{إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ}

قد نقل لي بعض الإخوان صورة مفزعة عن بعض من قابلوه من الشباب أو سمعوه ورأوه في بعض مواقع الشبكة العنكبوتية؛ من ظهور مواقف إلحادية تشكيكية تتبناها قلة من شباب الأمة خلت قلوبهم من معرفة الله - عز وجل - وتعظيمه ومعرفة أسمائه وصفاته الحسنى، ووافق ذلك هوى في النفوس أفرز لديهم بعض الشكوك والامتراء في بعض أصول الإيمان الستة (الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر)؛ وإبراء للذمة، ونصحاً لمن وقع من شباب الأمة في هذه الملمة أود تسجيل التقريرات الآتية:

التقرير الأول:

أنصح في هذا التقرير من وقع في هذه الآفة الخطيرة أن يشعر أولاً بخطورة ما هو فيه، وأنه أمر كارثي، نهايته العذاب السرمدي يوم القيامة إن لم يتوبوا ويعرفوا لله قدره وتعظيمه. إنهم بذلك إنما يضرون أنفسهم، والله غني عنهم وعن عبادتهم وأعمالهم، ولن يضروا الله شيئاً، وأذكرهم بقوله تعالى: {إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [الزمر: ٧]، وكذلك قوله سبحانه عن أنبيائه عليهم السلام: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } [الأنعام: 89]، وقوله سبحانه: {وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } [النمل: 40]. كما أذكرهم بقوله صلى الله عليه وسلم  في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه سبحانه: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً» رواه مسلم.

التقرير الثاني:

باستقراء أحوال كثير من هؤلاء الذين مرضت قلوبهم وثارت فيها الشكوك والاعتراضات والشبهات فأصغوا إليها واقترفوا بسببها ما هم مقترفون، نجد أن أغلبهم وباعتراف بعضهم قد مروا في حياتهم الاجتماعية بأمراض وظروف نفسية من القلق والاكتئاب، اضطرب بسببها تفكيرهم وتشوشت بها عقولهم وفطرهم، وبدلاً من أن يعالجوا هذه الأمراض النفسية من جذورها راحوا يسقطون معاناتهم على التشكيك في مسائل الإيمان والغيب، واستغل الشيطان الرجيم ضعفهم هذا، فأزهم إلى هذه الشكوك والشبهات أزاً، وزينها لهم في عقولهم المشوشة، وإلا فإنه لا

 يمكن أن يوجد سوي في عقله وتفكيره وفطرته ونفسيته ثم يميل إلى هذه الأمراض والشكوك؛ لأن الله  قد أودع في الفطر والعقول السوية السليمة معرفته سبحانه وتعظيمه ومحبته وعبادته: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 30} [الروم: 30].

وقد ذكر الله سبحانه في كتابه الكريم وفي أكثر من آية أن كل من كفر فإنه قد ألغى عقله؛ لأن العقل السليم يهدي إلى الله، قال سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12]، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج: 46].

التقرير الثالث:

إن أصل الأصول في أركان الإيمان: الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فإذا استقر هذا الإيمان في القلب لزم عليه الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر وأخباره كلها والإذعان لأحكامه كلها قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: ٥١١]، أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.

والمقصود أن الإيمان بالله هو أصل الأصول، وبتحقيقه تتحقق بقية الأصول والأحكام ولذا ففي هذا التقرير سيكون التركيز على إثبات وجود الله عز وجل، وأنه الخالق لكل شيء المتفرد بالربوبية والألوهية وكمال الأسماء والصفات وبقية الأركان تابعة لذلك.

فأقول وبالله التوفيق:

إن الإيمان بوجود الله وتفرده بالخلق والأمر هو أمر مستقر في القلوب والفطر السليمة، ولا يجادل في ذلك إلا من فسدت فطرته، واضطرب عقله بمؤثرات خارجية، بل إن الذين يجادلون في ذلك يشعرون بصراع داخلي بين الفطرة والعقل وبين أهوائهم كما قال عنهم الله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُفْسِدِينَ 14} [النمل: 14]، ولذلك لن نطيل الكلام في إثبات أمر تدل عليه الفطرة والعقل والحس والسمع، وأكتفي بما قاله الله تعالى وهو يخاطب عقول الجاحدين وذلك في بضع كلمات بينات: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ 35 أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: 35 - 36].

