لقد فعلها هتلر من قبل مرتين، مرة عندما فاز في الانتخابات الفدرالية في مارس 1933م ودفع العالم إلى حرب عالمية ثانية، والمرة الثانية منذ عام تقريباً في النصف الثاني من العام 2015م عندما قام ممثل ألماني بارتداء زي «هتلر» وجاب أنحاء ألمانيا لمدة أربعة أسابيع في إطار تصوير فيلم ألماني كوميدي بعنوان «انظر من عاد!»، والمقتبس من رواية ساخرة لكاتب يُدعى «تيمور فيرمس» بالاسم ذاته، وتجاوزت مبيعاتها مليون نسخة، حيث تدور الرواية حول استيقاظ هتلر في العصر الحديث ودخوله عالم السياسة مجدداً، وكان اللافت في المرة الثانية هو حجم الترحيب والحفاوة التي لاقت بها الجماهير في الشارع الممثل الذي يتقمص شخصية هتلر بصورة تدعو للقلق.

المرة الثالثة هل تكون الأخيرة للخريطة الدولية الراهنة؟ فعام 2016م عام اليمين المتطرف عالمياً، إذ شهد صعوداً تاريخياً للاتجاهات اليمينية بصفة عامة والمتطرفة بصفة خاصة في مواقع مؤثرة في الخريطة الدولية، ففي بداية صيف 2016م صعد اليمين في قلب أوربا عندما أسفرت الانتخابات النمساوية عن فوز حزب الحرية والذي يمثل اليمين المتشدد في النمسا على غريمه حزب الخضر بفارق ضئيل لا يتجاوز بضعة آلاف من الأصوات، إلا إنه فوز مشهود ومؤثر، وجاءت المحطة الثانية والتي مثلت تطوراً تاريخياً على مستوى السياسة الدولية في العام ذاته بإعلان انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي على إثر الاستفتاء الذي جاءت نتيجته 52% لصالح الخروج مقابل 48% لصالح الاستمرار في الاتحاد، وهو ما مثل انتصاراً تاريخياً أيضاً لحزب «استقلال المملكة المتحدة» اليميني المتطرف الذي يعد الداعم الأكبر للخروج من الاتحاد في الداخل البريطاني.

وجاءت المحطة الثالثة والتاريخية أيضاً في نهاية عام 2016م وتحديداً بعد أسبوع مما يُعرف في الثقافة الأمريكية بـ«عيد الفزع» في 31 من أكتوبر من كل عام، ليشهد الداخل والخارج حالة من الفزع الحقيقي عندما استيقظ صبيحة التاسع من نوفمبر على خبر فوز اليميني المتطرف دونالد ترامب مرشح الحزب الجمهوري بالانتخابات الأمريكية المثيرة للجدل على منافسته الوزيرة السابقة هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي خلافاً لكل التوقعات المحلية والدولية واستطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات استطلاع رأي مرموقة عالمياً كمؤسستي «جالوب» و«بيو».

اليمين المتطرف يحكم العالم.. تداعيات داخلية وخارجية:

اعتقد كثيرون في الداخل والخارج الأمريكي أن المجتمع والمواطن الأمريكي استفاد من أخطائه باختيار جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية مطلع القرن الحادي والعشرين، وهي الأخطاء التي كلفت العالم وخاصة الإسلامي منه ثمناً باهظاً أرضاً ونفساً ومالاً باحتلال أفغانستان والعراق. إلا إن الواقع الأمريكي الراهن بآلياته الديمقراطية التي يقنع الجميع بها أكد خلاف ذلك، فقد مثلت الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة الأمريكية التي عُقدت في الثامن من نوفمبر 2016م مفاجأة لقطاع واسع من الباحثين والمراقبين وحتي العامة، حيث تساءل الجميع كيف فاز «دونالد ترامب» بمنصب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية! وهو ما ستحاول هذه المقالة تحليل أسبابه من جهة وتداعياته على الداخل الأمريكي والخارج الإقليمي والعالمي من جهة أخرى.

