إن مجمل الفكر الإسلامي في المائتي سنة الأخيرة يمكن عده استجابة للحركة الغربية، ومن ثم كان لابد من الحديث عن أهمية المصطلحات وما تقتضيه من تطورات أفضت إلى طرح جملة من القضايا، ومن ثم فإن الحديث عن النتاج الإسلامي لا يمكن أن يكون منهجياً وعلمياً إلا إذا تم الحديث عن مدارسه ومصطلحاته ومعاييرها وكيف استوت على سوقها بالشكل الذي أصبحت فيه تحدياً أمام الفكر الإسلامي.

«لا يمكن فيما أعتقد أن تكون حضارة مزدهرة متألقة في أمةٍ من الأمم ما لم تواكبها جنباً  إلى جنبٍ حضارة المصطلح العلمي، الذي يُكوّن بحد ذاته الإطار العام لفكر تلك الأمة وعقلانيتها وتقدمها الإنساني، كي تتبلور لها عندئذٍ سمات الثقافة الحقة في حياتها المتشعبة، لتصلَ في النهاية إلى تحقيق غاياتها المثلى في النظر والعمل معاً لبناء صرحها الحضاري الشامخ... فكلما أحسنت الأمة الدقة والرؤية والعمق في تعريفاتها وتحديداتها ورسومها بدت أكثر تألقاً ونضارة على غيرها من الأمم المعاصرة لها»[1]. وهذا ما كان ملاحظاً في بداية عصور الإسلام الأولى، فقد كان النظام المعرفي المحدد للرؤية واضح الأهداف والمعالم، فقد «عني أسلافنا من قديمٍ بالكشفِ عن اصطلاحات العلوم والفنون»[2].   

إن التحدي الغربي فرض حدوداً وعوائق منعت أو خرمت مسيرة الفكر الإسلامي منذ احتكاكه الأول بالغرب، فلم يتعدَ إفرازاً ذاتياً داخلياً خاضعاً لطبيعة المجال التداولي الإسلامي الذي كانت له اليد الطولى في إفراز طبيعة الموضوعات والحقول التي أصبحت تؤرق المسلم اليوم، أي لم تكن نبتتها شرعية بقدر ما فرضها عليه الاحتكاك بالآخر بدءاً من المرأة وانتهاء بما نعيشه اليوم من تجليات متنوعة، حيث نجد أن ما اشتغل عليه الفكر الإسلامي الحديث لم يكن من بنات أفكاره وإنتاجه.

في ضوء ذلك، أصبح الحديث عن المصطلحات التي شكلت خمائر الفكر الإسلامي ضرورة، إذ لما نشأ الفكر الغربي بلور معالمه وصاغ مجموعة من المصطلحات أصبحت لها في سياقه معانٍ خاصة، وباعتبار المصطلحات هي مفاتيح العلوم فسيكون للفكر الغربي نصيب من الوجاهة، إذ إن هذا العلم هو علم التواطؤ والتصالح، بمعنى أن كل عملية تأتي فيما بعد تتعلق بفك المصطلح عن ظلاله ومفاهيمه داخل السياق الذي احتضنه تبدو صعبة المنال، إذ كل الفكر الإنساني (الغربي والإسلامي) له معجمه اللغوي التداولي الخاص به الذي رافق نشأته، وهي مسألة تفرضها طبيعة التعدد الحضاري، بمعنى أن الاجتماع البشري مبني على التعدد في كل مرافق الحياة، والنتيجة المترتبة عن هذا أن كل المفاهيم – خاصة المتعلقة بالعلوم الإنسانية - تكون متحيزة إلى مجالها، بمعنى أنها تحمل سمات من سكها، إذ إنه يترك بصماته فيها، فهي تخضع لفلسفته ورؤيته الوجودية، وقد بين هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: «وما من أهلِ فن إلا وهم معترفون بأنهم يَصطلحون على ألفاظ يتفاهمون بها مرادَهم، كما لأهل الصناعات العملية ألفاظٌ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه الألفاظُ هي عرفية عرفاً خاصاً، ومرادُهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة، سواء أكان ذلك المعنى حقاً أو باطلاً»[3].