جاء في صحيح البخاري أن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ} كاد قلبي أن يطير. أي: لظهور الحق ووضوح بطلان الباطل. وتكفينا هذه الآية حجة عقلية على الملاحدة والدهريين، ولا حاجة لنا بعدها إلى كلام أهل الفلسفة والمنطق في ردهم على الملاحدة بواجب الوجود وممكن الوجود وغير ذلك من فلسفة أهل الكلام وسفسطاتهم.

إن الله عز وجل يخاطب عقولهم إن كان لهم عقول يفقهون بها، ويوقفهم أمام سؤالين كبيرين ليجيبوا عليهما جواباً صريحاً مقنعاً لمن يحترم عقله وفطرته وإنسانيته.

فأما الأول: فقوله سبحانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ}؟ أي: أخُلقوا وخُلق هذا الكون من حولهم بنظامه الدقيق من غير خالق مريد عالم قادر حكيم وإنما بمجرد الصدفة والموافقة العمياء تشكل هذا الخلق العظيم الدقيق المنتظم في الآفاق والأنفس؟!

وأما الثاني: فقوله سبحانه: {أَمْ هُمُ الْـخَالِقُونَ}؟ أي: إذا كانوا لا يقولون بأن هذا الخلق المنتظم المتناسق الذي تبرز فيه الحكم الباهرة لا يمكن أن يكون بغير خالق فهل هم إذن الذين خلقوا أنفسهم والكون من حولهم؟! وهذا ما لم يقل به أو يدعيه أحد من الخلق لا في القديم ولا في الحديث، إذ كيف يخلقون أنفسهم وقد كانوا عدماً؟ إذن بقي السؤال الأول والجواب عليه حيث يتبنى بعض المتكبرين المكابرين أن هذا الخلق وجد هكذا بالصدفة من غير خالق. وأقسم بالله غير حانث أن هذا الفريق من الملاحدة غير صادقين وغير مقتنعين بما يجادلون به، إذ كيف يكون هذا الكون العظيم بنواميسه ونظامه الدقيق وبما فيه من الحكم الباهرة التي لا تصدر إلا من خالق عظيم مريد عالم قادر حكيم كيف يكون هذا بمحض الصدفة والموافقة؟! بل لو نظروا إلى أنفسهم وعجائب خلقتها وما فيها من الأجهزة والأعضاء والأعصاب والعروق والعظام التي ركبها الله بحكمة وانتظام في عمل دؤوب دقيق، هل كل هذا الخلق العظيم في الآفاق والأنفس جاء بمحض الصدفة؟!

إنك لو قلت لهؤلاء القوم في مخلوق صغير من صنع الإنسان كصنع سيارة أو طائرة أو سفينة إن هذه السيارة أو الطائرة أو السفينة خرجت علينا بمحض الصدفة فتركب هيكلها ومحركاتها وربط بعضها ببعض وربطت أسلاكها بمصدر الطاقة فيها، كل ذلك تكون أمامنا بمجرد الصدفة ومن نفسها بنفسها من غير صانع، لو قلت لهم ذلك لسفهوا عقلك وردوا مزاعمك، فما بالهم ينكرون هذا في صنع صغير من صنع البشر، ولا ينكرون ذلك في مخلوقات الله العظيمة؟! إنه الهوى والمماحكة وإغواء الشيطان وهوى النفس.

وأنقل هنا وبهذه المناسبة كلاماً مفيداً للمقام في مناظرة جرت بين ملحد حيران وبين عالم من علماء المسلمين وهي مناظرة طويلة لكني هنا أنقل كلام الشيخ لهذا الحيران في موضوع الصدفة وأنها متهافتة ساقطة من أصلها عقلياً وعلمياً وشرعياً.

قال الشيخ: «إن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانيات المتكافئة المتزاحمة فكلما قل عدد الأشياء المتزاحمة ازداد حظ المصادفة من النجاح وكلما كثر عددها قل حظ المصادفة. فإذا كان التزاحم بين شيئين اثنين متكافئين، يكون حظ المصادفة بنسبة واحد ضد اثنين، وإذا كان التزاحم بين عشرة يكون حظ المصادفة بنسبة واحد ضد عشرة، لأن كل واحد له فرصة للنجاح مماثلة لفرصة الآخر، بدون أقل تفاضل طبعاً.