هل الديمقراطية الأمريكية محل نظر؟

كلمحة عامة عن الانتخابات الأمريكية وآلياتها فإنه يمكن القول إنها تتسم بالتعقيد الشديد، وهي تستغرق فترة زمنية طويلة نسبياً إذ ما قورنت بالانتخابات العامة في التجارب المعاصرة حيث يتكون السباق الرئاسي من خمس مراحل رئيسة، هي الانتخابات التمهيدية، والمؤتمرات، والحملة الانتخابية، والرابعة يوم الاقتراع، وأخيراً إعلان الفائز بالانتخابات.

وقد مثلت تلك الانتخابات مفارقة تاريخية على عدة مستويات منذ بدايتها في التاريخ الأمريكي المعاصر، حيث إنها تدور بين بديلين كل منهما يمثل حالة فريدة واستثنائية للبيت الأبيض فالبديل الأول كان من الممكن أن يكون أول امرأة تتولى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي هيلاري كلينتون، والبديل الثاني والذي كان غير متوقع هو أكثر متطرف تولى منصب الرئاسة الأمريكي في المائة عام الأخيرة، وهو دونالد ترامب أو وفقاً لعدد من وسائل الإعلام العالمية سيكون آخر رئيس للولايات المتحدة الأمريكية في إشارة إلى احتمال أن يشهد العالم نهاية الولايات المتحدة تحت إدارته.

وبخلاف اتجاه معظم المحللين الأمريكيين إلى القول بفوز هيلاري كلينتون بمنصب الرئاسة الخامس والأربعين، وهو ما مثل خيبة أمل كبيرة لباحثي ودارسي العلوم السياسية والاجتماعية بصعوبة الفصل في توقعات السلوك الإنساني والقول بنظريات قاطعة قادرة على التوقع والتنبؤ به، ناهيك عن الخيبة التي نالت من المعنيين بمجال استطلاعات الرأي وإحصائياتها والمدافعين عنها كأحد الأدوات الرياضية لقياس السلوك البشري والتنبؤ به، بعيداً عن كل ذلك تعنى تلك المقالة بمحاولة تحليل تصدر دونالد ترامب لمشهد الانتخابات الرئاسية الأمريكية بهذه الصورة منذ بدايتها، وحتى حال عدم فوزه بها - وهو ما لم يحدث - إنما هو مؤشر خطير يستحق التحليل والدراسة خاصة في ضوء حوادث العنف الموسومة بالعنصرية التي شهدها عدد من الولايات الأمريكية هذا العام.

وعليه يأتي هذا المقال لمحاولة الإجابة عن: لماذا وصل ترامب لصدارة المشهد السياسي الأمريكي؟ وما معنى ذلك وتداعياته على الداخل الأمريكي وخارجه؟

وللإجابة عن هذا التساؤل يمكن استعراض النقاط الآتية:

ما هو شكل الخريطة العرقية في الولايات المتحدة لعام ٢٠١٦م؟

من هو دونالد ترامب؟

كيف حصل ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري؟

هل ثمة صلة بين كل ما سبق وحوادث العنف العنصري التي رُصدت مؤخراً في بعض الولايات الأمريكية؟

وبإجمال الإجابة عن الأسئلة السالفة ستكون اتضحت العديد من تفاصيل الصورة الراهنة للحالة الأمريكية.

