتبعات الإنسانية والاقتصادية للعجز عن الاضطلاع بالوظيفة الأمنية.

١- التحديات المتصلة بشرعية السلطة السياسية في ليبيا:

تعاني ليبيا منذ سقوط نظام القذافي من أزمة شرعية معتبرة، حيث يتنازعها فرقاء كثر، سياسيون ومسلحون، يرفعون لواء شرعيات مختلفة بين الشرعية الثورية والدستورية وشرعية القوة المسلحة، ويشير اصطلاح «الشرعية» نظرياً، باعتباره مفهوماً رئيساً في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، إلى وجود اعتقاد بأن حكم أو مؤسسة أو زعيم لديه الحق في الحكم.

وهو الحكم الذي يخلق علاقة تراتبية بين الحاكم والمحكومين، وترتب التزامات للأول في مواجهة الأخير، حيث إنه بوجود الشرعية وحيازتها توجد تأثيرات جماعية مميزة كجعل النظام الاجتماعي يعمل بكفاءة وعدل وتوافقية أكثر، وغيابها يجعل من عملية الضبط الاجتماعي مسألة أكثر صعوبة وكلفة، وهذا ما يجعل إضفاء الشرعية مسألة مهمة للحكام المعاصرين[4].

علي مدار السنوات التي أعقبت رحيل القذافي تعددت الشرعيات الليبية بين دستورية وثورية ومسلحة، ويأتي أولها شرعية ثورية دستورية مبكرة عبر المؤتمر الوطني العام، وهي مؤسسة تشريعية خلفت المجلس الوطني الانتقالي في 8 أغسطس 2012م، حيث أنشئ وفقاً للإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي القاضي بانتخاب مؤتمر وطني عام خلال 240 يوماً من إعلان التحرير الصادر في 23 أكتوبر 2011م، ويوكل له تعيين الحكومة، وتشكيل هيئة تأسيسية لصياغة الدستور.

وقد تأسس المجلس الوطني الانتقالي في 22 نوفمبر 2011م برئاسة المستشار مصطفي عبد الجليل، وبعد تأسيس المجلس الوطني العام ومقره طرابلس انتخب الدكتور محمد يوسف المقريف رئيساً له، ويرأسه حالياً نوري علي محمد أبو سهمين، ويتكون من مائتي عضو عبر نظام انتخابي محل جدل لاعتماده على نظام المحاصصة[5].

ولم يعد المؤتمر الوطني العام معترفاً به دولياً كما كان سابقاً، وقد شكل المؤتمر حكومة إنقاذ وطني برئاسة خليفة الغويل، وقد أعلنت تلك الحكومة تنحيها عن السلطة في أبريل 2016م لصالح حكومة الوفاق الوطني، وذلك بعد رفضه لها عند تأسيسها[6].

ثاني تلك الشرعيات شرعية انتخابية أو ما يُعرف بـمجلس النواب الليبي، ويُشار إليه إعلامياً بـ«برلمان طبرق» برئاسة المستشار عقيلة صالح عيسي[7]، فقد انتخبت ليبيا برلماناً جديداً في 25 يونيو  2014م، وقد حظيت تلك الانتخابات بإشادة ودعم دوليين، إلا أنها شهدت إقبالاً وُصف بالضعيف، وتخللته أعمال عنف، حيث صوت 630 ألف ليبي في الانتخابات بنسبه مشاركة بلغت 42% وفقاً لبيانات المفوضية العليا للانتخابات الليبية.

وقد صدر حكم المحكمة العليا الليبية في 9 نوفمبر 2014م القاضي بنزع الشرعية عن مجلس النواب الناتج عن تلك الانتخابات، حيث قضت بحله لكون القانون المنظم له هو قانون ملغى، وهو الحكم الذي لاقى رفضاً من المجلس[8]، ليتعرض رئيسه لعقوبات دولية من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة في ضوء الاتهامات الموجهة له بعرقلة سير ما يُعرف بحكومة الوفاق الوطني والتقدم السياسي في ليبيا، وهو ما قاد لمزيد من التأزيم في المشهد السياسي الليبي المأزوم بداية[9].