وإلى هنا يكون الحظ في النجاح قريباً من المتزاحمين حتى لو كانوا مائة أو ألفاً ولكن متى تضخمت النسبة العددية تضخماً هائلاً يصبح حظ المصادفة في حكم العدم، بل المستحيل. ذلك لأنه إذا اتفق لصبي أعمى أن سحب من صندوق فيه عشرة أوراق مرقمة: الرقم (1)، قلنا إن حظ المصادفة للرقم (1) تغلب على الأعداد الأخرى المتزاحمة معه بنسبة واحد ضد عشرة، وأما إذا اتفق أنه سحب العددين (1 و2) بالتتابع قلنا إن حظ المصادفة للعدد الثاني هو بنسبة واحد ضد مئة؛ لأن كل رقم من العشرة يزاحم للرتبة الثانية ضد عشرة فيصبح التزاحم بين مئة، وإذا اتفق أن سحب الصبي الأعمى الأوراق الثلاث (1 و2 و3) على التوالي قلنا إن حظ المصادفة بنسبة (واحد ضد الألف)؛ لأن كل رقم من العشرة يزاحم ضد مئة، وهكذا فإذا افترضنا أن الصبي سحب الأوراق العشرة على ترتيب أرقامها فإن حظ المصادفة يصبح بنسبة واحد ضد عشرة مليارات».

ثم قال الشيخ للشاب الحيران: «سأنقلك إلى ترتيب آخر في شكل آخر وأعداد أكثر:

لو فرض أنك تملك مطبعة فيها نصف مليون حرف مفرقة في صناديقها، فجاءت هزة أرضية قوية قلبت صناديق الحروف على بعضها البعض وبعثرتها وخلطتها، ثم جاءك منضد الحروف ليخبرك أنه قد تألف من اختلاط الحروف بالمصادفة عشر كلمات متفرقة غير مترابطة المعاني، فهل كنت تصدق؟

حيران: نعم أصدق.

الشيخ: ولكن لو قال لك إن الكلمات العشر تؤلف جملة كاملة مفيدة، فهل كنت تصدق؟

حيران: استبعد ذلك جداً كما استبعدته في مثال الورقات العشر السابق ذكره، ولكني لا أراه مستحيلاً.

الشيخ: ولكن لو أخبرك أن حروف المطبعة بكاملها كونت عند اختلاطها بالمصادفة كتاباً كاملاً من (500) صفحة ينطوي على قصيدة واحدة تؤلف بمجموعها وحدة كاملة مترابطة متلائمة منسجمة بألفاظها وأوزانها وقوافيها ومعانيها ومغازيها فهل كنت تصدق ذلك يا حيران؟

حيران: أبداً لا أصدقه يا مولاي.

الشيخ: ولماذا لا تصدقه يا حيران؟

حيران: لأني هنا أجد الاستحالة بديهية حقاً.

الشيخ: ولماذا يا حيران؟

حيران: لا أدري يا مولاي، ولكني عندما أتصور أن الورقات العشر ألقيت على ترتيب أرقامها بالمصادفة، لا أجد وجه الاستحالة واضحاً وبديهياً كما أجده في مثال الكتاب.

الشيخ: أتدري ما هو السبب في ذلك يا حيران؟

حيران: كلا يا مولاي.

الشيخ: السبب يرتكز على قانون المصادفة نفسه، فالتزاحم بين الورقات المرقمة يجري بين عشر ورقات على عشرة ترتيبات، فيجعل حظ المصادفة بنسبة واحد إلى عشرة مليارات. وهذه النسبة، على تفاوتها الكبير، ليست من العظم بحيث تحدث لك في عقلك تلك البداهة في إدراك الاستحالة، ولكن التزاحم بين حروف الكتاب يجري بين (500) ألف حرف على تكوين (125) ألف كلمة تقريباً بأشكال وترتيبات لا تعد ولا تحصى، وهذا ما يجعل حظ المصادفة بنسبة واحد ضد عدد هائل جداً جداً لو قلت عنه إنه مليار مليار مليار مليار لكان قليلاً...