أولاً: ما هو شكل الخريطة الإثنية السكانية الراهنة في الولايات المتحدة؟

 U.S. Census Bureau

بقراءة بسيطة لآخر الإحصاءات الخاصة بالتركيبة السكانية في الولايات المتحدة، وتوقعاتها المستقبلية حتى عام ٢٠٦٠م يمكن الملاحظة بسهولة التغير في الخريطة السكانية الإثنية في الولايات المتحدة الأمريكية في غير صالح «الرجل الأبيض» أو العرق الأبيض، حيث يتضح تراجع نسبة العرق الأبيض في الخريطة الديمغرافية للسكان في الولايات المتحدة في المائة سنة الأخيرة بنسبة تقترب من الـ٢٠٪، وذلك لصالح أعراق أخرى كالعرق اللاتيني، والآسيوي اللذين تتزايد نسبتهما بصورة متسارعة في الخمسين سنة الفائتة ومن المرشح استمرار هذا التزايد بصورة ملفتة في الأربعين عام القادمة ليُشكل العرق اللاتيني حوالي ٢٥٪ بحلول عام ٢٠٤٠م من إجمالي عدد السكان في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك مقابل العرق الإفريقي الذي يتسم بالاستقرار النسبي من حيث أعداده ونسبته في خريطة التركيبة السكانية الإثنية للولايات المتحدة، وذلك مقابل تراجع مستمر للعرق الأبيض في تلك الخريطة.

ولكن ما تأثير ذلك على السياسة الأمريكية؟ اتضح تأثير ذلك على السياسة الأمريكية في مسارين رئيسين أولهما زحف الأعراق غير البيضاء على السياسة الأمريكية فشهدت الولايات المتحدة أول رئيس ينتمي للعرق الأفروأمريكي في ٢٠٠٨م، وشهدت عدداً معتبراً من المرشحين في مرحلة الانتخابات التمهيدية للسباق الرئاسي الراهن من المنتمين للعرق اللاتيني من أمثال سيناتور فلوريدا «ماركو روبيو» وهو سيناتور من أصول كوبية، وسيناتور تكساس «تيد كروز» والذي هو أيضاً من أصول لاتينية.

وبرغم أنه لم يحالفهم الحظ في حصد لقب مرشح الحزب في تلك الانتخابات إلا إن ذلك يمثل مؤشراً مهماً حول شكل السياسة الأمريكية في العقود القادمة بفعل التركيبة الديمغرافية الراهنة للولايات المتحدة الأمريكية، واقتراب تولي أول رئيس من أصول لاتينية في الأعوام القليلة القادمة.

أما المسار الثاني الناتج عن تغير ديمغرافيا السكان في الولايات المتحدة الأمريكية وبرغم ما توصف به الولايات المتحدة باعتبارها نموذجاً لبوتقة صهر التعددية والتنوع على مستوى العالم إلا إن ذلك لم يحل دون تنامي الخطاب العدائي أو العنصري عند قطاع مؤثر في المجتمع الأمريكي، وهو ما تجسد في الحوادث المتتالية تجاه ذوي البشرة السمراء في عدد من الولايات، أو ظهر جلياً في تنامي المعتقدين صحة خطاب ترامب العنصري تجاه غير الأبيض، وهو ما سيدفع نحو الانكفاء القومي بالمعنى العرقي كرد فعل لتنامي التنوع المفرط للقوميات وتناميها في غير صالح القومية المسيطرة الراهنة كما سيرد لاحقاً

ثانياً: من هو دونالد ترامب؟

دونالد جون ترامب هو رجل أعمال وملياردير أمريكي يبلغ من العمر ٧٠ عاماً حيث وُلد في ١٤ يونيو ١٩٤٦م في كوينز بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو الابن الرابع لواحد من أشهر أقطاب تجارة العقارات الأمريكيين وهو فريد ترامب، وقد وُلد لأم تنحدر أصولها من جزيرة ليوس شمال إسكتلندا، وهاجرت إلى الولايات المتحدة في نهاية الثلاثينات، ثم أرسله والده إلى المدرسة العسكرية وهو دون الثالثة عشرة بعدما أظهر سلوكاً مشاغباً في المدرسة. ثم درس وتخرج في كلية وارلتون بجامعة بنسيلفانيا، والتي تعد من أرقى المدارس الأمريكية وقد تخرج منها عدد من رجال الأعمال المعروفين، وقد أصبح ترامب المرشح لخلافة والده في إدارة شركاته بعد أن اختار شقيقه الأكبر أن يكون طياراً، وقد توفي شقيقه دون عامه الـ٤٣ بسبب إفراطه في تناول الكحول، وهو ما كان عاملاً مؤثراً في إقلاع دونالد ترامب عن التدخين والكحول لاحقاً.

