تؤدي المنظمات الدولية أدواراً مختلفة على عدة صعد، ولا يكاد يمر أسبوع إلا ونسمع عن اجتماعات دورية واستثنائية ومؤتمرات وندوات وورش عمل في دول وعواصم مختلفة، وهو أمر يبدو مفضلاً للنخب الإسلامية والعربية التي لا تكاد تفوت أي حدث من هذا النوع سواء كان في مصلحة بلادها أو في غير صالحها، فالمشاركة بالنسبة لها أهم من الإنجاز، وهو أمر لطالما استغله الكيان الصهيوني جيداً لتطبيع علاقاته مع العالم الإسلامي، خاصة أن هناك قناعة لدى الكثير من دول العالم الإسلامي، عبر عنها المفكر السياسي المصري مصطفى الفقي بشكل واضح، تقوم على أن الانسحاب من المشاركة والتنافس مع الكيان الصهيوني في أي مجال سواء في الفن أو العلم أو الرياضة غير مبرر ويعبر عن موقف ضعف.

هذه الرؤية الانهزامية ربما تفسر تحول عشرات اللقاءات من السر إلى العلن، بين بعض السياسيين الإسلاميين ونظرائهم من الصهاينة داخل أروقة المنظمات الدولية، فما كان محرماً في السابق تحول إلى طبيعي خلال السنوات الأخيرة، كما أن تلك اللقاءات التطبيعية لم تعد تشكل ذلك الجدل الكبير داخل أوساط الشعوب الإسلامية.

وهو ما قد يدفع المؤسسات الدولية التي فعلت ما عليها وقربت المسافات إلى التنازل مستقبلاً ولو بشكل مؤقت عن دور الوسيط، لأن هبوب رياح التطبيع مؤخراً وتنامي ظاهرة الحج السياسي العربي والإسلامي إلى القدس المحتلة برعاية الحكومة الصهيونية بات يخفف العبء عن المؤسسات الدولية التي قطعت شوطاً طويلاً في خدمة الكيان الصهيوني، وحولته من كيان منبوذ إلى عنصر أساسي وفاعل يصعب تجاهله في كافة المناسبات الدولية.

ولأن المناسبات الدولية المختلفة التي تحمل أسماء وشعارات رنانة تعتبر أقل وطأة من السياسية وربما أكثر فاعلية بالنسبة للكيان الصهيوني الذي يعمل جاهداً على استغلالها؛ اتجهت المنظمات الدولية إلى تعزيز حضوره فيها، لاسيما في المجالات التقنية والعلمية والثقافية والرياضية التي أضحت تشكل مداخل أكثر نجاحاً للتطبيع.

وهو ما شجع بعض العواصم الإسلامية إلى المجاهرة ببعض خطواتها نحو التطبيع السياسي، وربما لم تعد تجد حرجاً في ذلك، لأن مداخل التطبيع الأخرى ساهمت في تعزيز علاقاتها مع الكيان الصهيوني، لذلك سنلاحظ أن الكثير من الدول الإسلامية لا تتورع عن إرسال وفودها للمشاركة إلى جانب الوفود الصهيونية في مجالات مختلفة، وهو ما يعتبره الكيان تطبيعاً تدريجياً يمكن جني ثماره لاحقاً، وهو ما يظهر جلياً حينما يتعلق الأمر بالعلاقات الصهيونية الماليزية، فالأخيرة ترفض تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان، لكن علاقاتها التجارية معه كانت قد فاقت العلاقات التجارية لدول إسلامية كـ«مصر والأردن» التي تطبع بشكل مُعلن مع الكيان الصهيوني.

إن تعزيز الكيان لعلاقاته التجارية مع ماليزيا جاء بعد لقاء وزير خارجية الأخيرة «سيد حامد البار» مع نظيره الصهيوني «ديفيد ليفي» على هامش اجتماعات هيئة الأمم المتحدة، نهاية التسعينات، فوفقاً للمكتب المركزي للإحصاء الصهيوني أصبحت ماليزيا أكبر مستورد في العالم الإسلامي من الكيان الصهيوني مطلع عام 2001م، حيث بلغت قيمة وارداتها نحو 732 مليون دولار أمريكي، وبرغم تراجع وارداتها مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية، إلا أن علاقاتها التجارية مع الكيان ازدهرت خلال السنوات الأخيرة بفعل الشركات الاستثمارية الماليزية الخاصة التي غالباً لا تكون عرضة للانتقادات، وفي الوقت نفسه ترفع حالة الحرج عن كاهل الحكومة.

