الحمد لله الذي اختص هذه الأمة بشريعة محكمة مباركة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، شريعة ربانية سماوية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، شريعة دائمة مرنة عامة تتسع لحاجات البشر في كل زمان ومكان مهما تعددت ومهما تنوعت وكيفما تطورت، شريعة سامية راقية غنية بالمحاسن ووجوه الإعجاز، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

إن النظام الإسلامي كلٌ متكامل ونسيج متشابك يشد بعضه بعضاً ويعتمد بعضه على بعض، نظام متناسق تتحد معانيه وتصب جميعها في سعادة البشرية ورعاية مصالحها، فلا تُدرك حكمه ولا تُفهم غاياته إلا بالإحاطة بكل جوانبه، والنظر إلى كل أجزائه، لذا كان خاتم الأديان وأيسرها وأشملها، فدائرة التشريع لا تنفصل عن دائرة الأخلاق ولا الاقتصاد ولا الاجتماع، وبقدر تواصل هذه الدوائر وتداخلها وتحققها في المجتمع تتحقق سعادته ونهضته، كما حدث في القرون الأولى للإسلام.

فتكامل قواعده القانونية مع العقيدة ومع مبادئ الأخلاق والقيم والآداب من أهم أسباب تعزيز مكانة التشريع في نفوس المخاطبين به، وتمكين قواعده عندهم على نحو يدعوهم إلى احترامه، ويقلل من جسارتهم على مخالفته والتحايل عليه والتهرب من أحكامه.

يقول الدكتور صوفي حسن أبو طالب رحمه الله: «إن العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليس مجرد حنين عاطفي إلى الماضي القريب من جانب الشعوب الإسلامية، وليس تعصباً لفكر قانوني معين من جانب رجال القانون المتحمسين لها، بل هو في المقام الأول استرداد للذات الإسلامية والذات العربية لدى الشعوب العربية والإسلامية، ذلك أن الشريعة الإسلامية بمعناها الشامل - عقيدة وأخلاق وتنظيم اجتماعي وسياسي واقتصادي وقانوني - تعد من أهم مقومات الشخصية الإسلامية وأهم عناصر الوحدة القانونية بين الشعوب العربية والإسلامية.

يضاف إلى ذلك أن القانون ليس مجرد أداة لخدمة سياسات التنمية والتطور، كما أنه ليس مجرد وسيلة للانضباط داخل المجتمع، بل هو قبل كل شيء مرآة تعكس حضارة المجتمع وقيمه، والشريعة الإسلامية هي القادرة وحدها على تحقيق ذلك باعتبارها التراث القومي للأمة، لأنها تنظيم شامل لأمور الدين والدنيا، كما أن احترام القانون رهين بمدى استجابته لقيم المجتمع الأخلاقية والروحية والمادية على سواء، والشريعة الإسلامية هي أصلح النظم في هذا الصدد»[1].

وهذا التكامل مع الدين والقيم الأخلاقية من ثلاثة أوجه:

الأول: تأثير العقيدة والعبادات والأخلاق في مقاومة الانحراف والوقاية من الجريمة: فهي من أشد عوامل إيقاظ الضمير الإنساني وتحقيق الرقابة الذاتية للنفس على السلوك.

الثاني: حماية التشريع للقيم الأخلاقية والآداب الإنسانية بنصوص فعالة: إذ توجه العقوبات في الشريعة قِبل كل ما يمس الأخلاق الفاضلة.

الثالث: تأثير القيم والأخلاق في وسائل الاقتضاء وأدوات الخصومة: فالقواعد التشريعية لا تمنع التنازع والتخاصم، فهذا مما ينافي الطبيعة البشرية والغرائز الإنسانية، بل إنها تراعي تلك الطبيعة والغرائز وتهذبها وتنظمها بالوسائل والأدوات الأخلاقية الشرعية.

الوجه الأول: تأثير العقيدة والعبادات والأخلاق في مقاومة الانحراف والوقاية من الجريمة:

فالقانون الوضعي يحكم السلوك الخارجي للإنسان فقط، أما التشريع الإسلامي فهو يخاطب كل أنواع النشاط الإنساني، سواء كان متمثلاً في السلوك الظاهري، أو كان متعلقاً بالنوايا والمقاصد والأفكار - غير أن العقاب الدنيوي يقتصر على ما كان متعلقاً بالسلوك الظاهري، والعقاب الأخروي يشمل نوعي النشاط الإنساني.