وقد دخل ترامب تجارة العقارات بعد أن اقترض مليون دولار من والده، وبعدها دخل شريكاً في إدارة ثروات والده التي كان أغلبها عقارات ومشاريع بناء في نيويورك، وبعدها أصبح مديراً عاماً للشركة التي أطلق عليها اسم «منظمة ترامب» عام ١٩٧١م.

وقد قام ترامب في الفترة من عام ١٩٩٦ وحتى ٢٠١٥م ببناء إمبراطورية جديدة في مجال الإعلام خاصة البرامج الترفيهية التلفزيونية، وأخرى عبارة عن سلسلة متاجر تحمل اسمه تبيع مختلف أنواع السلع.

وقد تزوج ترامب ثلاث مرات، وأشهر زيجاته كانت من عارضة أزياء تشيكية، وتزوج من ممثلة سينمائية في الفترة من عام ١٩٩٣ وحتى ١٩٩٩م، وزوجته الحالية هي عارضة أزياء من أصول سلوفاكية، وتقدر ثروته بـ٤,٥ مليار دولار أمريكي في عام ٢٠١٦م وفقاً لمجلة فوربس.

وكان «ترامب» قد أبدى طموحاً سياسياً في الوصول إلى مكتب الرئيس بالبيت الأبيض عام ١٩٨٧م، ودخل السباق الرئاسي لأول مرة عام ٢٠٠٠م مرشحاً عن حزب صغير.

ثالثاً: كيف حصل ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري؟

برغم ترشح أسماء عديدة في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية كان من أبرزها السيناتوران من أصل لاتيني «ماركو روبيو» و«تيد كروز»، والشخصية الأشهر تمثلت في «جيب بوش» حاكم ولاية فلوريدا الأسبق ونجل الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، والشقيق الأصغر للرئيس السابق جورج بوش الابن، حيث اتجهت العديد من التحليلات واستطلاعات الرأي لصالح جيب بوش قبل بدء الانتخابات التمهيدية، إلا أنه أعلن انسحابه من السباق بعد فوز ترامب بالانتخابات التمهيدية في ولاية كارولينا الجنوبية.

وقد أقر الحزب الجمهوري الأمريكي في مؤتمره الوطني ترشيح دونالد ترامب بصفة رسمية لخوض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في نوفمبر ٢٠١٦م، حيث حصل على تأييد أغلبية المندوبين من الولايات والأقاليم في التصويت الذي تم خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري في كليفلاند الأمريكية.

وقد حمل خطاب ترامب منذ بداية حملته الانتخابية تصريحات عدائية ومثيرة للجدل منها أنه ينوي طرد ١١ مليون مهاجر غير رسمي، وتشييد جدار على طول الحدود بين بلاده والمكسيك على أن تتكفل المكسيك بدفع تكاليف بنائه، وأيضاً تصريحاته حول المسلمين والتي أهمها منع المسلمين مؤقتاً من دخول الولايات المتحدة الأمريكية.

وبشأن تفسير الخطاب العدائي أو العنصري لدونالد ترامب إبان جولة الانتخابات التمهيدية يذهب عدد من الباحثين والمتخصصين الأمريكيين في إدارة الحملات الانتخابية الأمريكية إلى أنه يجب أن يتسم الخطاب الدعائي للمرشحين الداخليين في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالتطرف في اتجاه مبادئ وأفكار كلا الحزبين، بمعنى آخر أنه يجب فيمن يرغب في الفوز في الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري في مواجهة المرشحين الداخليين في الحزب أن يكون خطابه الدعائي متطرفاً في الإيمان بأفكار الحزب الجمهوري المحافظة واليمينية، وعليه يجب أن يكون أكثر تشدداً وتطرفاً في يمينيته ومحافظته، وذلك حتى يجتذب أكبر عدد من أصوات الناخبين المنتمين للحزب الجمهوري، وكذلك الحال في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي حيث يجب أن يكون الخطاب الدعائي للمرشح في الانتخابات الداخلية للحزب أكثر تحرراً وليبرالية في مواجهة المرشحين الآخرين حتى يتمكن من اجتذاب أكبر عدد من أصوات المنتمين للحزب الديمقراطي.

