الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وبعد:

أخيراً فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ويُنتظر أن يتم تنصيبه رسمياً يوم 20 يناير 2017م، بعد سلسلة طويلة من الأحداث المرتبطة بالحملة الانتخابية، والتي تمحورت حول الشخصيات المرشحة من كلا الحزبين، فالناخب كان أمام خيارين لشخصيتين متناقضتين ظاهراً، تم التركيز على تلويثهما بسلسلة من الفضائح والمخالفات القانونية، بحيث أصبحت المقارنة بين رجل وامرأة، وسيئ والأسوأ. واضطر المسيحي المتدين الأبيض لانتخاب ترامب صاحب المغامرات النسائية، وفي المقابل تردد الأسود في انتخاب امرأة من حزب لم ينفعه مرشحه السابق المائل للسواد، وبالمثل المسلم الأمريكي متعدد الألوان والأصول من سينتخب؟ إنها خيارات صعبة، الجامع بينها هو عدم تصديق الوعود والخوف من الوعيد.

والملفت للنظر أنه لأول مرة يتهم الخاسر جهازاً رسمياً بالتسبب في خسارته، حيث ألقت هيلاري كلينتون باللوم على جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بي آي» في خسارتها. وفي لقاء أجرته مع داعمي حملتها الانتخابية قالت إن الخسارة أمام منافسها الجمهوري دونالد ترامب جاءت بسبب إثارة «كومي» قضية بريدها الإلكتروني الخاص قبيل الانتخابات، واعتبرت أن إعادة فتح التحقيق في القضية أدت إلى فقدانها التقدم الذي حققته على ترامب خلال المناظرات قبل السباق الانتخابي، حيث أجرى مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقاً استمر عاماً في استخدام كلينتون بريداً إلكترونياً خاصاً بها في مراسلات رسمية أثناء عملها وزيرة للخارجية بين عامي 2009 و2013م، وسط اتهامات بأن بعض الرسائل حوت أسراراً حكومية. وفي المقابل ولأول مرة أيضاً تجتاح المظاهرات المدن الأمريكية تحت شعار «ترامب ليس رئيسي»، ما أدى لسقوط قتلى ومصابين.

إنها بداية غير مشجعة لعصر جديد يرفع فيه ترامب داخلياً وعالياً شعار طرد المهاجرين غير الشرعيين، ومن يخاف حقاً هم الأقليات من مسلمين وملونين وعلى رأسهم الأمريكيون السود، وأما في الخارج فيهدد بزيادة حدة الحرب على داعش ما يفرح نظام الأسد، وأما من يخاف حقاً فهم المعارضة التي تهدف لإسقاط النظام، وأيضاً يهدد بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران التي تبدي ابتهاجها بفوز ترامب الذي يتوقع أن ينقل أمريكا من العداوة المبطنة لدول الخليج إلى عداوة معلنة، وأخيراً هل نحن مقبلون على علاقات دافئة بين ترامب وبوتين، كما كانت أيام الحملة الانتخابية، أم إن الواقع يوحي ببداية حرب باردة جديدة بين عائد للساحة الدولية ومتفرد بها، مما يفسر الانزعاج الواضح والمعلن لأوربا من فوز ترامب. والذي نراه أن الأيام المقبلة ستشهد أحداثاً عاصفة داخلياً وخارجياً، والذي نرى أن ما يمكن أن يحدث داخل أمريكا هو العامل الأهم في توجيه دفة الأحداث، ولذا فمن المهم إلقاء بعض الضوء على أهم ملامح التغيير المتوقع في موازين القوى في الفترة القادمة.