يقول اللواء الدكتور محمد نيازي حتاتة رحمه الله: «العقوبة وحدها لا تكفي في الشريعة الإسلامية لمكافحة الإجرام، إنما يُكافح الإجرام في الشريعة الإسلامية نظامها المتكامل في صيانة الأخلاق والحض على الفضائل، وتنظيم العلاقات الاجتماعية تنظيماً شاملاً، وإيقاظ الضمير الإنساني بتعاليم الدين، وتطهير النفس البشرية بالإيمان، والدعوة إلى المساواة والألفة والتكامل والعدل والإحسان والمروءة وإيثار الذات والجهاد في سبيل الحق، والجهاد ضد الظلم والفساد والطغيان والباطل وتكليف الكافة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[2].

فتكامل قواعد التشريع الإسلامي مع العقيدة والأخلاق والقيم والآداب يُمثل ضمانة كبيرة من ضمانات منع وقوع الجريمة ابتداءً، والاتجاهات المعاصرة للسياسة الجنائية تتجه - كما تشير المؤتمرات المتعاقبة للأمم المتحدة بشأن منع الجريمة ومعاملة المجرمين - إلى أهمية اتخاذ التدابير المانعة لوقوعها وسن النصوص التي تكفل وقاية المجتمع منها.

ففي جرائم الزنا والاغتصاب والاعتداء على العرض - على سبيل المثال - قدمت الشريعة من التدابير الدينية والأخلاقية ما يكفل تهيئة مناخ المجتمع لتقليل هذه الجرائم إلى أقل نسبة ممكنة، ابتداءً من الإمعان في الزجر عن ارتكابها، وتعظيم جزائها الأخروي والدنيوي، ومروراً بسد ذرائعها وقطع دوافعها بتحريم كل ما أسكر وذهب بالعقل، والأمر بغض البصر والحجاب والستر وعدم الخضوع بالقول والاستئذان عند دخول الأماكن المغلقة، والنهي عن الاختلاط والتعري وعن كل ما يثير الشهوة أو يشيع الفاحشة، بل وقطع أوشاج إشاعتها بالكلية بإنزال أشد العقاب على من اتهم غيره بها بغير بينة ولا برهان شرعي[3]، وانتهاءً بإيجاد بدائل شرعية لصرف الشهوة كالحث على الزواج، والتبكير فيه، والإعانة عليه، والحض على الصبر والصيام لمن لم يستطع الزواج، بل وتعظيم ثواب هذه البدائل.

وفي جرائم السرقات والاعتداء على المال نلحظ تكاملاً من نوع آخر؛ دينياً اقتصادياً أخلاقياً تشريعياً، ففضلاً عن الزجر عن ارتكابها، وتعظيم جزائها الأخروي والدنيوي، وسد الأبواب المُفضية إليها بالنهي عن الطمع والحث على القناعة، أمرت الشريعة بالتكافل الاجتماعي، وجعلت للفقراء والمساكين والمحتاجين والغارمين (المدينون المعسرون) حقاً في أموال الأغنياء بالزكاة والصدقات، وحقاً في أموال الدولة ومواردها بكفالتهم والأداء عنهم، وألزمت المستطيعين بالنفقة على الضعفاء من ذويهم - سواء كانوا زوجات أو صغاراً أو آباء أو أمهات أو أجداداً - وأمرت بالعدل في العطية بين الأبناء، والعدل في المواريث بين الورثة، بل وزعت أنصبة الميراث بما يكفل إشباع كل وارث بحسب حاجته الاجتماعية.

وهكذا في كل جريمة من الجرائم لها في الشرع من التدابير الدينية والأخلاقية والاقتصادية ما يمنع وقوعها أو يُقلل منها ويحصرها في أضيق نطاق، فالنظر إلى الحدود مجردة عن غاياتها ومقاصدها، منزوعة من سياق تدابيرها الاحترازية وسُبل الوقاية منها، وبعيداً عن الجانب العقدي والعامل الإيماني في التشريع؛ لا شك أنه يُثير الريب والظنون والشُبه، فينبغي على من أراد أن يفهم التشريع الإسلامي وحدوده أن يُدقق في نظامه المتكامل الشامل الذي يصون الفرد وهو يصون المجتمع ككل، والذي يوفر له أسباب الوقاية من الجريمة قبل أن يأخذه بالعقوبة.