ولا ريب في أن نجاح الكيان الصهيوني في الانفتاح الاقتصادي والتقني والعسكري على بعض الدول الإسلامية تحت رعاية المنظمات الدولية جعله أكثر تحفزاً نحو الانفتاح بشكل أوسع وغير مسبوق، فدولة الإمارات العربية كانت قد استقبلت الوفد الصهيوني المشارك في مؤتمر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة المنعقد في أبو ظبي في نوفمبر 2014م، ولأنها أصبحت دولة المقر للوكالة المذكورة في وقت لاحق باتت غير قادرة على رفض الطلب الصهيوني في نهاية عام 2015م، الذي عبر فيه الكيان عن نيته إرسال بعثة تمثيل دبلوماسي لدى الوكالة في العاصمة أبو ظبي.

في السياق عينه، كان انضمام تونس لمنظمة التجارة العالمية مرهوناً بتطبيع علاقاتها سراً مع الكيان الصهيوني، فمنذ انضمامها لتلك المنظمة شهدت أسواقها مزيداً من البضائع الصهيونية، ودخلت مسألة التبادل التجاري التونسي مع الكيان مرحلة متقدمة، حين وصل إجمالي التبادل التجاري التونسي مع الكيان إلى نحو 5 مليارات دولار مطلع الألفية الثالثة، وظهرت نتائج التطبيع الاقتصادي بشكل واضح أثناء الثورة التونسية عام 2011م، فكانت المعدات العسكرية الخفيفة والرصاص المستخدم لدى قوات الأمن التونسي ضد الثوار تحمل عبارة «صنع في إسرائيل».

من جانب آخر إن المقاربة الأكثر رؤيوية وعقلانية من جانب الكيان تجاه المنظمات الدولية، وأيضاً ليست على القدر نفسه من الأهمية، بالنسبة إلى العالم الإسلامي، تكمن في تعامل الكيان مع المنظمات الدولية بنفس درجة الاهتمام والجدية والفاعلية، وهو أمر يغيب عن العالم الإسلامي الذي يفقد فاعلية دوره وتأثيره في أغلب المناسبات الدولية، لأنه بات واقعاً تحت تأثير الفيتو الدولي الذي يصب دوماً في مصلحة الكيان الصهيوني، لكن الأخير لا يكتفي بذلك لأنه يعلم مدى قوة الأجهزة والمجالس واللجان الفرعية لدى أكبر منظمة دولية؛ فتلك المنظمات تمتلك قوة ناعمة شديدة التأثير والانتشار، فهي تمتد من أقصى العالم إلى أقصاه، لذلك يسعى الكيان إلى استغلالها والتغلغل فيها.

ولعل ترأسه لأحد اللجان الست الدائمة (لجنة القانون الدولي) بناءً على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة وحصوله على 109 أصوات خير دليل على نجاحه في التغلغل داخل المنظمات الدولية، ودور تلك المنظمات في إتاحة الفرصة له للانفتاح على مزيد من دول العالم، خاصة بعد الاتهامات التي وجهت لأربع دول من دول العالم الإسلامي التي يقال إنها صوتت لصالح الكيان ومنحته رئاسة اللجنة القانونية.

كما أن ترؤس الكيان لإحدى لجان الجمعية العامة مطلع يونيو الماضي لم يكن الأول من نوعه لأنه سبق وأن حاز على عضوية كاملة في أكتوبر 2015م، في لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، وهي إحدى أكبر لجان الأمم المتحدة والمسؤولة عن التوسع في التقنية الفضائية، وهو ما يفتح أمام الكيان الصهيوني الكثير من الفرص لتطبيع علاقاته مع العالم الإسلامي، فرئاسة الكيان لتلك اللجان لا يمكن فصلها عن المؤتمرات الدولية التي يتم عقدها من حين لآخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر من غير المنطقي أن يتم انعقاد مؤتمر دولي في مجال الفضاء الخارجي دون حضور ومشاركة رئيس اللجنة.