هذا في كتاب المطبعة وكلماته المعدودة المحدودة يا حيران، فما قولك في كتاب الله الأعظم، وكلماته التي يقول عنها جلت قدرته: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، ويقول: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [لقمان: 27]؟

حيران: هل تعني يا مولاي بكتاب الله القرآن وما فيه من كلمات؟

الشيخ: أرجو أن يكون فهمك للقرآن أسمى من هذا وأعمق يا حيران، فكلمات القرآن التي بين دفتي المصحف معدودة محدودة، فلا يعقل أن تحتاج كتابتها إلى مداد ينفد به ماء البحار، ولا إلى أقلام تنفد بها أشجار الأرض.

حيران: هذا والله ما كنت أقوله في نفسي.

الشيخ: كلا يا حيران. وإنما عنيت بكتاب الله هنا العالم كله، وعنيت بكلمات الله، كما أراد الله كل ما في ملكوت السموات والأرض من شيء محسوس من عالم الخلق، أو معقول من عالم الأمر، والذي لم يخلق إلا بكلمات ربي، وكيف تنفد كلمات ربي يا حيران، وكل ذرة من مياه البحار وأشجار الأرض إنما تمت بكلمات ربي؟ بل كل ما في الكون من ذرات وعناصر ونظم وقوانين ونواميس، ونسب وروابط وعلائق، وأقدار وأحجام وأوزان، ومدد وأوقات وأزمان، وصور وأشكال وألوان، وحركات وسكنات وأوضاع، وأجناس وأصناف وأنواع، كلها تمت بكلمات ربي...

ثم تعال وتدبر في «العلم والقرآن» بعض ما في هذا العالم من تقدير، واتزان، وتنظيم، وترتيب، وإحكام، وإتقان، لنعرف ما هو حظ المصادفة في تكوينه!

وصدق الله تعالى إذ يقول: {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر: 49]، ويقول سبحانه: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: ٢]، وقوله سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [الرعد: ٨][1].

وبذلك تظهر تفاهة وسخافة عقول القائلين بأن هذا الكون في دقته وعظمته المتناهية وما فيه من الحكم الباهرة إنما كان ذلك بمحض الصدفة والموافقة! ووالله إنهم ليعلمون أنهم كاذبون متناقضون، ولكنهم هاربون من الله - عز وجل - فماذا بعد الحق إلا الضلال، ولذلك رجع كثير من ملاحدة الفلاسفة عن القول بمبدأ المصادفة في خلق هذا الكون العظيم، وذلك عندما سفه الناس عقولهم، ووجدوا أنفسهم متناقضين مضطربين، ولكنهم وبدلاً من أن يفروا إلى الله ويتوبوا إليه ويؤمنوا بوجوده وعظمته وصفاته العظيمة وأنه خالق كل شيء فيعبدوه ويوحدوه اخترع لهم الشيطان فكرة خبيثة، فقالوا: إن لهذا الكون خالقاً مختاراً مريداً قادراً حكيماً عليماً، ولكنهم لما كانوا هاربين من الله نسبوا هذه الصفات من الخلق والقدرة والحكمة والإرادة إلى ما يسمونه بالطبيعة، فهي التي صدر عنها هذا الخلق العظيم البديع بزعمهم، وهنا نقول لهم: وماذا تقصدون بالطبيعة؟ هل هي عاقلة مريدة حكيمة عالمة قادرة؟ لأن هذا الكون العظيم لا يخلقه إلا من له هذه الصفات العظيمة. فإن قالوا: نثبت لهذه الطبيعة الخالقة هذه الصفات، ولابد حينئذ أن نقول: إن هذه بعض صفات الله الحسنى، فاتركوا كلمة «الطبيعة» وقولوا: «الله». ولكنهم هاربون من الله - عز وجل - فكلما حوصروا بأدلة وحدانية الله وتفرده بالخلق والإحياء والإماتة والتدبير هربوا منها ونسبوا ذلك إلى غير الله، قال سبحانه: {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [الأعراف: 186]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [الصف: ٧].

وكفى بهذا الإعراض والتكبر ظلماً وعتواً وعدواناً، والجزاء من جنس العمل.