وعليه يرى هؤلاء المراقبون أنه من المفهوم أن يكون الخطاب الدعائي أكثر تطرفاً في الانتخابات الداخلية أو التمهيدية ولكن يرون أيضاً أنه سرعان ما يكون الخطاب الدعائي أقل تطرفاً وأقرب إلى الوسطية في التعبير عن مبادئ وأفكار الحزب من أجل اجتذاب أصوات الأمريكيين غير المؤدلجين أو المؤمنين بشكل واضح بأفكار ومبادئ أي من الحزبين، أو من يمكن تسميتهم الكتلة التصويتية المتأرجحة.

وعليه ليس غريباً ولا يمثل استثناءً أن يحصل ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري باعتبار أنه أكثر من عبر عن توجهات الحزب بصورة متطرفة، ولكن الغريب والذي يمثل استثناء في نظر العديدين هو استمرار خطابه العدائي حتى النهاية برغم أنه يفترض أن يكون الخطاب أقل عدائية حتى يجتذب أصوات الكتلة المتأرجحة وهو ما لم يحدث.

 وبرغم عدائية خطابه وما أحدثه من زخم في المجتمع الأمريكي، بيد أن الخطورة الحقيقية تكمن في استمرار حالة التطرف التي تبلورت مع ترشحه، فقد تداولت وسائل الإعلام الأمريكية على مدار الشهور السابقة صوراً من المؤتمرات الانتخابية التي عقدها دونالد ترامب، والتي أظهرت صوراً لمؤيدين تبدو عليهم ملامح حادة تعبر عن مشاعر متطرفة في الإعجاب والتأييد المطلقين لدونالد ترامب، وعبرت تلك الصور المتداولة في وسائل الإعلام الأمريكية عن حجم تأثير الخطاب العدائي لترامب في المجتمع الأمريكي، وهو ما يمكن أن يضيف زخماً لملف العنصرية تجاه غير البيض في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القليلة القادمة.

ومع إعلان فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية أضحى السؤال ملحاً عن مستقبل المشهد القومي العرقي التعددي الذي كانت تعتبره الولايات المتحدة إحدى مفاخرها، خاصة بعد تصريحاته المتواترة المعادية للاتينيين والعرب والمسلمين إبان سباقه الانتخابي.

رابعاً: هل ثمة صلة بين كل ما سبق وحوادث العنف العنصري التي رُصدت مؤخراً في بعض الولايات الأمريكية؟

برغم الإلغاء الرسمي للتمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية في ستينات القرن الفائت لم يضع ذلك حداً للمشاكل والحوادث العنصرية بعد هدوء نسبي في السبعينات والثمانينات، تشهد ولايات متفرقة في الولايات المتحدة الأمريكية على فترات زمنية متباعدة نسبياً حوادث وصفت بالعنصرية تعقبها احتجاجات للشأن ذاته، كان أهمها عام ١٩٩٢م مع قضية «رودني كينج» الذي تعرض للضرب من قبل أربعة ضباط شرطة من ذوي البشرة البيضاء أمام كاميرا أحد مصوري الفيديو الهواة، وذلك بعد القبض عليه بسبب تجاوز السرعة المقررة، وقد تم تداول الفيديو الذي مدته عشرون دقيقة في مختلف أنحاء العالم وتم تبرئة الضباط الأربعة بعد عام من الواقعة.

ومع تولي أوباما رئاسة الولايات المتحدة بوصفه أول رئيس أسود في تاريخها وذلك عام ٢٠٠٨م، بدأت ظاهرة العنصرية تطفو سريعاً على سطح المجتمع الأمريكي في حوادث متفرقة تسارعت وتيرتها مع عام ٢٠١٤م بمقتل «مايكل براون» في أغسطس ٢٠١٤م، ومقتل «والتر سكوت» في الرابع من أبريل ٢٠١٥م في ولاية كارولينا الجنوبية، وآخرين كـ«إيريك جارنر»، و«أكاي جورلي»، و«جون كرافوورد»، و«فريدي جراي»، وهو ما أدى إلى زيادة الاحتقان بين السود وظهور حركات اجتماعية للدفاع عنهم كحركة «حياة السود مهمة».

