ما إن قامت منظمة التحرير الفلسطينية بتوقع اتفاق أوسلو (13/9/1994م) مع الاحتلال الصهيوني حتى دخلت أغلب الدول العربية في مسيرة التطبيع سراً وعلانية؛ انطلاقاً من أن «الفلسطينيين» المتحاربين مع «الإسرائيليين» وقَّعوا اتفاق سلام بينهم فما المانع أن يدخل العرب أو دول الجوار على الأقل في اتفاقات سلام وتطبيع مع الاحتلال؟!

لقد دخلت مصر في سلام مع الكيان الصهيوني بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، واتفاقية السلام المصرية - الصهيونية عام 1979م، وكان لها الدور الأكبر في إجبار الفلسطينيين على توقيع اتفاق أوسلو 1993م والقاهرة 1994م، ودخلت الأردن في مرحلة تطبيع العلاقات رسمياً بعد توقيع اتفاق وادي عربة عام 1994م، وفي عام 1995م اتفقت سلطنة عمان مع الكيان الصهيوني على فتح مكاتب للتمثيل التجاري والتعاون التقني بين الجانبين. وتبادلت قطر والكيان الصهيوني مكاتب التمثيل التجاري عام 1996م، وفي عام 1999م تحدثت الصحافة الصهيونية عن مفاوضات بين البحرين والكيان الصهيوني لإقامة علاقات تجارية بينهما، لقد تمكن الكيان الصهيوني من نسج علاقات دبلوماسية وتجارية مع غالبية دول شمال إفريقيا كتونس والمغرب وموريتانيا، لدرجة أن موريتانيا أضحت في عهد الرئيس معاوية ولد الطايع (في عام 1999م) ثالث دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني بعد مصر والأردن.

ويشير المفكر عبد الوهاب المسيري في موسوعة اليهود واليهودية والنصرانية إلى أن التطبيع السياسي والاقتصادي هو إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية. ويصر الكيان الصهيوني على أن التطبيع السياسي والاقتصادي مع الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكن يوجد خلل أساسي في المفهوم وفي المحاولة، فالتطبيع السياسي والاقتصادي يجب أن يتم بين بلدين طبيعيين، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي،  فالكيان الصهيوني لا يزال تجمعاً استيطانياً وليس دولة للمواطنين الذين يعيشون داخل حدوده.

لقد تذرعت الدول العربية بأن التطبيع مع الكيان الصهيوني يصب في مصلحة الفلسطينيين، لأن التطبيع كان مشروطاً بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وهذا برغم إدراك الدول العربية من قبل أن الكيان الصهيوني لا يمتلك من تسمية «دولة» إلا الاسم، فلا دستور ولا حدود ولا عاصمة له، فعن أي دولة تتحدث من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تقم الدولة الفلسطينية بعد مضي فترة الحكم الذاتية (5 سنوات) وفق ما ورد في اتفاق أوسلو، ولكن.. هل استفاد الفلسطينيون من مسيرة التطبيع العربي - الصهيوني؟

لعله من المفيد قبل التحدث عن أثر التطبيع على الفلسطينيين الإشارة إلى أثره على الدول العربية ذاتها التي سارعت إلى التطبيع:

في بادئ الأمر يجب القول إن الكيان الصهيوني تمكن من اختراق أغلب الدول العربية مرة بدافع التعاون الاقتصادي المشترك، وثانية بدوافع التعاون التقني والبحث العلمي المشترك، وثالثة بدوافع الدفاع المشترك ضد المخاطر والمهددات التي تشكلها بعض دول الإقليم على جاراتها، وهكذا إلى أن وصلت إلى مراكز صنع القرار وأضحت تقدم نصائح ملزمة على رأي المندوب السامي البريطاني على مصر اللورد كرومر الذي كان الحاكم لمصر من وراء ستار، والنصائح الملزمة هي توجيه أوامر ملزمة على شكل نصيحة.

دخلت مصر مرحلة التطبيع فتم تحييدها بشكلٍ كاملٍ عن الصراع العربي - الصهيوني، ولم تعد الدولة نفسها التي كانت راعية لمشروع تحرير فلسطين، ولم تتمكن من استعادة سيناء المحتلة إلا بعد فترة من الزمن، استعادتها منطقةً منزوعة السلاح إلا من بعض الأسلحة الشخصية.

ماذا بإمكان مصر أن تعمله من أجل ضمان أمنها القومي وأمنها المائي بعد إنشاء سد النهضة بإشراف الكيان الصهيوني؟! التطبيع بالتأكيد سيمنعها من عمل أي شيء، ومن المعلوم بالضرورة أن منسوب مياه نهر النيل انخفض كثيراً، وأضحت الأتربة تدخل السد العالي، وهو ما يعني أن السد العالي أصبح موضع تهديد.