التقرير الرابع:

إذا استقر الإيمان بالله في القلب وأنه المتفرد بالربوبية والألوهية والأسماء الحسنى والصفات العلى، وعرف العبد ربه المعرفة التي يعرف بها عباده في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  دخل الإيمان والسعادة من بابها وأساسها، ووجد العبد نفسه مؤمناً منقاداً لبقية أصول الإيمان وأركانه، حيث إن من مقتضيات الإيمان بالله - عز وجل -: تصديقه في أخباره، والإذعان له في أحكامه، ومن أخباره سبحانه في كتابه: ما أخبر به عن ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، فلزم من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به عن نفسه من الأركان الخمسة الباقية، ومن كفر بشيء منها كفر بالله؛ لعدم تصديقه في أخباره، إذاً فالإيمان بالله -عز وجل- هو أصل الأصول، وبابها الذي يدخل منه على الإيمان ببقية الأركان والأصول، ولكن قد تجول في القلب عند بعض المتأثرين بشبهات خصوم هذا الدين بعض الشبهات حول رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم  وحول القرآن وأنه من كلام محمد صلى الله عليه وسلم  وليس من عند الله - عز وجل - وهذه الشبهة ساقطة من أصلها عند من آمن بالله وأنه عظيم قادر حكيم عادل رحيم له الأسماء الحسنى، وقد فند هذه الشبهة أهل العلم في القديم والحديث من وجوه كثيرة وهذه الشبهة لا تستحق الرد كما قال الشاعر:

وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

 وأكتفي بجواب واحد على هذه الشبهة أنقله من كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - حين يقول:

«وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذبكم محمد صلى الله عليه وسلم  قد شتمتم الله أعظم شتيمة. فعجب من ذلك وقال: مثلك يقول هذا الكلام؟ قلت له: اسمع الآن تقريره: إذا قلت إن محمداً ملك ظالم قهر الناس، وليس برسول من عند الله، وقد أقام ثلاثاً وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله، وأرسله إلى الخلق كافة، ويقول: إن الله أمرني بكذا، ونهاني عن كذا، وأوحى إلي كذا، ولم يكن من ذلك شيء، ويقول إنه أباح لي سبي ذراري من كذبني أو خالفني ونساءهم غنيمة وأموالهم وقتل رجالهم، ولم يكن من ذلك شيء، وهو يدأب في تغيير دين الأنبياء ومعاداة أممهم ونسخ شرائعهم، فلا يخلو: إما أن تقول إن الله سبحانه كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقول إنه خفي عنه ولم يعلم به. فإن قلتم لم يعلم به نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان من علم ذلك أعلم منه، وإن قلتم بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه، فلا يخلو: إما أن يكون قادراً على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادراً فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادراً وهو مع ذلك يعزه وينصره ويؤيده ويعليه ويعلي كلمته ويجيب دعاءه ويمكنه من أعدائه ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلاً عن رب الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه، وهذه عندكم شهادة زور وكذب. فلما سمع ذلك قال: معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق، من اتبعه أفلح وسعد. قلت: فما لك لا تدخل في دينه؟ قال: إنما بعث إلى الأميين الذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتبعه. قلت له: غُلبت كل الغلب، فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق، وأن من لم يتبعه فهو كافر من أهل الجحيم، وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، وإذا صحت رسالته وجب تصديقه في كل ما أخبر به. فأمسك ولم يحر جواباً»[2].

التقرير الخامس:

في هذا التقرير أتوجه بالنصح لكل من وقع في شيء من هذه الوساوس والشكوك بالنصائح التالية:

النصيحة الأولى: الجأ إلى الله واسأله وتضرع إليه في أوقات الإجابة إلى أن يهديك ويثبتك على دينه، وأكثر من الاستعاذة والاستجارة بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم.

النصيحة الثانية: تأمل ما ورد في التقارير السابقة بعقل متزن غير مشوش، فلعل الله أن يهديك بسببها.

 النصيحة الثالثة: قاطع مجالس أهل الشبهات ومواقعهم وكتبهم وابتعد عنها، فكم كانت سبباً في زيغ القلوب قال الله - تعالى -: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْـمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } [النساء: 140].

