{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].. كثير من الأخيار يحلم بالمثالية في بيئته التي يعيش فيها، وحينما لا يجدها تنتابه نوبات من الصدمات العصبية، والأزمات النفسية
ثم سرعان ما يتخذ موقفاً حاداً وقاسياً، وساعتئذ يكون أبعد ما يكون عن المثالية التي لطالما كان يحلم بها.

ليست المثالية في أن نكون خالين من العيوب معصومين من الأخطاء؛ هذا محال فـ«كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»[1].

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها

كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه

وإنما المثالية تتجلى في أن نحسن إلى بعضنا عند وقوعنا في الأخطاء، فلا نتحول إلى جلادين لبعضنا  نسلق بعضنا بألسنة حداد.

المثالية تتجسد في: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [الإسراء: 53]، والمثالي يتحلى بخلق: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

حنانيك أيها الحالم

«فقد كاد الخيران أن يهلكا»، روى البخاري بسنده:

عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم  حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: ٢][2].

حنانيك أيها الحالم إنها النفس البشرية بعجرها وبجرها 

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53]، أبو بكر وعمر يختصمان في أخرى؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضباً، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه. فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو الدرداء: ونحن عنده، وفي رواية: أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر. فسلم وقال: يا رسول الله! إني كان بيني وبين ابن الخطَّاب شيء، فأسرعت إليه ثمَّ ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثاً)، ثمَّ إنَّ عمر ندم على ما كان منه، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم  يتمعَّر؛ حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم (مرتين). فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرتين)، فما أوذي بعدها»[3].

وهذه ثالثة من سيدي الصديق رضي الله عنه:

«عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  أَرْضًا، وَأَعْطَى أَبَا بَكْرٍ أَرْضًا، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا فِي عِذْقٍ، يَعْنِي: نَخْلَةً، فَقُلْتُ أَنَا: هِيَ مِنْ أَرْضِي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ مِنْ أَرْضِي، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَمَا تَرَى انْظُرْ أَمَا تَرَى؟! إِنَّهَا مِنْ أَرْضِي، فَأَبَى، وَقَالَ لِي كَلِمَةً نَدِمَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ، قُلْ لِي مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ حَتَّى تَكُونَ قِصَاصًا، قَالَ: قُلْتُ: لا والله ما أنا بقائلٍ لك إلا خيراً قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ إِذًا لأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيْكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ، نَعَمْ! فَانْطَلَقَ يَؤُمُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  وَاتَّبَعْتُهُ، وَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، هُوَ الَّذِي قَالَ لَكَ مَا قَالَ، وَيَسْتَعْدِي عَلَيْكَ! فَانْطَلَقُوا مَعِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَتَدْرُونَ مِنْ هَذَا؟ هَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَيَغْضَبُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  لِغَضَبِهِ، وَيَغْضَبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِغَضَبِ رَسُولِهِ، فَيَهْلِكُ رَبِيعَةُ، ارْجِعُوا، فَرَدَدْتُهُمْ وَانْطَلَقْتُ وَقَدْ سَبَقَنِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  فَقَصَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَ لِي: يَا رَبِيعَةُ، مَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَالَ لِي شَيْئًا، وَقَالَ لِي: قُلْ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا، فَقُلْتُ: لا أَقُولُ لَكَ مِثْلَ مَا قُلْتَ لِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَجَلْ، فَلا تَقُلْ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَكَ، وَلَكِنْ قُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَبْكِي»[4].

هكذا يتألق الربانيون، والربانيون هم رمز المثالية رضي الله عنك يا ربيعة فقد فهمنا الدرس وأنت تقول لأبي بكر رضي الله عنه: «لا والله ما أنا بقائل لك إلا خيراً».

المثالية هي: أن تبادل السيئة بالحسنة وأن لا تدع للشيطان مدخلاً عليك في تعاملك مع إخوانك وخلانك، لا تقل بلسانك إلا خيراً.. إن لم تخطئ اليوم، فستخطئ غداً فالتمس لمن أخطأ عليك اليوم عذراً ليعذرك إن أخطأت غداً، ولو لم يكن في الناس من هو مذنب، فمن يعظ العاصين بعد محمد!

وخير ختام قول المليك العلام: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].


 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] حسنه الألباني من حديث أنس بن مالك، صحيح الجامع (4515).

[2] صحيح البخاري، كتاب النكاح (4845).

[3] رواه البخاري في صحيحه (3661)، و(4640) عن أبي الدرداء.

[4] رواه الحاكم في المستدرك على شرط الصحيحين (2642  والإمام أحمد في فضائل الصحابة (386).