أما الأردن فهي الأخرى فقدت حقها في مياه غور الأردن بشكل خارج عن إرادتها أو لعدم رغبتها في الاشتباك سياسياً أو قانونياً مع الاحتلال، قام الكيان الصهيوني بسحب المياه وتحويل مسارها إلى مناطق أخرى واستبدالها بمياه الصرف الصحي. ولم تعد الأردن تتحدث عن حقها في غور الأردن، ولم يعد بإمكان وسائل الإعلام أن تتحدث عن هذه المسألة.

لم يعد خافياً أن توقيع الأردن اتفاقية وادي عربة قد شرعن الاحتلال الصهيوني لأجزاء من أراضيها، ولم تستعد بموجب الاتفاقية منطقة الباقورة أو المنطقة المحاذية لوادي عربة، بل إن الاتفاقية حمّلت الأردن أعباء اللجوء الفلسطيني، بينما تملَّص الكيان الصهيوني من هذه الأعباء.

لقد أضحى حديث سوريا عن استعادة هضبة الجولان أمراً غير مقبول، فتنازل نظام حافظ وبشار ضمنياً عن حق سوريا في الهضبة، ولم يتمكن حتى من الرد على الاعتداءات الصهيونية على بلاده، وكان على الدوام يردد الأسطوانة المشروخة «سنرد في الزمان المناسب والمكان المناسب»، حتى أضحت تلك الأسطوانة موضع سخرية لدى الجميع بمن فيهم الأطفال.

وماذا عن جنوب لبنان؟ إنه ما زال خاضعاً للاحتلال الصهيوني وتتم سرقة المياه منه وتحويلها إلى الأراضي المحتلة، ولم يعد اللبنانيون يذكرون الجنوب سوى من بعض الجعجعات التي يطلقها إعلام حزب الله الشيعي الذي لا يتحدث فقط إلا عن مزارع شبعا التي فشل في تحريرها وجرَّ لبنان إلى حرب مدمرة مع الاحتلال في يوليو 2006م.

أما التطبيع فلسطينياً؛ فالحديث عنه يطول كثيراً، لكن يكفي المرور عليه سريعاً، لقد كانت الانتكاسة الأولى من عمليات التطبيع تتمثل في ضياع 78% من أراضي فلسطين ودخول م.ت.ف والسلطة الفلسطينية في مفاوضات على الـ22% المتبقية من فلسطين، وبرغم أن المفاوضات لم تنتهِ بعد؛ إلا أنها وصلت حتى الآن إلى صفر كبير  كما صرَّح القيادي في حركة فتح أحمد قريع. ومنذ تلك الفترة وحتى حينه قام الاحتلال بالسيطرة على 93% من أراضي الضفة الغربية على مرأى ومسمع القيادة الفلسطينية.

لقد كان التطبيع مشروطاً بالتنسيق الأمني ومحاربة المقاومة الفلسطينية تحت مسمى «محاربة الإرهاب» وفق ما نصت عليه اتفاقية أوسلو، وبالفعل عانت المقاومة الفلسطينية من السلطة والأجهزة الأمنية تماماً كما عانت من الاحتلال الصهيوني، ويكفي القول إن السلطة حجَّمت دور المقاومة في الضفة الغربية ذات الجغرافيا العسكرية الأنسب لانطلاق عمليات المقاومة والتحرير.

من الطبيعي جداً طالما ارتبط العرب والفلسطينيون بالتطبيع أن يجرِّموا المقاومة الفلسطينية وعلى النقيض تماماً أن يعفوا الاحتلال من مسئولياته القانونية تجاه الفلسطينيين، ولعل المثير للاشمئزاز ما ذكره وزير الخارجي المصري حين رفض وصف العمليات العسكرية لقوات الاحتلال الصهيوني التي ينتج عنها قتلى من الأطفال الفلسطينيين بأنها عمليات إرهابية.

تجرَّع الفلسطيني نتيجة للتطبيع مرارة العيش، فهو يعيش في حصار مفروض على غزة منذ 10 سنوات، ولا يتمكن الفلسطيني من السفر عبر معبر رفح البري بحجة الالتزام باتفاقيات مع الكيان الصهيوني، كذلك لا يستطيع كثير من الغزيين الحصول على وثيقة عدم ممانعة من الأردن بدعوى أنهم مرتبطون بالمقاومة، هذا بجانب المضايقات الكثيرة التي يتلقاها الغزيون المسافرون عبر الأردن.

وأخيراً، التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني هو حالة استثنائية لا يمكن لها أن تدوم، خاصة وأن الكيان الصهيوني كيان منبوذ في محيط متجانس ولا علاقة له بالإرث الحضاري العربي أو الإسلامي، وبالتالي يمكن في لحظة ما أن تتغير المعادلة السياسية العربية لصالح الوقوف مع الفلسطينيين ضد الاحتلال.

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.