فهذا التكامل الديني الأخلاقي التشريعي مُؤد بلا ريب إلى تهذيب النفس البشرية، ومدافعة نوازعها عن الانجذاب إلى الشر، وتربية الفرد على القيم والآداب وترويض نفسه على الأخلاق الحسنة الطيبة، كحال الذي يُعاقب ابنه ليحمله على السلوك القويم ويغرس في نفسه حب الفضيلة، ويمنعه من التردي في حمأة الرذيلة، ويحول بينه وبين أي انحراف، وهذا مما لا شك فيه يؤدي إلى تحصين المجتمع من شر الجريمة، فالإيمان الحقيقي والأخلاق الحميدة - وبما لهما من ارتباط وثيق ببعضهما - يشكلان أساساً متيناً في تشكيل الإنسان وتوجيه سلوكه، ويمثلان سياجاً يحصنه من مجرد التفكير في ارتكابها.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «الإسلام لا يُقيم بناءه على العقوبة، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة، وعلى تهذيب النفوس، وتطهير الضمائر، وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب، فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة، ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة، أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم»[4].

الوجه الثاني: حماية التشريع للقيم الأخلاقية والآداب الإنسانية بأكثر النصوص فاعلية:

فالشريعة تحمي القيم الأخلاقية والإنسانية بنصوص أكثر فاعلية من التقنينات الوضعية، إذ توجه العقوبات الشرعية قِبل كل ما يمس الأخلاق الفاضلة دون أن يتوقف ذلك على رضا المجني عليه أو تخلف ضرر ما عن الجريمة، لأن غرض حمايتها يعلو على غرض رعاية مصالح المجني عليه، باعتبار أن الغرض الأول يتعلق بالمصالح المشتركة والنظام العام للمجتمع، والتراضي بين الجاني والمجني عليه لا يجعل الفاسد صالحاً ولا يُحل ما حُرم.

لأجل ذلك تعاقب الشريعة على الردة وشرب الخمر والفحش والزنا والفجور والشذوذ بغض النظر عن رضا طرفي الجريمة، ولا سلطان للحاكم في العفو عن هذه الجرائم، لأن التساهل في شأنها يؤدي إلى تحلل الأخلاق، وفساد المجتمع واختلال أمنه ونظامه.

ونحن نرى أن كثيراً من الدول اتجهت إلى تحريم الخمر تحريماً تاماً أو جزئياً سواء فيما يتعلق بصنعها أو بيعها أو نقلها أو شربها، لِما استبان لها من شتى الأضرار البالغة المترتبة على تعاطيها، وأُنشئت في كثير من الدول جمعيات ومؤسسات لمقاومة شيوع الخمور وإدمانها، بل لا يكاد توجد دولة في الوقت الحاضر لا توجد فيها مثل هذه الجمعيات والمؤسسات، وقد عقد في المدة من 29 نوفمبر وحتى 5 ديسمبر 1975م «المؤتمر الدولي للمُسكرات والاعتماد على العقاقير» نظمه «المجلس الدولي للمسكرات ومكافحة الإدمان» بلوزان بسويسرا و«المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي» بالتعاون مع وزارة الصحة بدولة البحرين، واشتركت فيه منظمة الصحة العالمية، وأسهم فيه علماء وخبراء من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وسويسرا وألمانيا الغربية وعشرات الدول، وقد أوصى المؤتمر في مجال الوقاية العامة الشاملة بما يلي:

أولاً: الاستفادة من تطبيق الشريعة الإسلامية وكيفية علاجها لمشكلة تعاطي المسكرات والمخدرات.

ثانياً: الاهتمام بالأسرة لتنشئـة أفرادها التنشئة الصالحة لوقاية المجتمع من مشاكل تعاطي المسكرات والمخـدرات.

ثالثاً: توفير الضمان والرعاية الاجتماعية لأسر المدمنين والعمل على حماية أفرادها.

رابعاً: تضمين المناهج الدولية في كافة مراحلها التوعية الفعالة الناجحة عن تعاطي المسكرات والمخدرات ونشر الوعي بين فئات الشعب لتحصينهم ضد ذلك التعاطي وإعطاء الشباب عناية خاصة وقاية لهم وحفاظاً على طاقاتهم ومستقبلهم.

خامساً: تجنيد وسائل الإعلام لتبصير الناس بالمضار المؤكدة للمسكرات والمخدرات.

سادساً: مناشدة الدول التي تسمح بتعاطي المسكرات باتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول إلى منع ذلك التعاطي أو الحد منه والاجتهاد في هذا السبيل وفقاً لظروف كل بلد.

سابعاً: إلزام المصانع المنتجة للمسكرات بوضع عبارة بارزة بأن: «محتويات هذه العبوة قد تدمر صحتك»، وذلك باللغات المناسبة أسوةً بما يحدث مع الشركات المنتجة للسجائر، كما يجب منع الدعاية للمنتجات الكحولية منعاً باتاً في أي من وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزيون وسينما وغير ذلك.