عجلة التاريخ بين العودة والاستمرار:

لقد قامت أمريكا على أن الأرض الجديدة هي أرض الميعاد للمهاجرين الأوائل الذين غلبت عليهم المجموعات النصرانية المضطهدة في أوربا من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وكان هناك عمل ممنهج لبناء الدولة يقوم على شقين متوازيين، أحدهما تصفية وإبادة السكان الأصليين بحيث لم يبقَ منهم إلا قلة قليلة مهمشة ومحرومة وبالتالي لا تمثل حقوقهم أي هاجس، وأما الشق الثاني فهو استيراد البشر من إفريقيا واستعبادهم في الأعمال الصعبة، ومع الوقت تركز السود في الولايات الجنوبية الدافئة؛ ببساطة لعدم ملائمة الأجواء الباردة لحياتهم، وكانوا يمثلون عماد الاقتصاد لأنهم عمالة مجانية، ويلاحظ أنه برغم من أن الكثير منهم مسلمون فقد تم استعبادهم جسدياً وفكرياً وتم إجبارهم على النصرانية ومنعهم من تعلم القراءة حتى يتم قطعهم عن أصولهم، وبعيد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي قامت الولايات الشمالية بتبني ما يسمى تحرير العبيد، والذي رفضته الولايات الجنوبية ونشب ما يسمى بالحرب الأهلية تحت شعار تحرير العبيد، وقُتل الألوف من البيض لتحقيق هدف يتلخص في حرمان الجنوبيين من أساس ثرائهم ورفاهيتهم، وانتقل السود من رقيق يعملون لسيدهم بدون مقابل إلى أحرار يعملون لسيدهم الجديد بأجر زهيد، وإجمالاً فقد ظل السود منبوذين للونهم ومستبعدين من كثير من الأعمال المحترمة، ولا تتذكرهم الدولة إلا في حال التجنيد الإجباري الذي يفرض عند اندلاع الحروب الكبيرة، وباختصار فالديمقراطية الأمريكية وريثة للنظام الديمقراطي الروماني؛ فالحرية والعدالة والسلطة حكر على طبقة البيض الأحرار، وأما البقية فمحرومة من الكثير من الفرص والميزات، ولذا فقد كان الشعور بالظلم والتهميش طاغياً لدى السود الذين يرون أن هناك أوضاعاً قانونية واجتماعية تحاول حشر السود في زاوية ضيقة، ويتبين ذلك من دراسة حياة من برز من السود الذين نشطوا في القرن العشرين، ولذا سنستعرض أهم الشخصيات التي برزت في تلك الفترة وسنركز على إليجا محمد، ومارتن لوثر كنج، ومالكوم إكس.

إليجا محمد هو أحد الشخصيات البارزة بين السود في أمريكا وكان الزعيم الثاني للمسلمين السود بعد اختفاء والاس دي فارد Wallace D. Fard، وهو شخص أسود غامض النسب، ظهر فجأة في ديترويت عام 1930م داعياً إلى مذهبه بين السود، وقد اختفى بصورة غامضة في يونيو 1934م، ومن أهم مبادئه:

أن الله قد خلق نفسه وأن جميع السود آلهة ويولد بينهم إله مطلق كل 25 ألف سنة، وأن محمد بن عبد الله # أُرسل للعرب فقط وإليجا أرسله الله إلى سود أمريكا، وأنه آخر المرسلين، وأن الإنسان الأبيض شيطان، وأن معظم تعاليم القرآن موجهة إلى الرسول إليجا محمد والسود في أمريكا. والذي يتبين أن الإسلام مجرد شعار ووسيلة للتخلص من النصرانية التي هي دين البيض والإسلام هو دين الرجل الأسود القادم من إفريقيا؛ وبالتالي كان الإقبال شديداً من السود على اتباع إليجا محمد الذي تعامل بذكاء مع الشعور المتنامي لدى السود بالاضطهاد وبالتالي كراهية البيض، وبسبب فكرة أن أسلافهم مسلمون مع الوقت تكونت لدى الأتباع قناعة أنهم مسلمون، ولذا سهل على مالكوم إكس، وهو أحد الزعماء الناشطين للجماعة والمقرب من إليجا محمد بث دعوته لتصحيح مفاهيم الحركة بعد عودته من حج سنة 1963م واكتشافه حقيقة الإسلام وأنه دين سماوي لكافة البشر وليس حكراً على السود، وحاول إقناع إليجا محمد بالحق والذهاب للحج، ولكن إليجا رفض بشدة وطرده من الحركة، فشكل جماعة جديدة سماها «جماعة أهل السنة» وأخذ في الدعوة للدين الصحيح فانضم إليه الكثيرون أولهم والاس ابن إليجا محمد نفسه، ويلاحظ هنا أن الداعية مالكوم إكس أغلقت أمامه المنابر الإعلامية التي كانت مفتوحة أمامه قبل تركه لإليجا، وكان هذا في فترة فوران حركة السود المطالبين بحقوقهم، ولذا فقد تحالف مالكوم إكس مع مارتن لوثر كنج، وأخيراً اغتيل مالكوم إكس في 21 فبراير سنة 1965م، حيث أطلق ثلاثة من الشبان السود النار عليه أثناء إلقائه محاضرة في جامعة نيويورك فمات على الفور بست عشرة طلقة، وبعده بسنوات قليلة تم اغتيال حليفه الدكتور مارتن لوثر كنج الداعية الحقوقي والقس الذي رفع راية الثورة السلمية للمطالبة بحقوق السود الذين قاموا في عام 1963م بثورة لم يسبق لها مثيل في قوتها، اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض متجهة صوب نصب لينكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهناك ألقى كنج أروع خطبه: «لدى حلم»، التي قال فيها: «لدي حلم بأن يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم».

أخذ البيض اليمينيون يركزون على كنج، وعلى رأسهم مدير مكتب التحقيقات الفدرالي إدغار هوفر. وحتى لحظة موت كنج ظل هوفر يلاحقه ويتصنت على مكالماته الهاتفية، ويحاول تجنيد عملاء لاختراق حلقته الداخلية. شكل هوفر وحدة خاصة لمتابعة كنج ورجاله، وأراد القول: إن كنج زير نساء، وعميل للشيوعيين. في عام 1968م خطط كنج لمسيرة جماهيرية في واشنطن، ومرة أخرى، خطط لمسيرة في مدينة ممفيس، وأقام كنج في فندق لورن الذي تم فيه اغتيال مارتن لوثر بطلقة واحدة من قناص يوم 4 أبريل سنة 1968م، واتهم بالقضية رجل أبيض صاحب سوابق وكانت نتائج التحقيق تصر على أن تصرفه فردي برغم إصرار المتهم على أن له شركاء.

وفي 9 أبريل 1968م، جرت مراسيم جنازة جماهيرية في مدينة أتلانتا شاركت فيها جاكلين كينيدي زوج الرئيس الكاثوليكي القتيل جون كينيدي، ويلاحظ هنا أنه مع الروابط الظاهرة بين حادثتي اغتيال الرئيس جون كينيدي وكنج كثيرة فقد رفض رجال لجنة التحقيق التابعة للكونجرس إثبات أية علاقة في التقرير الرسمي. وبموت مالكوم إكس ومارتن لوثر كنج فقد السود أعظم زعيمين، وبصورة أخرى تم التخلص من الزعماء المزعجين وأعطي البقية حق الانتخاب، نعم حق الانتخاب للسود لم يصدر إلا بعد مئة سنة من انتهاء حرب تحرير العبيد، فبعد أسبوعين من حادثة الاغتيال وقّع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون قانون الحقوق المدنية الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال خمسين سنة تقدم السود في أمريكا وحصلوا مزيداً من المكاسب برغم فقدانهم للزعامات، ولذا يتوقع أن يتعرضوا لحملة شرسة تعيدهم لمرحلة الحصار الوجداني، ويبدو أن شعار المرحلة القادمة هو: كفى كفى عودوا إلى القفص!

:: مجلة البيان العدد  355 ربـيــع الأول  1438هـ، ديـسـمـبـر  2016م.

 

العدد متوفر بالمكتبات - لمزيد من التفاصيل عن منافذ البيع وكيفية الاشتراك يرجى الضغط هـنــا

 

googleplayappstore

bayanbookstore