إن الناظر في ساحات المسلمين اليوم ليهوله مشهد الفوضى الكبرى، التي تغلب على أفراد الأمة في مجابهتهم للحياة ومصاعبها، وفي سعيهم لاستئناف الحياة الراشدة، ومحاولة العودة إلى ريادة الأمم، حيث تعاظم الارتجال وغاب التخطيط، وسادت عقلية القفز على السنن الربانية، التي وضعها الله في الكون، حتى صار من المألوف مشاهدة الساعي لرفعة الأمة، يحاول العمل على ذلك دون وعي يبصِّره المعالم الهادية في خط سيره، ودون استرشاد يسدد خططه، وقد تراكم هذا الأمر عبر العقود الماضية، حتى صار الأصل الثابت في واقعنا.

وبرغم التطور المادي والتقني الهائل الذي وصلت إليه حضارة اليوم، إلا إن الأمة أهملت ما أتيح لها من وسائل تواصل واتصال متطورة، وأدوات معرفة متاحة على نطاق غير محدود، مع ما ينضاف إلى ذلك من توفر كفاءات على قدر كبير من العلم والحرفية والمهنية، وثروات طبيعية وموارد مالية ضخمة، حيث كان من الممكن بناء حضارة حقيقة في بضعة عقود لو أحسن رجالها استغلالها.

ولا يجب أن يُفهم من هذا أن الغاية القصوى من هذه الكلمات هي الوصول إلى بناء مدن كبيرة، وناطحات سحب عملاقة، والتسابق مع الأمم الأخرى في الكماليات وثقافة الرفاهية، والتباهي بين الشعوب بالاستثمار في الحجر؛ بل إن المقصود الحقيقي هو بناء الإنسان، الذي يعد رأسمال أي أمة تريد البقاء والاستمرار والسيادة، وهو أمر جلل قلّ أن تكلل الجهود فيه بالنجاح إن تنكبت الطريق الصحيح، الذي سنه الله تعالى لهذه الحياة.

لأجل هذا كله كان على المفكرين والمنظرين لمسيرة إعادة الأمة إلى مركز القيادة الحضارية للعالم:

 أولاً: التنبيه المستمر على خطورة إضاعة الجهود في خطط غير مدروسة، لا تراعي قوانين التاريخ، ولا تهتم بعوامل بناء وفناء الحضارات، وفواعل النهوض.

ثانياً: الإصرار على إيجاد العقل المسلم المنهجي في نظراته للأزمات المختلفة، والمنهجي في التعاطي مع رسم الحلول، والمنهجي في وقوفه مع فواعل النهضة، ذلك العقل المبني على الرؤية المؤسسة المتبصرة والبعيدة عن العشوائية الشفوية.

 ولأن السيرة النبوية هي المرجع العملي الأول للمسلمين، فقد كان من الواجب استئناف مسيرة البناء منها؛ باعتبارها النموذج الحضاري والتاريخي الأول والأمثل لأمة الإسلام.

في مركب السنة والسننية:

لقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم  إنسان السنن الكونية، وعلَّم الصحابة الأخذ بها، حتى في أحلك الظروف، وأشد الأوقات، والتي لشدتها وقوتها ذكّرهم الله بها امتناناً عليهم بأن نجاهم منها وبدّل حالهم من الضعف إلى العزة، فقال سبحانه: {وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26]، فقد كان الرعيل الأول من الصحابة يعيشون بين مطارد أو معذب أو مسجون، وكانت المرحلة المكية مرحلة ضعف لا قوة، فترة صعبة وحرجة جداً في عمر الدعوة، ما ينفي ابتداء وانتهاء كل محاولة لضرب هذا المنهج باسم الواقع المأساوي الذي نعيشه اليوم.

لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم  قواعد واضحة في كيفية التعامل مع السنن الكونية والتلبس بها، حتى رسخت لديهم رسوخاً تاماً، وكانت الحكمة النبوية من ذلك إخراج الصحابة من ذهنية التعامل مع الحياة بمزاجية واستسهال، لحداثة عهدهم بعصر الجاهلية، حيث كان التخبط والفوضى سمة عرب الجاهلية، إلى عقلية فذة، إسمنتها الإيمان الصلب، وبصيرتها الوقوف على سنن الله الكونية، وقوتها في الارتباط بالمدد الغيبي الرباني، حتى يُعدّهم للمسيرة الطويلة، التي ستغير التاريخ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وأمثلة ذلك كثيرة، غير أننا سنذكر مثالاً مغيباً، برغم أنه الأصل في هذا الباب على الأقل على ضوء السيرة النبوية الكريمة:

أخرج البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»، لقد ظن خباب رضي الله عنه أن كون الإنسان على الحق أمر كاف للتغلب على الباطل وأنصاره، وأن كون الإنسان مظلوماً أمر كفيل بحسم المعركة لصالحه، فعاتبه عليه الصلاة والسلام على هذا الفهم، وعلّمه أن النصر والتغيير لا يمكن أن يأتي إلا وفق سنن الله تعالى في الكون، والتي منها المغالبة والصبر على كل أنواع المشاق، التي يسببها السير في طريق التغيير والإصلاح، لقد كان هذا الموقف النبوي دعوة للصحابة لاكتشاف عالم السنن الكونية، بالإشارة إلى أحد معالمها، مع الحرص على تجسيد فهمها على الواقع، وقد نجح الصحب الكرام في اكتشافها والتلبس بها، بل إن استقراء سيرة مواقفهم بعد هذه الحادثة، يكشف ثباتهم على هذا المنهج، بل لا توجد بعد هذه الحادثة شكوى مماثلة من مضايقة الكفار لهم، وإنما مواقف يتضح منها رسوخ نفوسهم في فقه السنن الكونية، واستشرافها والدوران معها تكيفاً واستغلالاً وانسجاماً، مع التعلق بموعود الله للمتقين الصابرين بالتمكين: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

خباب ومنهج السننية:

إن لهذه الحادثة مغزًى عظيماً، بسبب ما أحاط بها من أحداث وظروف ووقائع، فقد كان زمانها بداية الدعوة، حيث كان عدد المسلمين قليلاً جداً، وغير كاف لمواجهة التحديات الكبيرة التي كانت تهدد وجودهم، ومكانياً فقد كانت وقائع القصة في مكة وقد كانت وقتها مركز الجاهلية التي عمّت الجزيرة العربية، وكان يسكنها صناديد الطغيان وعتاة الإجرام، وأما خباب فيكفي أن نعلم أنه لم يشتك استبطاء النصر لعجلة في نفسه أو لأنه مل حالة رخاء لم يعرفها، بل لأنه لاقى أشد أنواع العذاب على يد كفار قريش، فقد كانوا يضعونه على بطنه فوق الرمال الحارقة، ويعمدون إلى حجارة حامية جداً، قد أوشكت على التفجر من شدة حرها، فيضعونها على ظهره حتى تخرقه وتنطفئ فيه.. لقد كان مشهداً مروعاً ومتكرراً في حياته، وفي حياة رفاقه من الصحابة الكرام، ما جعله رضي الله عنه يقصد النبي صلى الله عليه وسلم  ليستنصر لأصحابه، بعد أن اشتد عليهم العذاب من أعداء الرسالة الخاتمة، وضعفوا عن تحمله لقلة عددهم، وضعف حيلتهم.

ويترتب على ما سبق مجموعة من العبر الخالدة، التي تصلح أن تكون مادة من مواد بناء الإنسان، وتفيد المتطلع إلى الإمساك بفقه البناء، والتلبس بقيمه الضابطة لمسيرته.

لماذا تنكبنا الهدي النبوي في بناء الإنسان؟

لكن بفعل ما يلاقيه الكثيرون من صعوبات متراكمة في التعامل مع التدفق العالي لوقائع الحياة، والسيل الهائل من المتغيرات التي تجتاح تصوراتهم؛ بسبب انفتاح التعامل اليومي للفرد على عالم سريع التغيرات، شديد التعقيدات، سريع التقلبات، كثير المفاجآت، ومع ما تمر به الأمة من محن متتالية لم تفارقها منذ عقود طويلة، وقع الكثير من المسلمين في استعجال تغير الحال، وتركوا التخطيط والصبر في التنفيذ، وعششت المزاجية محل البصيرة التاريخية، فكان أن فشلت الكثير من الجهود في بلوغ هدفها، بل إن بعض تلك المجهودات آتت نتائج عكسية أعادت الأمة إلى المربع الأول، وقد تكرر الأمر، حتى دخل الشك في قلوب العاملين لعودة الأمة إلى رشدها الحضاري ودورها التاريخي، وتوالت الأسئلة التي تعبر عن الحيرة في فهم أسباب الإخفاق والفشل، لذلك كانت إعادة إحياء فقه السنن الكونية واجباً على الأمة وفرضاً مقدساً، فهي هدي نبوي دائم وثابت، يحدد المعالم الهادية للمصلحين والمجددين، وفيه أسرار بناء الأمم، وتشييد الحضارات، وصناعة الإنسان.

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.