لذلك باتت مشاركة الكيان الصهيوني في المؤتمرات الدولية المتعلقة بمجالات العلوم والتقنية والاقتصاد وحقوق الإنسان وغيرها حتمية، وفي أغلب الأحيان لا يتم الاعتراض عليها، وهو ما يمنحه فرصاً إضافية ومناسبة لتطبيع علاقاته مع دول العالم الإسلامي التي أدمنت المشاركة في مثل هذه المؤتمرات دون أي نتائج تذكر.

ولا يتوقف الأمر عند المؤتمرات العلمية وغيرها، بل وصل الأمر إلى انعقاد بعض المنتديات الدولية التي تأتي تحت مسميات مختلفة، فمنتدى الشباب الدولي المنعقد في شرم الشيخ عام 2007م شهد حضور الوفد الصهيوني، برغم ما أثاره من جدل آنذاك، وهو ما أعطى الكيان مزيداً من الفرص للقاء الوفود الإسلامية والتطبيع معها.

ترتب على هذه المؤتمرات والمنتديات بعض الإجراءات العملية المهمة التي غالباً ما تأخذ الطابع السري برغم مساهمتها في تقريب المسافات بين الكيان ودول العالم الإسلامي، فبعض المؤسسات البحثية التي يتم التعريف عنها تحت غطاء دولي تشارك هي الأخرى في عملية التطبيع، وكانت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية قد أشارت إلى تلك المؤسسات في تقاريرها المختلفة، ولعل أبرزها «معهد دراسات السلام في الشرق الأوسط» وهو أحد المؤسسات التي أفرزتها اتفاقية أوسلو عام 1993م، ويشجع هذا المعهد على الدراسات الداعية للسلام مع الكيان الصهيوني.

فإذا كانت القيادة السياسية لدى الكيان تروج لأكذوبة ووهم السلام من أعلى بغرض تطبيع علاقاتها مع العالم الإسلامي، فإن تلك المؤسسة وغيرها من المؤسسات المشابهة كـ«منظمة أصدقاء الأرض، ومركز إسرائيل فلسطين للأبحاث والمعلومات» تعمل على بناء السلام الوهمي من الأسفل، وبالتالي خلق أرضية مناسبة للتطبيع، والمؤسف أن شخصيات أكاديمية عربية فلسطينية هي التي تترأس هذه المؤسسات، هذا فضلاً عن بعض مراكز التطبيع المنتشرة في بعض العواصم العربية، فهناك مركز يهودي يتخذ من القاهرة مقراً له، يعنى بعرض الأفلام وإقامة المعارض وتنظيم المحاضرات في العلوم المختلفة، بمشاركة علماء يهود وعرب ومسلمين.

إن حضور الكيان الصهيوني في كافة المحافل الدولية تحت مبررات مختلفة وتمكنه من إيجاد عدة مداخل لتطبيع علاقاته مع العالم الإسلامي لم يتوقف عند المنظمات الدولية والمؤسسات واللجان المتخصصة في المجالات المختلفة، فالأمر وصل إلى ذروته حينما تمكن من اقتحام ما يعرف بمؤتمر حوار الأديان المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة عام 2013م، والنجاح الصهيوني يكمن في تمكنه بمساعدة القوى المنظمة من توسيع هذا المؤتمر أو الحوار، ليكون حواراً إسلامياً مسيحياً يهودياً، وبذلك تكون قد شاركت شخصيات يهودية إلى جانب شخصيات من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في عاصمة عربية!

قصارى القول، تبدأ المنظمات الدولية خطوتها الأولى في خدمة الكيان من خلال الاعتراف بعضويته، ثم تأخذ طريقها نحو خطوتها الثانية من خلال تقريب المواقف بين بعض السياسيين الإسلاميين والصهاينة، وتلجأ في بعض الأحيان إلى تنظيم بعض اللقاءات السرية، من ثم إعطاؤه مزيداً من الفرص لترأس بعض لجانها الرئيسة، التي تمنحه وتمكنه من المشاركة بفاعلية في المؤتمرات الدولية، وهو ما يفتح للكيان الصهيوني آفاقاً جديدة نحو العالم الإسلامي، فيبدأ في تعزيز ذلك عبر تنشيط علاقاته التجارية، وتصدير التقنية إلى الدول الإسلامية، وإنشاء مؤسسات بحثية تلعب دوراً فاعلاً في التطبيع الناعم، وصولاً إلى تمكن الكيان من تطبيع علاقاته مع الدول الإسلامية في مجالات مختلفة تجعل عملية التطبيع السياسي مسألة وقت.

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.