هذا التحيز يظهر في أجلى صوره في العلوم الإنسانية لأن موضوع البحث هو الإنسان، في حين نجد الرؤية في العلوم الطبيعية تبدو صعبة المنال، لأن موضوع البحث هو المادة، وذلك لسببين: الأول هو كل مصطلح متجذر في بيئة معينة له لغته المعجمية الخاصة به، والثاني: أن كل مصطلح يخضع لزاوية من سكه، أي أن التحيز يبدو من جانبين: تحيز من سكه، وتحيز سياقه (النمط الثقافي الحضاري العام). بل إن المشكلة تتعقد إذا كان لصاحب المصطلح مصلحة في ترويجه، ويتعقد أكثر إذا وضع صاحبه في المركز؛ إذ سيعيد ترتيب كل السياق من أجل مصلحته ويصبح غيره هامشياً، فالمشكلة ليست في التحيز لأنها من طبيعة الإنسان، لكن إذا تحول التحيز إلى ممانعة للتعدد وإلغاء له، وحشر الناس ضمن رؤية الفريق المتحيز، ومن بين المفاهيم التي وقع عليها التحيز:

 [١] العلوم الإنسانية:

ما مضمونه؟ هل يعني أن العلوم محورها الإنسان؟  وهل هي لخدمة الإنسان في أي زمان ومكان؟ أم أنها خاصة بأناس معينين، وبأي معنى ومصداق هو الإنسان في هذه العلوم؟

في الغرب، من بين العلوم التي نشأت نجد علم النفس، وموضوعه يدور حول دراسة الإنسان. ولا شك أن الدارس قبل مباشرة بحثه فإنه قد استبطن مفهوم الإنسان، وهو «الإنسان» بحسب ما غرسته الثقافة الغربية المعاصرة في حقل هذه العلوم التي احتضنت نشأتها، أي إنه يخضع للسياق الغربي، ولا شك أن من أهم التعاريف المستنبطة لديهم أن الإنسان حيوان، وهو ما يفسر سعي علماء النفس للقيام بالدراسات التطبيقية على سلوك الحيوان ثم نقل النتائج للإنسان، بل حتى بعض المدارس التي زعمت أن ثم فوارق بين الإنسان والحيوان أرجعت سير الحركة عند الإنسان لخصائص مشتركة مع الحيوان، وهذا توجه مدرسة فرويد. لذا كانت مشكلة العلوم الإنسانية في الفكر العربي منذ بدء الترجمة هي نقل ما يسمعون، حيث جعلوا عقولهم في آذانهم، إذ إن تعريف الثقافات الأخرى للإنسان بكونه مزدوج الخلقة مخالف لتعريف الغرب.

[٢] الأسرة:

لا شك أن لهذا المصطلح ظلالاً معينة في السياق الاجتماعي الغربي هي غيرها في السياقات الأخرى، أي إن شكل الأسرة الذي تعارف عليه الغرب يندرج ضمن ما يسمى بالمجتمع التعاقدي، الذي ثار على طقوس الكنيسة، وقدم نموذجاً آخر لإرادة الصراع في المجتمع، هذا المفهوم خضع لهذا السياق المتحيز، من ثم أصبح مفهوم الأسرة هو تعاقد شخصين، وازدادت خطورته في الإطار المتعدد للأسرة (مظاهر الشذوذ الجنسي)، لا شك أن هذا المفهوم له علاقة بسياقه، لا يرى فيه أهله حرجاً، بل أنشأوا له الجمعيات في إطار ما يسمى بـ«المجتمع المحكوم»، هذا المفهوم لا علاقة له بمفهوم الشرف، إنه مفهوم يرتكز على المجتمع التراحمي، فيه ما يسمى بالأسرة الممتدة (الجد، الأب...)، هذا المفهوم متحيز للسياق الذي نظمه، وطبيعة العلاقة التي تربط بين أهله.

[٣] التدين:

له دلالة داخل السياق الحضاري الغربي، تختلف عن السياق الإسلامي، إذا سمعت أن التدين تزيد معدلاته في المجتمع الغربي فهذا يعني ذهابهم لممارسة بعض الطقوس الشكلية، أما في المجال الإسلامي فإنه يعني الالتزام بكل الشعائر الإسلامية، ومن ثم إسقاط هذه المفاهيم من مجال لآخر تكون نتيجته تشويه المصطلح، لأن المفهوم يجر معه ظلاله.

وإن المصطلح هو المعبر عن هوية الأمة وذاتها وأصالتها، وهو اللفظ الذي يتفق عليه المفكرون؛ ليدلوا به على شيء محدود، ويميزوا به معاني الأشياء بعضها عن بعض، وهو سمة بارزة في لغة المتعلمين حيث يعتبر لغة التفاهم بين المفكرين، ووسيلة التعبير عن الرؤى والأفكار. وبناء على ما سبق ذكره من أجل نهضة علمية حقيقية يجب على الباحثين والمتخصصين كل في مجاله أن يبذل جهداً ضرورياً لتحرير المصطلحات من اللبس والغموض، واستخدامها بطريقة تقضي على الفوضى والاضطراب الفكري.

 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] الفارابي في حدوده ورسومه، د. جعفر آل ياسين، عالم الكتب، بيروت، ط1، سنة 1985م، ص14.

[2]انظر: المصطلح ومشكلات تحقيقه، د .إبراهيم كايد محمود، مجلة التراث العربي، دمشق، سنة 2005م، العدد 97، ص25.

[3] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط2، سنة 1979م، 1/222-223.