خاضت الولايات المتحدة الأيام الماضية انتخابات رئاسية ربما كانت الأكثر جدلاً في التاريخ الأمريكي، وذلك بالنظر إلى شخصية المرشحين النهائيين على منصب الرئيس، لاسيما المرشح الجمهوري دونالد ترامب الذي تثير تصريحاته اليمينية المتعصبة وكذلك العدائية ضد المسلمين الكثير من المخاوف. ولكن يظل السؤال: ما هي حدود تنفيذه لكل ما يتفوه به فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة وإستراتيجتها الكبرى نحو العالم الإسلامي؟ وهل هناك فارق بين ترامب وكلينتون في هذا الملف؟

بالنظر إلى الأهداف الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، والتي نراها تشكلت على مر السنوات الماضية، بداية من حقبة بوش الأب، سنجد أن هناك تماسكاً في تلك الرؤية برغم تغير الوجوه والإدارات، ما بين ديمقراطية وجمهورية، فقط الأدبيات والخطابات العلنية هي التي تتغير بما يوحي أن هناك تغيراً في السياسات لكن الإستراتيجية واحدة، ونستطيع أن نراها تتحرك ببطء منذ العقدين الماضيين وحتى اللحظة الراهنة. فما تحقق من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في الفترة الماضية هو إغراقه بصورة ممنهجة في المشكلات والحروب الدموية والتفتيت والتقسيم، وتحفيز الصراع السني الشيعي، وتقوية المليشيات الكردية، والسماح بنفوذ للمليشيات الشيعية، والسماح بتصاعد النفوذ الإيراني، ثم عملت بعد ذلك على الانسحاب من المنطقة وتركها غارقة في فوضاها «الخلاقة»، بتعبير كوندوليزا رايس، للالتفات إلى التنين الصيني ذي النفوذ المتعاظم في جنوب شرق آسيا، وتاركة وراءها كذلك الكيان الصهيوني في حالة أفضل من الناحية الأمنية، بعد دخول خصمائه في الإقليم في معارك تحطيم ذاتي استهلكتهم حتى النخاع.

فما أعلنته إدارة باراك أوباما على سبيل المثال من سحب القوات الأمريكية من العراق لم يكن سوى امتداد لحقبة بوش الابن، ويعد التطور الطبيعي للإستراتيجية الأمريكية بالانسحاب التدريجي من المنطقة، فكان من غير المتوقع أن تظل الولايات المتحدة بجيشها لمدة أطول مما قضته في العراق في ظل التكلفة العالية، وكذلك استنفادها لأهدافها بتحطيم الحاجز بين السنة والشيعة الذي كان متمثلاً في نظام صدام حسين ذي القبضة الحديدية، واليوم تغرق المنطقة في فوضى مذهبية وعرقية كما أصبحت كذلك محرقة للقوى الإقليمية، وكذلك للمليشيات سنية منها وشيعية.

ولم يعلن أوباما على سبيل المثال عن توجهه «التمركز في آسيا» Pivot to Aisa إلا عام 2012م، وهو ما توافق في النهاية مع الرؤية الإستراتيجية العامة للولايات المتحدة التي تشكلت على مر العقود الماضية، وتزامن مع اكتشاف الولايات المتحدة احتياطات ضخمة من الغاز الصخري، وهو ما بدأ الإعلان عنه في ثمانينات القرن الماضي، ومن ثم قلت أهمية نفط الشرق الأوسط في الإستراتيجية الأمريكية، وإعلان أوباما نيته استقلال بلاده عن نفط الشرق الأوسط، لتتزامن تلك الخطوة الإستراتيجية الأمريكية أيضاً مع الصعود الواثق للتنين الصيني على الساحة العالمية، ليس فقط اقتصاداً ولكن تصنيعاً للسلاح أيضاً، بقدرة على تقليد الأسلحة المتطورة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، وتصنيع صواريخها وطائراتها المقاتلة، حتى أصبحت منافساً قوياً في سوق السلاح العالمية، وبديلاً رخيصاً للسلاح.