وثالث تلك الشرعيات الشرعية الدولية أو الأممية الراهنة، وهي تلك التي حصلت عليها حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، وهي الحكومة التي نتجت عن اتفاق سلام وُقع في 17 ديسمبر 2015م بمدينة الصغيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة ومبعوثها لليبيا مارتن كوبلر، وبحضور وزراء خارجية دول غربية وعربية، حيث تم التوقيع بين أعضاء من البرلمان الليبي (برلمان طبرق)، والمؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، وشخصيات ليبية أخرى، وتحظى تلك الحكومة بدعم أممي وغربي واسع[10]، على أمل أن يؤسس اتفاق الصغيرات لانتقال سياسي سلمي في ليبيا، حيث ينص الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة برئاسة فايز السراج تقود مرحلة انتقالية لمدة عامين تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية جديدة[11].

ويعول على الحكومة الجديدة دور كبير في مواجهة التنظيمات الموسومة بالإرهاب في ليبيا، وعلي رأسها التنظيم المعروف إعلامياً بداعش، إلا أنها ما زالت غير قادرة على فرض سيطرتها أو المضي قدماً نحو مسار سلمي جديد لليبيا[12].

ورابع تلك الشرعيات هي الشرعيات المسلحة، وهي شرعيات متنازعة اختلطت فيها الأوراق بين مليشيات قبلية وجهوية أو مليشيات توصف بالجهادية أو الإسلامية، وأخرى تحسب على بقايا الجيش الليبي، ورابعة توصف بالثورية، ويعد الوضع على الأرض أكثر تعقيداً حيث شكلت كل من تلك المليشيات مناطق نفوذ وسيطرة مستفيدة من غياب وجود قوة مسلحة شرعية ورسمية قادرة على الردع، ومعظمها ارتبطت بأطراف سياسية لتمثل الذراع العسكرية  لها كقوات فجر ليبيا المحسوبة على المؤتمر الوطني العام من ناحية، وما يُعرف بالقوات المسلحة الليبية بقيادة خليفة حفتر، وكتائب مصراتة، والزنتان، وكتائب الصواعق والقعقاع وتنظيمات أخرى موسومة بالتطرف كتنظيم أنصار الشرعية وداعش وغيرها، ولفرض رؤيتها في أي مسار لمستقبل ليبيا من ناحية أخرى[13].

وعليه يقف مستقبل الدولة في ليبيا حائراً بين شرعيات متنازعة تحول دون المضي قدماً في إعادة بناء الدولة الليبية ومؤسساتها، ليُطلق خيالات السياسيين والمسلحين في السلطة والنفوذ.

٢ - التحديات المتصلة بأداء النخب الليبية:

يعد أداء النخب الليبية أحد المداخل الرئيسة للأزمة، حيث تتنازع النخب الموصوفة بالليبرالية والعلمانية والإسلامية والجهادية والثورية الحكم والسلطة والنفوذ، عبر المؤسسات التي تم تشكيلها أو عبر الاحتكام لمليشياتها في الشارع الليبي، لتقدم كل منها رؤية جامدة بشأن المستقبل الليبي، رافضة التخلي عن مليشياتها العسكرية، أو عاجزة عن ذلك، حيث ينطلق جل الفرقاء الليبيين في مفاوضاتهم من شرعية نفوذه المسلح على الأرض مما يحول دون الاتفاق على بناء مؤسسات ضبط قادرة على فرض سيطرتها.

٢- تحديات الاضطلاع بالوظيفة الأمنية والعسكرية:

بعد ما يزيد عن خمس سنوات من وجود مسلحين في الشارع الليبي في أعقاب الإطاحة بالقذافي تحول حمل السلاح من حالة مؤقتة استثنائية بررها البعض بالثورية، إلى وظيفة وعمل لحامله للكسب، والعيش، وهو ما أنتج مشكلة معتبرة وهي المستقبل الضبابي لحاملي السلاح حال تخليهم عنه، وهو ما يعد مبرراً رئيساً ضمن مبررات سياسية واقتصادية أخرى كورقة للتفاوض أو لجني حصيلة بيع النفط - للصعوبات التي تواجه الفرقاء في ليبيا في سبيل إنشاء قوة مسلحة شرعية قادرة على الردع.

