يقوم منهج الاستدلال عند أهل السنة والجماعة على القواعد التالية:

1- يعتمد أهل السنة في تلقي الاعتقاد على الكتاب والسنة؛ وذلك لأن العقيدة توقيفية؛ فلا تثبت إلا بدليل من الشارع، ولا مجال فيها للرأي والاجتهاد، قال شارح الطحاوية: «الواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولاً، أو يحمله شبهة أو شكاً، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول»[1]

2- قبول كل ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم  والاحتجاج به سواء أكان متواتراً أم آحاداً، وسواء كان في العقائد أو في الأحكام، خلافاً لجمهور المتكلمين الذين يردون أخبار الآحاد في الاعتقاد، قال شارح الطحاوية: «خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملاً به وتصديقاً له يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع»[2]، وقال الشافعي: «إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا نترك لرسول الله حديثاً أبداً»[3]. وحكى الإجماع على ذلك الإمام ابن عبد البر حيث يقول: «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافاً»[4]. وقال الخطيب البغدادي: «وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين، في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك ولا اعتراض عليه، فثبت أن من دين جميعهم وجوبَه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه»[5].

3- إيمانهم بجميع نصوص الكتاب والسنة، فيؤمنون بالنصوص كلها، ويردون المتشابه إلى المحكم، والمجمل إلى المبين، ويجمعون بين نصوص الوعد والوعيد والنفي والإثبات، والعموم والخصوص، ويقولون بالنسخ في الأحكام ونحو ذلك، ولا يأخذون ببعض الوحي ويردون بعضه كشأن المرجئة الذين أخذوا بنصوص الوعد دون نصوص الوعيد، وكحال الخوارج الذين أخذوا بنصوص الوعيد دون نصوص الوعد، وأمثالهم.

وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - أن لأهل البدع طريقين في رد السنن؛ أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن، الثاني: جعلهم المحكم متشابهاً ليعطلوا دلالته، ثم قال: «وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضاً، ويصدق بعضها بعضاً، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره»[6].

4- اعتقادهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم  بلغ الدين كله أصوله وفروعه، وقد أكمل الله سبحانه لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} [المائدة: ٣]. وتركنا - صلوات الله وسلامه عليه - على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كما قال صلى الله عليه وسلم : «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»[7]. قال أبو الدرداء: «صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء»[8].

ولذا قال الإمام الشافعي: «فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها»[9]. ويقول ابن حزم: «قد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم  الدين كله، وبينه جميعه كما أمره الله تعالى»[10]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]. وهذا أمر معلوم من الإسلام بالضرورة «فإن هذا الأصل - أي بيان الرسول صلى الله عليه وسلم  للدين أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله - هو أصل أصول العلم والإيمان وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً»[11].

5- اعتمادهم على تفسير القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، ويعتمدون معاني لغة العرب؛ لأنها لغة القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له»[12]، ويردون ما يخالف ذلك من التحريفات الفاسدة الباطلة لنصوص الكتاب والسنة التي سموها تأويلاً لتروج وتقبل، قال ابن القيم: «فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد»[13].

وهذا التأويل الفاسد لنصوص الكتاب والسنة هو رأس الشرور وأساس ضلال من ضل عن الحق، وانحرف عن الصراط المستقيم، يقول ابن أبي العز: «وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية. فهل قتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين رضي الله عنه، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟!»[14].

6- اعتمادهم على تفسير الصحابة، وفهمهم للنصوص وأقوالهم وأعمالهم وآثارهم؛ لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهم أفضل الأمة وأزكاها، وعاشوا وقت تنزل الوحي وأعلم الأمة باللغة ومقاصد الشرع.

7- التسليم بكل ما جاء عن الله ورسوله، قال الإمام الشافعي: «آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله»[15]، وما اشتبه عليهم علمه أو علم كيفيته (كبعض نصوص الغيبيات والقدر) يسلمون به ويردون علمه إلى الله سبحانه وتعالى ولا يخوضون فيه، قال الإمام الطحاوي: «ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان»[16]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب عامته منصوص في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة.

وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قُبل، وإن أراد باطلا رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقاً ولم يُرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويُفسّر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك»[17].

8- التعبير عن حقائق الإيمان بالألفاظ الشرعية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن، أولى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه، والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع»[18] .

9- إيمانهم بأنه لا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، بل يصدق أحدهما الآخر ويشهد أحدهما بصحة الآخر، وما يتوهمه أهل الأهواء من التعارض بين العقل والنقل فهو من عجز عقولهم وقصورها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه»[19]، وقال شارح الطحاوية: «وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته - مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول - فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]»[20]. و«عمدة من يخالف السنة احتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله، وكان من إلقاء الشيطان»[21]. ولذا قال ابن القيم:

فإذا تعارض نص لفظ وراد

والعقل حتى ليس يلتقيان

فالعقل إما فاسد ويظنه الرائي

صحيحاً وهو ذو بطلان[22]

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع»[23].

10- الرجوع عند التنازع إلى الله ورسوله، قال تعالى: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } [النساء: 59]، «قال العلماء: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد موته هو الرد إلى سنته»[24].

قال الحافظ ابن كثير: «هذا أمر من الله عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة»[25]. وقال الإمام الشوكاني: «اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا [وهو القرن الثالث عشر منذ البعثة المحمدية] أن الواجب عند الاختلاف في أي أمر من أمور الدين بين الأئمة المجتهدين هو الرد إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم »[26].

11- نفي التعارض بين نصوص الكتاب والسنة، فلا يمكن أن تتعارض نصوص الشرع الثابتة، لأنها من عند الله، قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82]، يقول الإمام الشاطبي: «على الناظر في الشريعة... أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جارٍ على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف؛ لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه، فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسلِّم من غير اعتراض»[27].

وقال الإمام ابن القيم: «وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخاً للآخر، فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق»[28].

 خصائص أهل السنة:

1- أنهم «يؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس»[29]؛ لأنه «مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كافٍ لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل»[30].

2- «يقدمون هدي محمد صلى الله عليه وسلم  على هدي كل أحد»[31]، و«يتبعون آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم  باطناً وظاهراً»[32]، «فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه»[33]؛ فإن «البيان التام هو ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه أعلم الخلق بالحق وأنصح الخلق للخلق، وأفصح الخلق في بيان الحق»[34]، فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وكذلك سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، «ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله تبارك وتعالى، لم يقل أحد قط أن من أرسله الله يكذب عليه»[35]. «فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاءت به المرسلون؛ فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين»[36].

3- يعتمدون على الإجماع، ويعدونه «الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين»[37]، «والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة»[38]، «ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نصٌّ»[39]؛ «فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة»[40].

4- ومن خصائصهم أنهم «يزِنون بهذه الأصول الثلاثة [الكتاب والسنة والإجماع] جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين»[41]؛ لأن «دين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة؛ فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول»[42].

5- ومن خصائص أهل السنة والجماعة «اتباع سبيل السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار»[43].

6- ومن خصائصهم أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره على ما جاء عن الله تعالى، وعلى ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

7- ومن خصائصهم أنهم «يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، على ما توجبه الشريعة»[44] بلا غلو ولا تقصير، وهم في هذا الباب على الصراط المستقيم، «الذي قوامه: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، كما جاء في الأثر عن بعض السلف: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه»[45].

8- أنهم «وسط في فرق الأمة؛ كما أن الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية، وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  بين الروافض والخوارج»[46].

9- ومن خصائصهم تمسكهم بالجماعة وحرصهم على الوحدة والألفة، فهم يعتقدون أن الجماعة حق وصواب، والفرقة شر وعذاب، تمسكاً بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقوله سبحانه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وقوله جل وعلا: {إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159].