ومع تدهور مقدرات القوة للدولة الروسية، والتي تعتمد على النفط والغاز بصورة خاصة، وبعد انخفاض أسعارهما مؤخراً، وبالنظر إلى المؤشرات الديمغرافية للدولة الروسية التي تشير إلى تناقص عدد السكان والتوقعات بغلبة الشيخوخة عليها في القريب (9.7% فقط ما بين 15 و24 عاماً)[1]، فلم تعد روسيا تمثل قوة عظمى وتهديداً للولايات المتحدة، وأصبح سحبها في الصراعات واستنزافها ضمن أولويات الإستراتيجية الأمريكية، كما أن موسكو تغامر في محاولات يائسة لإعادة الدماء إلى صناعتها العسكرية التي تمثل لها مصدراً أساسياً للدخل، ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الإستراتيجية الأمريكية تعتمد بالأساس على استدراج الدب الروسي إلى مزيد من الصراعات من أجل إخراجه من دائرة التأثير، وهو ما تماشى كذلك مع أدبيات المفكرين الإستراتيجيين الأمريكيين الذين دعوا الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى الاهتمام بخطري الصين والعالم الإسلامي، وهو ما وصف آنذاك بالخطرين الأصفر والأخضر على الترتيب.

وفي ضوء ذلك نستطيع أن نستشرف الإستراتيجية الأمريكية في العقد القادم، والتي يتوقع أن تستمر في التركيز على احتواء الصعود الصيني، مع استمرار استنزاف العالم العربي وإغراق كل من إيران وتركيا فيه أيضاً، وإبقاء الكيان الصهيوني آمناً مع تزايد نفوذه بعد أن أصبحت أطراف عربية تخطب وده بصفته قوة إقليمية لا يمكن التغاضي عن وجودها، كما سلمت واشنطن كذلك العديد من مفاتيح آذان وأسماع الولايات المتحدة إلى تل أبيب، ومن ثم بات الكيان قبلة للعديد من الأطراف في الإقليم سواء سراً أو علناً، كما أن محورية الكيان الصهيوني في أدبيات كل من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء تؤكد أنه لا يمكن حدوث أي تغير في الإستراتيجية الأمريكية على المدى المتوسط فيما يتعلق بصراعات المنطقة، لاسيما بعد أن تحولت من صراع عربي صهيوني إلى صراع فلسطيني صهيوني، ثم إلى صراعات بينية في كل الإقليم بعد تهدم البنى السلطوية في بلدان الربيع العربي وشيوع الفوضى ودخول القوى الإقليمية في حروب بالوكالة على أسس مذهبية وعرقية.

ومن الواضح من السياسة الأمريكية في السنوات التي مرت من عمر الربيع العربي أنها كانت استكمالاً لإستراتيجية التفتيت والتقسيم، وأن إجراءاتها كانت تهدف إلى إذكاء نيران الحروب، كما أنها عملت بصورة ممنهجة على تقوية الأكراد على سبيل المثال وتسليحهم واعتبارهم حليفاً موثوقاً، كما عملت على التعاون العسكري مع قادتهم واستخدامهم في تحقيق مصالح واشنطن بضرب مختلف الأطراف ببعضهم البعض وخلق بؤرة توتر لكل من تركيا وإيران، وبعد أن رسخت أقدامها في العراق ببناء أكبر سفارة لها هناك وإدارة الصراعات من خلال المنطقة الخضراء، فإنها عملت كذلك على بناء قاعدة عسكرية بتوسيع وتجهيز مطار في شمال سوريا في المنطقة التي تقع تحت سيطرة الأكراد في بلدة رميلان شمال الحسكة[2]، وبدأت في مضاعفة طول مدرج المطار بما يسمح لهبوط طائرات أكبر فيه، بالإضافة إلى تشكيل تحالفات دولية لضرب التنظيمات المسلحة، واستخدام قاعدة أنجرليك التركية كذلك لتحقيق أهدافها تلك.