والغاية الحقيقية من ردع الجاني بالعقوبة ليست هي إيلام الجاني بقدر ما هي زجره وإبعاده عن طريق الجريمة، لذا فالشريعة تفتح له أبواب العودة حتى ولو ارتكب جريمته، فهي ليست جامدة كالقوانين الوضعية التي لا تراعي أحوال من انصلح حالهم واستقامت حياتهم، فأفسدتهم السجون بعد صلاح، وأتلفتهم مخالطة المجرمين بعد توبة، قال تعالى: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 33 إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 34} [المائدة: ٣٣، 34]، وهذا لا يختص بحد الحرابة فقط، بل هو في كل حد من حدود الله تاب مُقترفه قبل قدرة السلطان عليه كما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من الفقهاء.

وليس ذلك فحسب، بل حتى بعد ضبط الناس للجريمة وإحكام قبضتهم على الجاني نرى الشرع يحضهم أن يستروا عليه ويتعافوا جريمته فيما بينهم قبل بلوغها السلطان، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ»[5]، وذلك إمعاناً في فتح باب التوبة للجاني، اللهم إلا أن يُعرف ويُشتهر بأذاه وفساده، فلا عفو ولا كرامة، كما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله وغيره من الفقهاء، لأن مثله لا يرتدع إلا بسيف العقوبة والستر عليه يطغيه ويطمعه في إيذاء الناس وانتهاك الحرمات.

فإذا ما تاب المجرم وأناب وارتدع عن غيه وإفساده، فرد الحقوق لأصحابها - إن قدر على ذلك - واستشعر نكارة ما فعل فعاد إلى طريق الاستقامة قبل أن تأخذه يد السلطة، فقد سقط جرمه وعقوبته معاً بقوة الشرع، ولم تعد للسلطة عليه من سبيل، فالإسلام لم يُشجع على التوبة فقط، بل يُقدرها ويُثمنها في الدنيا قبل الآخرة.

فإذا لم تفلح العقيدة ولم تفلح القيم الأخلاقية في ردع الجاني، وجب إنزال العقوبة به على نحو ما قررته الشريعة بكل حسم وحزم لترده إلى طريق الجادة، أو ترد من سولت نفسه فأوشك على أن يحذو حذوه إلى صوابه.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «على أن الإسلام لا يُشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها، فالإسلام منهج حياة متكامل، لا يقوم على العقوبة إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة، ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعاً غير مضطر»[6].

ولا تقتصر حماية الشريعة للقيم الأخلاقية والإنسانية في المجال الجنائي المتعلق بالعدوان على النفس والعرض فحسب، بل حتى في مجالات المعاملات المدنية والتجارية والأحوال الشخصية فالأحكام فيها مبناها على رعاية القيم والأخلاق العامة، فمدار المعاملات المدنية في الشريعة على الأمانة والصدق والعدل، فحسن النية شرط مفترض في كل معاملة، وتنفيذ الالتزامات يتوقف على بذل الإنسان المعتاد عمله بأمانة وعناية، وصحة العقود مرهونة بعدم مخالفتها القواعد والأحكام الشرعية أو الآداب العامة أو أن تكون مشوبة بعيوب الغش أو التدليس أو الغبن أو الإكراه أو الغلط أو العيوب الخفية، واستعمال الإنسان حقه مرهون بألا يتعسف في استعماله وألا يُسبب لغيره ضرراً أكبر من المصلحة العائدة من ورائه.

ومدار الأحوال الشخصية على المودة وصلة الرحم والعدل والإحسان والعطف، فالقواعد القانونية في الشريعة متأثرة بشكل كبير جداً بالأخلاق والقيم وتبدو أكثر ما تبدو في علاقات الأسرة ابتداءً بشروط الزواج، وواجبات الزوجين كل منهما قِبل الآخر، وواجب الإنفاق على الأقارب، وتوزيع الميراث، وغير ذلك من أحكام لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