10- ومن خصائصهم العدل مع كل الطوائف المخالفة، «فإنه أمر بالقسط على أعدائنا الكفار فقال: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨]، فكيف بإخواننا المسلمين والمسلمون إخوة»[47]، «ولهذا كان العدل أمراً واجباً في كل شيء وعلى كل أحد، والظلم محرماً في كل شيء ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلاً سواء كان مسلماً أو كافراً أو كان ظالماً، بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضاً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم - وهم الكفار - على عدم العدل»[48]، فالكلام في الطوائف «يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقاً، لا يباح قط بحال»[49].

وبالجملة فقد تميز أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي، وكذلك في أصول الاعتقاد، وكانوا بهذا وسطاً بين الفرق، كما تميزوا في سلوكهم وأخلاقهم وطريقهم، وكانوا بذلك درة في جبين الدهر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم هم مع هذه الأصول [يعني أصول الاعتقاد] يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم [50]، وقوله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)[51]، ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)[52]، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة»[53].


 

:: مجلة البيان العدد  355 ربيـع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.


[1] «شرح الطحاوية» (1/ 228).

[2] «شرح الطحاوية» (2/ 501).

[3] «الأم» للشافعي (7/ 201).

[4] «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» (1/ 2).

[5] «الكفاية في علم الرواية» (ص31).

[6] «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (2/ 209-210).

[7] جزء من حديث رواه ابن ماجه (ح5)، وأحمد في مسنده (4/126)، والحاكم في مستدركه (1/96)، وابن أبي عاصم في كتاب السنة (1/26)، ورويت عدة روايات في هذا المعنى صحح الألباني أكثرها.

[8] رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (1/26).

[9] «الرسالة» (ص20).

[10] «المحلى» (1/26).

[11]«معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه بينها الرسول» (ص2)، وانظر: «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» (1/13).

[12] «مجموع الفتاوى» (13/ 363).

[13] «الصواعق المرسلة» (1/ 187).

[14] «شرح الطحاوية» (1/ 208-209).

[15] «لمعة الاعتقاد» (ص7).

[16] «متن الطحاوية» بتعليق الألباني (ص43).

[17] «التدمرية» (ص65- 66).

[18] «النبوات» لابن تيمية (2/ 876).

[19] «درء تعارض العقل والنقل» (2/ 364).

[20] «شرح الطحاوية» (1/ 242).

[21] «مجموع الفتاوى» (13/ 68).

[22] «الكافية الشافية» (ص154).

[23] «درء تعارض العقل والنقل» (1/ 147).

[24] «مجموع الفتاوى» (35/ 6).

[25] «تفسير ابن كثير» (2/ 345).

[26] «شرح الصدور بتحريم رفع القبور» (ص3).

[27] «الاعتصام» للشاطبي (3/ 272).

[28] «زاد المعاد» (4/ 137).

[29] «العقيدة الواسطية» (ص 128).

[30] «درء تعارض العقل والنقل» (10/ 304).

[31] «العقيدة الواسطية» (ص128).

[32] «العقيدة الواسطية» (ص127).

[33] «مجموع الفتاوى» (3/ 347).

[34] «منهاج السنة النبوية» (3/ 351-352).

[35] «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (1/ 446).

[36] «العقيدة الواسطية» (ص60).

[37] «العقيدة الواسطية» (ص128).

[38] «العقيدة الواسطية» (ص128).

[39] «مجموع الفتاوى» (19/ 195).

[40] «مجموع الفتاوى» (19/ 195).

[41] «العقيدة الواسطية» (ص 128).

[42] «درء تعارض العقل والنقل» (1/ 272).

[43] «العقيدة الواسطية» (ص127).

[44] «العقيدة الواسطية» (ص129).

[45] «الاستقامة» (2/ 233).

[46] «العقيدة الواسطية» (ص82).

[47] «الإخنائية» (ص242).

[48] «مجموع الفتاوى» (18/ 166).

[49] «منهاج السنة النبوية» (5/ 126).

[50] أخرجه البخاري (ح481) ، ومسلم (ح2585).

[51] أخرجه مسلم (ح2586).

[52] أخرجه مسلم (ح2337).

[53] «العقيدة الواسطية» (ص129- 131).