إلا إن عام ٢٠١٦م يعد الأهم في تجدد الممارسات العنصرية تجاه ذوي البشرة السمراء حيث قتل عناصر من الشرطة الأمريكية رجلين أسودين في بداية يوليو ٢٠١٦م بولاية لوزيانا ومينيسوتا، وقد نُشرت لقطات للحادثين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أظهرت لقطات الفيديو للحادثين قيام فرد شرطة بإطلاق النار على المواطن «آلتون سترلينج» البالغ ٣٧ عاماً بعد أن طرحه أرضاً أمام متجر في منطقة «باتون روج» بولاية لويزيانا، أما الحادثة الثانية فكانت قيام الشرطة بقتل «فيلاندو كاستيلي» البالغ من العمر ٣٢ عاماً في منطقة «فالكون هايتس» بولاية مينيسوتا.

وقد أسهمت تلك الحادثتين في مطلع يوليو الفائت في اندلاع احتجاجات وموجة غضب شعبي ومظاهرات ضد الشرطة في عدد من الولايات والمدن الأمريكية تحولت في بعضها إلى أعمال عنف من قبل بعض المتظاهرين، كان أهم مظاهرها عندما قام قناص يدعى «ميكا جونسون» وهو مواطن من ذوي البشرة السمراء يبلغ من العمر ٢٥ عاماً، وكان جندياً سابقاً خدم في أفغانستان في الفترة بين نوفمبر ٢٠١٣ إلى يوليو ٢٠١٤م، بإطلاق الرصاص خلال مظاهرة ضد عنف الشرطة في مدينة دالاس بولاية تكساس أسفرت رصاصاته عن مقتل خمسة من أفراد الشرطة وإصابة آخرين بجروح، وقد قتلت الشرطة «جونسون» باستخدام روبوت يحمل قنبلة بعدما تحصن في مرآب للسيارات عقب معركة بالرصاص دامت لساعات صاحبها اتخاذ إجراءات أمنية مشددة بالمدينة، وقد صرح قائد الشرطة بالمدينة أن «جونسون» صرح أثناء التفاوض معه قبل مقتله أنه يشعر بالغضب من قتل الشرطة لشخصين من السود بولايتي مينيسوتا ولويزيانا، وأنه يشعر بالاستياء من أصحاب البشرة البيضاء ويريد أن يقتلهم خاصة ضباط الشرطة.

وعليه فإنه برغم مرور ما يزيد على نصف قرن من إلغاء التمييز العنصري رسمياً تجاه السود إلا أن عودة هذا الملف مرة أخرى للواجهة بعد تولي أوباما وتسارعه خلال فترة حكمه قد تُشير إلى احتمال تفجره تحت وطأة خطاب ترامب العنصري والمعادي للإسلام، وتكفي الإشارة في هذا المقام إلى الحملات الدعائية المضادة كالصورة المرفقة بهذا المقال للوحة إعلانات على أحد الطرق الأمريكية بهذا المضمون، والتي تؤكد خطورة استمرار هذا الخطاب الدعائي في السياسة الأمريكية من ناحية، وتؤكد خطورة ما قد يحدثه ذلك حال اتساع المعتقدين سلامة خطاب ترامب من مؤيديه من ناحية ثانية، وتؤكد المستقبل المظام للعنصرية سواء في مواجهة السود أو المسلمين خلال السنوات القليلة القادمة بعد الفوز المقلق لدونالد ترامب بـ279 صوت مندوب مقابل 228 صوت مندوب لصالح منافسته هيلاري كلينتون، إلا إنه في النهاية يمكن القول إن العالم قبل ترامب لم يكن أكثر سلاماً وإن كان ربما أقل جنوناً مما هو متوقع في الفترة المقبلة ليتساءل الجميع هل سيعود هتلر من جديد ويتحسس كل فرد غمد سلاحه؟

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.