فتكامل القواعد التشريعية مع القيم والأخلاق لا يقف عند السياسة التدبيرية الوقائية والحماية الموضوعية فحسب، بل إن التكامل بين التشريع والقيم والأخلاق يستمر في كل وقت تخاطب القواعد فيه المسلمين، حتى وهم يتقاضون حقوقهم ويتنازعون في خصوماتهم، فهي تُراعي الغرائز البشرية والطبائع الإنسانية التي لا مناص لها عن الاختلاف والتنازع والتخاصم، لكنها في الوقت ذاته تضبط هذا التنازع والتخاصم، وإن ذلك ليبرُز بكل وضوح في إجراءات التقاضي والقواعد والأحكام الشرعية في إثبات الدعاوى، فتحُث على الشهادة بل وتعتبرها من التكاليف الشرعية إذا قام مقتضاها، يقول تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: ٢]، ويقول: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النساء: 135]، ويقول: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، لكنه لا يُعتبر منها إلا ما كان بالعدل، فالعدالة شرط أساسي في الشهادة، وهي عدالة مأمور بها وبالتحري عنها، قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: ٢]، وقال: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: ٢٨٢]، وانتهاكها والإخلال بها لا يُعرض للعقوبة الدنيوية فقط، بل والدينية الأخروية أيضاً، وهي عقوبة مغلظة في رتبة عقوبات أكبر الكبائر، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» (ثلاثاً، قُلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وكان مُتَّكئاً فجلس وقال: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فما زال يكررها حتى قُلتُ: لا يسكتُ[7].

بل التكامل التشريعي الديني الأخلاقي يتجلى بشكل أوضح له أثره البالغ في وسيلة إثبات دينية محضة هي «اليمين»، فأساس مشروعيتها إشهاد الله تعالى على صدق المُقر والمدعى عليه، وعقوبتها دينية أخروية محضة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»[8].

وهذا الجانب الأخلاقي في القواعد التشريعية هو من أخص ما ميز الشريعة الإسلامية، وبرغم أن المشرع الوضعي لطالما تنكر لهذه الخصيصة وقيمتها وحاول الانفكاك عنها، لكنه الآن وفي عنفوان مذهبه المادي يتطلع إلى هذه القيمة ويحاول بشتى الطرق تأسيس قواعده الوضعية على أساس أخلاقي، ويستنكر كل محاولة تبتعد بالقوانين عن الأُسس الأخلاقية.

وقد حدث هذا التحول حين تبين للمُفكرين والفلاسفة أن القواعد المُجردة عاجزة عن ضبط سلوكيات الأفراد، وأن الوسائل المادية لا تكفي للوصول للحقوق ولا إثباتها، في حين بقيت العقائد صامدةً أمام هذا التحدي لقيامها على أُسس أخلاقية، فضبط الحقوق بين الناس مرتبط بسلوكياتهم غير المُنفكة عن نواياهم وبواطنهم، وهي جوانب تعجز القوانين عن الوصول إليها إلا بشق الأنفس، فحُسن النية وسوؤها، والخطأ والإهمال والعزم على الفعل «العمدية»، كلها من أهم الركائز التي ينبني عليها اختلاف القاعدة القانونية التي تخاطب السلوك الواحد، وهي أمور لا شك تعجز الوسائل المادية عن ضبطها وكشفها، لذلك كانت غاية القوانين الكبرى هي تحقيق الاستقرار الظاهر للمجتمع وإن فسدت أخلاقه، فغايته في الحقيقة ليست الإصلاح، ولم تكن يوماً كذلك، عبثاً لطالما قالوا لنا إن من مقاصد القوانين إصلاح المجتمع، لكن هذا مما أثبت العقل وأثبتت التجربة عبر عشرات السنين استحالته، لأن الإصلاح عملية لا تُوجه في الأصل إلا إلى الأخلاق، والقوانين مُنفكة الصلة بها.

أما الشريعة الإسلامية فإن جُل قواعدها تقريباً موجهة إلى الأخلاق، في الشكل والموضوع والأدوات والوسائل على النحو الذي بيناه سلفاً، ويزيد على هذا أن الجانب التعبدي فيها لا يُمكن فصله عن الجانب الوقائي والإصلاحي، في تجانس وتكامل مُؤد ولا بُد لتهذيب النفس الإنسانية وضبط سلوكياتها نحو الأفراد والدولة


 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية (265).

[2] الدفاع الاجتماعي بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي (226).

[3] يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيره (4/2491): «والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه، وعدم التحرج من الإذاعة به، وتحريض الكثيرين من المُتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة، وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء، وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت».

[4] في ظلال القرآن (4/2490).

[5] حسن لشواهده: أخرجه أبو داود في سننه (4376/الحدود)، والنسائي في سننه (4885/قطع السارق)، وعبد الرزاق في مصنفه (10/229)، والحاكم في مستدركه (4/424)، والبيهقي في الكبرى (8/331)، والطبراني في الأوسط (6/210)، والدارقطني في سننه (4/ 118) جميعهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[6] في ظلال القرآن (4/2489).

[7] أخرجـه الإمام البخاري في صحيحه ( 5976/الأدب)، والإمام مسلم في صحيحه (87/الإيمان) كلاهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه

[8] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (2416، 2417/الخصومات)، والإمام مسلم في صحيحه (138/الإيمان) كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه