تتجاهل الأنظمة والنخب العربية التي تسعى وتشرع التطبيع مع الكيان الصهيوني المحددات الحاكمة للمجتمع الصهيوني وسماته العامة، وتتعمد إغفال التحولات التي طرأت عليه إما جهلاً وإما من منطلق التضليل وتسويغ فعلتها الشنيعة، التي توظف من قبل الصهاينة لتشريع عدوانهم على الأمة واحتلال أرضها والمس بمقدساتها.

إن التطبيع مع العرب في المفهوم الصهيوني يعني تطبيعاً رأسياً وليس أفقياً، أي بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية في الكيان الصهيوني والعالم العربي، بشكل يسمح للكيان الصهيوني الإفادة من التعاون الأمني والاستخباري مع العرب وتوظيف هذه العلاقة في مواجهة التحديات التي يتعرض لها هذا الكيان، دون أن يكون مرتبطاً بتعهد هذا الكيان بإبداء أية مرونة في كل ما يتعلق بتسوية الصراع.

ويعد التطبيع الأفقي القائم على التطبيع بين المجتمعات العربية والمجتمع الصهيوني مرفوضاً من قبل الصهاينة، وذلك بسبب الدور الذي تلعبه المرجعيات الدينية، والنخب السياسية، والمستويات الأمنية في الكيان الصهيوني، والتي تجرم التطبيع بين المجتمعات العربية والمجتمع الصهيوني.

موقف المرجعيات الدينية اليهودية

لعبت المرجعيات الدينية اليهودية دوراً مهماً في دفع المجتمع الصهيوني بعيداً عن قبول فكرة التطبيع مع العرب عبر سيل الفتاوى والأحكام التي تحرم التعامل مع العربي وتشرع المس به والانتقاص من كرامته. فالعربي في نظر الفكر الديني اليهودي يدخل في إطار «الأغيار» أو «غوييم»، الذين يتوجب أن يكون بينهم وبين اليهود جدار يمنع التواصل. وكما هو معروف، فإن التراث الديني اليهودي يعزز فكرة الانعزالية والانكفاء والشك تجاه الآخر غير اليهودي.

 ونظراً لأن تأثير الحاخامات والمرجعيات الدينية لم يعد يقتصر فقط على الكنس، بل بات يتعداها إلى كل مؤسسات الكيان والمجتمع الصهيوني، فقد تم تكريس النظرة الفوقية المتعالية تجاه العربي، علاوة على تشرب فكرة استباحة دمه والمس بكرامته.

فعندما تقوم وزارة التعليم الصهيونية بزيادة الحصص المخصصة لدراسة المصادر الدينية بشكل كبير، والتي تسهم أكثر في تكريس النظرة السلبية تجاه العربي، فإنها تضيف المزيد من العوائق أمام قبول فكرة التطبيع مع العالم العربي. وعندما تحرص الوزارة على تعيين حاخامات لإلقاء المواعظ للطلاب بهدف تعزيز «الوعي اليهودي» لديهم، فإنها تسهم في تكريس النظرة السلبية تجاه العربي وتبني جداراً من الكراهية حوله، على اعتبار أن الحاخامات لا يترددون في التعبير عن مواقفهم من العربي والتطبيع معه.

وقد سبق لعدد من الحاخامات اليهود أن أصدروا فتاوى عدة تحرم عقد لقاءات تطبيعية بين الشباب اليهودي والشباب العربي، وذلك رداً على محاولة بعض قيادات السلطة الفلسطينية وقيادات في اليسار الصهيوني تنظيم مثل هذه اللقاءات.

ليس هذا فحسب، بل إنه تحت تأثير الحاخامات ألغى الجيش الصهيوني التصاريح التي كانت ممنوحة لعدد من النخب الفلسطينية المرتبطة بسلطة رام الله والتي كانت تنشط في مجال التطبيع.

وقد حرضت المرجعيات الدينية اليهودية التنظيمات الإرهابية اليهودية على التصدي للمؤسسات التي تعنى بالتطبيع مع العرب. فقد قامت منظمة «لاهفا» الإرهابية اليهودية التي يقودها الحاخامات بنتسي غوفشتاين العام الماضي بإحراق مدرسة في القدس المحتلة بحجة أن طلاباً يهوداً وفلسطينيين وأجانب يدرسون فيها، بحجة مقاومة التطبيع بين العرب واليهود. وقد كانت المفارقة عندما رفضت السلطات الصهيونية محاكمة عناصر «لاهفا» الذين قاموا بإحراق المدرسة، حيث ظل الحاخام غوفتشاين «نجم» قنوات التلفزة الصهيونية.

موقف النخب السياسية

نظراً لإدراك النخب السياسية في تل أبيب حقيقة انزياح المجتمع الصهيوني نحو اليمين المتطرف، فقد عمدت إلى رفض أي نشاط تطبيعي بين الشباب العربي واليهودي بشكل واضح وصريح. فقد عارض أعضاء في اللجنة المركزية لحزب الليكود بقوة عام 2012م تنظيم لقاءات في عواصم أوربية بين شباب يهودي وشباب من مصر والأردن ودول المغرب العربي. وقد كان لافتاً التبرير الذي قدمه الوزير الليكودي يريف ليفين لرفض هذه اللقاءات، حيث قال: «من المهم أن يحافظ الشباب اليهودي على حالة العداء تجاه العرب حتى يسلم العرب بحقنا على هذه الأرض مرة وللأبد».

موقف النخب الأمنية

تستند حساسية الأجهزة الأمنية الصهيونية إزاء الأنشطة التطبيعية بين العرب واليهود إلى دواع أمنية. وكما قال آفي ديختر، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» والرئيس الحالي للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، فإن عقد اللقاءات بين اليهود والعرب يحمل في طياته مخاطر تسرب معلومات أمنية لـ«العدو»، مدعياً أن تدشين منظومة من العلاقات الاجتماعية غير المنضبطة وغير المراقبة يفضي إلى انفتاح قد يدفع الكيان الصهيوني ثمنه. وبحسب ديختر، فإن بعض العرب الذين يكنون العداء للكيان الصهيوني ينضوون تحت أن أطر تنظيمات «إرهابية» يمكن أن يعرضوا أنفسهم على أنهم معنيون بالتطبيع من أجل تحقيق أغراض عدائية.

توجهات المجتمع الصهيوني

إن أكثر ما يدلل على خطل محاولات تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني من قبل بعض النخب العربية يتمثل في تجاهل التوجهات العنصرية المقيتة للمجتمع الصهيوني تجاه العرب. فرجل الشارع الصهيوني غير معني بالتطبيع مع العربي لأنه قد ترسخ في الوعي الجمعي الصهيوني أن العربي «جبان ومحتال، متخلف، غير مبدع». وهذه الصورة الاستشراقية مثلت جزءاً أساسياً من الصورة التي حاولت الحركة الصهيونية بلورتها لدى الصهاينة تجاه العربي لكي تبرر تجنيدهم للاستيلاء على أرضه وحرمانه من حقوقه الوطنية والقومية. وقد عززت مناهج التعليم والمسار التربوي الصهيوني هذه الصورة عن العربي، وبالتالي فإن الصهيوني العادي يرى في العربي مخلوقاً أقل منه عرقياً ودينياً وبالتالي لا يرى فيه نداً يستحق التطبيع معه.

إن أكثر ما يدلل على التوجه العنصري تجاه العرب لكونهم عرباً في أوساط عامة الصهاينة حقيقة أن الصهيوني يأبى التمييز بين العرب استناداً إلى انتماءاتهم الوطنية، فالكل في نظر الصهيوني «عربي». فعلى سبيل المثال، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» مؤخراً أن استطلاعاً أجري في أوساط الشبيبة اليهود أظهر أن «معيار الرجولة» لدى الشباب الصهيوني هو أن «ينهال بالضرب على رأس العربي». ولعل الشعار الأكثر شعبية لدى مشجعي فرق كرة القدم الصهيونية هو «الموت للعرب». وتأبى المجالس المحلية الصهيونية السماح لفلسطينيي 48 بالإقامة فيها بحجة أنهم «عرب»، كما أن أصحاب المحلات التجارية والمطاعم في كثير من الأحيان لا يسمحون بدخول العرب.

ويزداد رفض المجتمع الصهيوني للتطبيع مع العرب في حال ارتبط بالحديث عن تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني، حيث إن الصهاينة ينطلقون من افتراض مفاده أن حل الصراع يتطلب الانسحاب، على الأقل، من أجزاء من الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967م.

ولا يرفض الصهاينة التسوية مع العرب فقط لدوافع أيدلوجية وعنصرية، بل أيضاً لأسباب اقتصادية واجتماعية، حيث إن الكثير من القطاعات السكانية الصهيونية باتت تعي أن تحقيق مصالحها الاقتصادية والاجتماعية يرتبط باستمرار هذا الاحتلال. فالهيمنة على الأراضي العربية يوفر حلولاً لمشاكل اقتصادية واجتماعية للصهاينة لا يمكن حلها بدون تواصل السيطرة على هذه الأراضي.

ولا يمكن هنا تجاهل انزياح المجتمع الصهيوني نحو اليمين المتطرف بسبب طابع التحولات الديموغرافية والإثنية التي طرأت داخل الكيان الصهيوني، وهو ما عزز الرفض الاجتماعي للتطبيع. فقد أسفرت التغيرات الديمغرافية عن تبلور ثلاث قطاعات سكانية رئيسة داخل الكيان الصهيوني، وهي: المهاجرون الروس الجدد، والشرقيون، والمتدينون، حيث إن هذه التجمعات أصبحت تضم حوالي 80% من المستوطنين اليهود، حيث إن القاسم المشترك بين هذه المكونات هو الموقف العنصري تجاه العرب.

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.