ويختلف الفرقاء حول هيكلة القوات المسلحة الليبية، ومنتسبيها، فهناك من يطالب بضم المليشيات وأعضائها في القوات المسلحة الليبية الجديدة، ومنح أعضائها رواتب مرتفعة جداً لفترة مؤقتة لإغراء تلك المليشيات للانخراط فيها، وآخرون يرون ضرورة نزع سلاح تلك المليشيات حتى يمكن تأسيس جيش وطني قوي يقوم بمهام الأمن والدفاع، إلا أنه عملياً وفي ضوء تعقد المشهد الأمني وسيولته على الأرض يصعب على أي من المليشيات والجماعات المسلحة بما فيها المنتسبين لبقايا الجيش الليبي فرض سيطرته الكاملة على البلاد ونزع سلاح تلك المليشيات من ناحية، كما تبدو أهمية التوظيف السياسي للمليشيات ورقة ضغط في مفاوضات أي خريطة طريق مستقبلية لليبيا ماثلة أمام الجميع.

٤- التحديات الإنسانية والاقتصادية الناجمة عن العجز السياسي والأمني:

تنتج عن المشكلات السياسية والأمنية المستمرة في ليبيا، والتي تخلق حالة من السيولة والهشاشة للدولة جملة من التداعيات الإنسانية والاقتصادية المؤثرة، فعلى سبيل المثال تنامت تداعيات الحملة العسكرية ضد ما يُعرف بتنظيم داعش في غرب ليبيا، حيث استمرت أعداد النازحين في الارتفاع حيث وصلت إلى 90449 شخصاً من مدينة سرت وحدها، أي ما يمثل أكثر من ثلاثة أرباع مجموع سكانها، وذلك في اتجاه مدن بني وليد، وترهونة، ومصراتة، والجفرة، وغيرها. وفي شهري أبريل ومايو فقط فر ما يقرب من 35 ألف شخص من مدينة سرت وفقاً للنشرة الإنسانية الشهرية الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا، والصادرة في 5 يوليو 2016م، وقد استقبلت مصراتة وحدها مؤخراً ما يقرب من 1700 أسرة، أو 8775 شخصاً من بينهم حوالي 3000 طفل دون سن الثالثة.

وقد قدرت المنظمة الدولة للهجرة في بياناتها إجمالي عدد النازحين داخلياً بـ 425250 شخصاً، وعدد العائدين لليبيا بـ 258025 شخصاً، أما عدد المهاجرين فقد بلغ 264014 خلال فترة الأزمة الراهنة في ليبيا.

ويصاحب ذلك احتياجات متزايدة للحماية والمياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة والإمدادات الصحية، وأخيراً الخدمات التعليمية، وهو ما يمثل تحدياً أمام مسار التسوية السياسية السلمي للأزمة في ليبيا[14].

المخاطر الإقليمية لاستمرار سيولة الدولة في ليبيا:

يشكل الوضع السائل والهش للدولة في ليبيا جملة من المخاطر الإقليمية الراهنة والمنظورة في المستقبل القريب، ويتمثل أول تلك المخاطر في اعتياد حمل السلاح وتوطينه، وهو ما يجعل من ليبيا قبلة للتنظيمات الخارجة عن القانون، ومنطقة جذب لها من دول شمال إفريقيا ودول ساحل الصحراء الإفريقية، مما يجعل منها نقطة ارتكاز دائمة لنشاط التنظيمات الموسومة بالتطرف.

أما عن ثاني المخاطر الإقليمية فيتمثل في الوضع الجزائري الحرج، واحتمالات انتقال العدوى من ليبيا إلى الجزائر في أعقاب رحيل بوتفليقة الذي بات وشيكاً، وهو ما قد يقود إلى انفجار منطقة شمال إفريقيا بالكامل.

وثالث تلك المخاطر يتمثل في سيولة الحدود وما يصاحب ذلك من نشاطات غير شرعية كالتهريب بأنواعه مما يمثل تحدياً اقتصادياً وأمنياً لدول الجوار الليبي، ويدفع بها إلى ضرورة تشكيل موقف مؤثر في تفاعلات الأزمة الليبية من ناحية، ويخلق مصالح ومنافع اقتصادية لجماعات وتنظيمات تسعى لحمايتها مستقبلاً.

في حين يدور رابع تلك المخاطر حول فتح الأزمة في ليبيا للتدخل الدولي الغربي على مصراعيه في المنطقة العربية مجدداً بصورة أكثر تعقيداً، وبمبررات سائلة غير قابلة للضبط كذريعة مكافحة الإرهاب.

وعليه تعظم المخاطر الإقليمية على دول الجوار من أهمية الأزمة الليبية من ناحية، وتعدد المتورطين فيها محلياً وإقليمياً ودولياً من ناحية ثانية، ويعقد ويراكم ملفاتها بشكل متسارع، مما يجعل الحديث عن عبور ليبيا لتلك المرحلة المأزومة من تاريخها المعاصر محل شك على المدى القريب والمتوسط على الأقل.