وتماشياً كذلك مع ما وصفه أوباما بأنه «القيادة من الخلف»، فإن واشنطن تعمل على التحكم في الصراعات من خلال حلفائها ومن خلال قوات أخرى على الأرض، دون التورط عسكرياً بصورة مباشرة، وهو ما يتماشى كذلك مع سياسة انسحاب الولايات المتحدة التدريجي مع مراقبة وتيرة الصراعات بعين على التنظيمات الإسلامية المسلحة، وعين أخرى على الدب الروسي وتأكد تورطه في تلك العمليات عالية التكلفة، لاسيما مع لجوء موسكو لاستعراض قوتها بغرض تصدير السلاح، وما صاحب ذلك من استخدام أسلحة ذات جدوى دعائية مثل الصواريخ التي أطلقتها من على متن سفن في بحر قزوين لضرب تنظيم «داعش» على بعد 1500 كم[3].

لذلك فمن غير المتوقع أن تتغير تلك الإستراتيجية الأمريكية طويلة المدى بتغير الرؤساء، بصرف النظر عن الدعاية الانتخابية لكل من المرشحين، واللذان وبغض النظر عن اتهامات كلاهما للآخر بأنه سيغرق الولايات المتحدة في حروب فإنهما في النهاية سيجبران على اتباع الإستراتيجية الأمريكية الكبرى أو ما يعرف بـ Grand Strategy، مثلما فشل أوباما في تنفيذ الكثير من وعوده الانتخابية بعد الاصطدام مع المخططين الإستراتيجيين للولايات المتحدة، وعلى رأس ذلك وعوده بإغلاق جوانتانامو وكذلك سحب قواته بصفة كاملة من العراق، وأيضاً وعوده بإحلال سلام الشرق الأوسط وحل الدولتين ووقف بناء المستوطنات، بالإضافة إلى وعود أخرى كثيرة[4]، وهو ما يوضح بجلاء حدود صلاحية الرؤساء في الولايات المتحدة في تحقيق أهداف تبدو شخصية أكثر منها حزبية أو حتى إستراتيجية.

ولذلك فمن المتوقع أن يظل دونالد ترامب يتحرك داخل إطار الإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، والأمر ينطبق كذلك على مساعديه ومستشاريه وأطقمه المعاونة، ففي النهاية فإن ما يتعلق بالإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة ترسمه جهات عدة وجماعات مصالح ومراكز تفكير مع الأجهزة الاستخباراتية ومجلس الأمن القومي، وكل تلك الجهات مجتمعة تساهم بدرجة كبيرة في صناعة القرار، فسواء كان الفائز ديمقراطياً كـ«هيلاري كلينتون» بما تحمله من امتداد للديمقراطيين، أو جمهورياً كـ«دونالد ترامب»، الذي يمثل الرجل اليميني الأبيض، بكل ما يحمله من تناقضات، فإن أجهزة الاستخبارات ومكاتب الأمن القومي سوف تلم شعث الفائز أياً كان، إلا إن الفارق على الساحة الداخلية ربما يبدو واضحاً لاسيما فيما يتعلق بسياسات الهجرة والتعامل مع الأقليات والأجانب والمسلمين، لكن التحركات على المستوى الإستراتيجي من المتوقع أن تظل بعيدة عن شطحات كل من الرئيس الجديد دونالد ترامب أو الطامحة الخاسرة هيلاري كلينتون.

 
 

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.


[1] CIA factbook, Russia Age structure, OCTOBER 19, 2016, on: https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/geos/rs.html

 [2] Imagery Supports Claims of U.S. Military Activity in Syria, Stratfor, JAN 22, 2016, on: https://www.stratfor.com/sample/analysis/imagery-supports-claims-us-military-activity-syria

[3] فيديو حصري لمسار صواريخ السفن الروسية التي استهدفت داعش بسوريا من بحر قزوين عبر أراضي إيران والعراق، روسيا اليوم، 7 أكتوبر 2015م.

 [4] HOW MANY PROMISES HAS OBAMA KEPT? Newsweek, BY JACK MARTINEZ, 10/16/2015, on: http://europe.newsweek.com/obama-afghanistan-troop-levels-promises-334907?rm=eu