النصيحة الرابعة: اعلم أن نعيم الروح وسعادتها في الدنيا والآخرة هو في الإيمان وعبادة الله وحده لا شريك له، وأن التعاسة والشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة لمن أعرض عن الله والإيمان به، والواقع يشهد بذلك، فلقد صرح كثير ممن يعيشون هذه الخواطر الرديئة بأنهم يعيشون في عذاب وعناء وشقاء لا يعلمه إلا الله، وأنقل بهذه المناسبة وصية الشيخ الذي سبق ذكرها في مناظرة الشاب «حيران»، وانتهت بإيمان الشاب وهدايته، يتحدث فيها عن نعمة الإيمان فيقول:

«اعلم أن الإيمان بالله حق وحاجة وضرورة، فأما أنه حق فقد عرفته مما حدثتك به في تلك الليالي الطوال التي عشتها معي، وأما أنه حاجة وضرورة فإنك تعلم يا حيران حين تدرك ويدرك المؤمنون والملحدون قاطبة على السواء أن الإيمان بالله هو أس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزائم في الشدائد، وبلسم الصبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة بالحظوظ، ونور الأمل في الصدور، وسكن النفوس إذا أوحشتها الحياة، وعزاء القلوب إذا نزل الموت أو قربت أيامه، والعروة الوثقى بين الإنسانية ومثلها الكريمة...

وبدون الإيمان نكون أسوأ حظاً في الحياة، وأدنى رتبة في سلم المخلوقات من أذل البهائم وأضعف الحشرات وأشرس الضواري، فالبهائم تجول كما نجول، ولكنها في نجوة من هم الرزق، وخوف الفقر، وكرب الحاجة، وذل السؤال.

وهي تلد كما نلد، وتفقد أولادها كما نفقد، ولكنها في راحة من هلع المثكلة، وجزع الميتة، وهم اليتامى المستضعفين...

وهي في أجسادها تلذذ كما نتلذذ، وتألم كما نألم، ولكنها في راحة مما يأكل القلوب، ويقرح الجفون، ويقض المضاجع، ويقطع الأرحام، ويفرق الشمل، ويخرب البيوت، من المهلكات كالحسد والكذب والنميمة والفرية والقذف والنفاق والخيانة والعقوق وكفر النعمة ونكران الجميل.

وهي تعرف بنوع من الإدراك ما يضرها وما ينفعها، ولكنها في نجوة من أعباء التكليف، وأثقال الأوزار، ومضض الشك، وكرب الحيرة، وعذاب الضمير.

وهي تمرض كما نمرض، وتموت كما نموت، ولكنها في راحة من التفكير في عقب المرض، وفراق الأحباب، وسكرات الموت، ومصير الموتى وراء القبور..

والضواري تسفك الدماء لتشبع بلا سرف، ولكنها لا تسفكها أنفاً ولا جنفاً ولا صلفاً ولا ترفاً ولا علواً في الأرض ولا استكباراً.

أما هذا الحيوان الفيلسوف الضعيف الهلوع الجزوع المطماع المختال الفخور المترف المتكبر المتجبر السافك للدماء الذي لا يأتيه شقاء الحياة أكثر مما يأتيه إلا من تفكيره، فإنه لا علاج لشقائه إلا بالإيمان، فالإيمان هو الذي يقويه، وهو الذي يعزيه، وهو الذي يسليه، وهو الذي يمنّيه، وهو الذي يرضيه، وهو الذي يجعله إنساناً يسعى إلى مثله الأعلى لتسجد له الملائكة. من دون هذا الإيمان يكون هذا الإنسان المسكين أتعس الخلائق، وأسوأها حظاً، وأعظمها شقاءً وأشدها بلاء، وأحطها رتبةً، وأرذلها مصيراً»[3].

النصيحة الخامسة: تأمل معي وتدبر هذه الآيات الكريمات التي تهز القلوب الحية، ولو أنزلت على جبل لرأيته خاشعا متصدعاً:

قال الله - عز وجل -: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 28]، وقال تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37]، وقال سبحانه: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [فصلت: ٩].

وأختم هذه الآيات بآيات من سورة آل عمران، تزلزل القلوب، وتهدد من أصرّ على ضلاله وعناده بعد أن بانت له الحجج والبينات ثم لم يهتد واتبع هواه، وأن الله - عز وجل - قد يحول بينه وبين التوبة والهداية عياذاً بالله تعالى:

قال الله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ 86أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْـمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ 87 خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ 88 إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 89 إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ 90 إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 86 - 91].


 

 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.


[1] قصة الإيمان. نديم الجسر. ص293-297، باختصار وتصرف يسير.

[2]  هداية الحيارى ص 1/87، 88.

[3] قصة الإيمان ص 439-441 باختصار.