مستقبل الدولة الليبية.. تساؤل مثير للقلق:

يبدو أن الأزمة الليبية ليست في سبيلها للتسوية الشاملة والمستقرة في السنوات المقبلة القليلة، وإن رُصدت محاولات داخلية ودولية لحلها مؤخراً.

وهو ما يثير تساؤلاً عن مستقبل الدولة الليبية بصيغتها الراهنة، والتي هي إحدى صيغ «الدولة القومية» المتعارف عليها في خبرة النظم السياسية المعاصرة رغماً عن التحفظات العديدة بشأن صيغتها كطريقة الحكم وشكل وهيكل مؤسساتها، كل ذلك يُثير تساؤلاً يراه الباحث مهماً حول احتمالية أن تساهم الأزمة الليبية الراهنة في تقويض فكرة «الدولة القومية» في المنطقة العربية، والانتقال لمرحلة وصيغة جديدة من صيغ «الدولة»، والتي تشير اصطلاحاً إلى أنها الإطار المؤسسي للحكم في سياق زمني ومكاني معين.

ولعل الحديث عن مرحلة ما بعد الدولة القومية إنما هو محل نظر باحثين في المدارس الغربية منذ فترة ليست بقصيرة، إلا أن الباحث يرى أن جملة التغيرات الهيكلية التي تشهدها المنطقة العربية خاصة في ليبيا وسوريا إنما قد ينتهي بتلك المنطقة إلى صيغ أكثر راديكالية وانغلاقاً للحكم والسلطة فيها.

ومع خطورة هذا الطرح وصعوبة التسليم معه لدى كثيرين إلا أنه طرح لازم ليدق ناقوس الخطر ليس بهدف رفض تلك الصياغات الجديدة المحتملة بالضرورة، وإنما التحسب والاستعداد لها لتقليل تكلفتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية قدر الإمكان. وهنا لا بد أن نذكر ولا ننسى أن الفشل في الصومال والعراق وأفغانستان بدأ بغزو أمريكي مباشر.


 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.


[1] What Does «State Fragility» Mean? Fragile States Index, Via Link: https://goo.gl/azr6ZW.

[2] Fragile States Index 2016, Pp 13, 14.

[3] Fragile States Index 2016, Ibid, Pp 20.

[4] Encyclopedia Princetoniensis, Princeton university, Via Link: https://pesd.princeton.edu/?q=node/255 .

[5] المؤتمر الوطني العام لدولة ليبيا، عبر الرابط التالي:

http://www.gnc.gov.ly/about-uspage.aspx.

[6] تنحي حكومة الإنقاذ الوطني المعلنة من جانب واحد في ليبيا، شبكة بي بي سي الإخبارية، بتاريخ 5 أبريل 2016م، الرابط التالي: http://goo.gl/xNmQlD .

[7] مجلس النواب الليبي، الموقع الرسمي عبر الرابط التالي:

http://www.libyan-parliament.org

[8] المؤتمر الوطني العام، موسوعة شبكة الجزيرة الإخبارية، عبر الرابط التالي:

http://goo.gl/cJqUNy

[9] واشنطن تفرض عقوبات على رئيس البرلمان الليبي، وكالة أنباء RT الروسية، عبر الرابط التالي:

https://arabic.rt.com/news/823086

 [10] بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا UNSMIL، عبر موقعها الرسمي التالي:

https://goo.gl/0ufSoU .

[11] توقيع اتفاق الصخيرات بين الأطراف الليبية، وكالة سكاي نيوز عربية عبر الرابط التالي: (http://goo.gl/8HkjSD ).

[12] ليبيا: هل تنجح حكومة الوفاق الوطني في إنهاء الانقسام الداخلي، شبكة بي بي سي الإخبارية، بتاريخ 1 أبريل 2016، الرابط التالي: (http://goo.gl/OWZsLG ).

 [13] من يحكم ليبيا اليوم؟، إذاعة مونت كارلو الدولية، بتاريخ 15/2/2016، عبر الرابط التالي:

 http://goo.gl/MGVkgU .

 [14] النشرة الإنسانية لليبيا الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عدد 5 يوليو 2016، عبر الرابط التالي: (https://goo.gl/shUJq3 ).