هذا عنوان كتاب ألفه الدكتور إسرائيل شاحاك، الذي عاش في وسط المجتمع الصهيوني في فلسطين خلال القرن الماضي، إذ درس في ثانوية «هرزليا» العبرية في تل أبيب ثم أكمل خدمته في الجيش من عام 1951 إلى 1953م، بعدها درس الكيمياء العضوية في جامعة القدس حتى حصل على الدكتوراه في عام 1963م، ثم رحل إلى كاليفورنيا في الولايات المتحدة وقام بدراسات إضافية في مجال تخصصه في جامعة ستانفورد، وبعد عودته كُلفَ بالتدريس في جامعة القدس عام 1973م أستاذ كرسي، وانتخب قبل ذلك رئيساً للجنة «حقوق الإنسان والمواطن» التي تأسست في الكيان الصهيوني عام 1935م.

 هذه الخبرة لدى هذا الرجل عن الكيان الصهيوني من الداخل كفيلة بنضج رؤيته وقوةِ طرحه، فعندما تكلَّم عن الكيان الصهيوني فإنه رأى هذا المجتمع على صورته الحقيقية أفراداً وأحزاباً وحكومةً وشعباً، وخلاصة هذه الرؤية مفادها: أن الأسس الأيدلوجية والقانونية التي يقوم عليها المجتمع الصهيوني تضعه حتماً في خط نازي لا يقل وحشيةً عن نازية هتلر.

قبل سنوات قرأتُ هذا الكتاب الذي ترجمه للعربية عن الفرنسية خليل فريجات، وأعدتُ مراجَعته قبل أيام، بعد أن اطلعتُ على مقالات وتغريدات لبعض المثقفين الذين اتهموا دينهم وتاريخهم وتراثهم وتعليمهم بالتعصب والعنصرية ضد اليهود، ومنحوا اليهود صك براءة من ذلك كله! وهذا مؤسف حقاً.

الحالات التي استشهد بها إسرائيل شاحاك في كتابه، والأحداث التي كشف عنها، والمقالات الصحفية التي كتبها، والاحتجاجات التي رفعها للمسئولين، والبيانات التي تقدم بها عن عنصرية حكومة الكيان الصهيوني هي رسالة لأولئك المنهزمين حضارياً وثقافياً ونفسياً، لو كانوا يقرأون ويعقلون.

ما كتبه شاحاك هو جزء من الحقيقة! والحقيقة هي أنك إذا رأيت يهودياً يمشي بجانبك في أي شارع أو يجلس بجوارك في أي مكان: مؤتمر، أو طائرة، أو قطار، أو مقهى؛ فاعلم أنه يتعامل معك بفكر توراتي تلمودي، سواء كان من حزب العمل، أو الليكود، أو المفدال، حسيدياً أو غير ذلك، ولذلك الحكم على فعل اليهودي بعيداً عن معرفة منطلقات ذلك الفعل حكم لا يُعتدُ به، والباحثون في الفكر اليهودي دراسةً وتحليلاً يدركون هذه الحقيقة.

في التوراة: «إنك يا إسرائيل شعبٌ مُقدَّس للرب إلهك... إياك قد اختار إلهك لتكون شعباً أخصَّ عن جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب بل من محبة الربِّ إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم»[1].

وفي التلمود: «إن الإسرائيلي معتبرٌ عند الله أكثر من الملائكة، وأنَّ اليهودي جزء من الله فإذا ضرب أميٌّ إسرائيلياً فكأنه ضرب العِزة الإلهية؟ والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق بين اليهودي وغير اليهودي؟ ولليهودي في الأعياد أن يُطعِمَ الكلبَ وليس له أن يُطِعِمَ غير اليهودي والشعب المختار هم اليهود فقط»[2].

من خلال هذه النصوص الدينية وغيرها كثير، نظر اليهودُ للعالم وتعاملوا معه بناءً على معطيات هذه النصوص، ولذلك مخرجاتها كانت واحدة برغم تغير الزمان والمكان والحوادث والوقائع، ومن صور ذلك ما يلي:

«حاتانيا»: الكتاب الأصولي الشهير لحركة «حباد» أحد أهم فروع الحسيدية، يقول هذا الكتاب: «إن كُلَّ غير اليهود مخلوقات شيطانية ليس بداخلها أي شيءٍ جيد على الإطلاق حتى الجنين غير اليهودي يختلف نوعياً عن الجنين اليهودي كما أن وجود غير اليهودي مسألة غير جوهرية في الكون فقد نشأ كل الخلق من أجل اليهود فقط»[3].

وهذا الحاخام مناحم مفدل أحد زعماء طائفة «حَبَد» اليهودية يقول: «إن التفاني لدى جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يجب أن يرتبط بالتوراة والتعاليم»[4].

بل تفضلوا أيها السادة واقرأوا هذه التصريحات لقادة وشخصيات بارزة في الكيان الصهيوني حتى يعرف المخذولون من هو المتعصب والعنصري نحن أم هم؟

مناحم بيغن الذي قادة مجزرة دير ياسين وتفاخر بها بقوله: «لولا دير ياسين ما كانت لتقوم إسرائيل»، قال موجهاً حديثه لشركائه القتلة من عصابات أرجوان وشتيرين وهاجانا وهو يحرضهم على مزيد من سفك الدماء متبجحاً: «يجب أن لا تأخذكم شفقة ولا رحمة وأنتم ترون الدماء تقطر من ضحاياكم عليكم أن تعلموا أن إسرائيل لن تبنى إلا على ركام حضارتهم ومدنهم وجماجمهم».

إسحاق رابين رئيس كيان العدو ووزير دفاعه السابق قال لجنوده أيام انتفاضة الفلسطينيين: «عليكم تحطيم صدور الفلسطينيين وكسر عظامهم كي تهدأ انتفاضتهم... إن الفلسطينيين لا يهدأون إلا وهم قتلى لا حراك فيهم».

أما حاخامهم الأكبر عوفاديا يوسف زعيم الحاخاميين من حزب «شاس» في تكتل الليكود الحاكم سابقاً فقد أعلن جهاراً وبكل وقاحة في الكنيست على مسمع من العالم أجمع قوله: «العرب أقذرُ الحيوانات على الأرض التوراة تأمر بقتلهم جميعاً... أرض إسرائيل يجب أن تكون نظيفة من غير اليهود»[5].

وأي عنصرية بقيت عندنا نحن العرب مع عنصرية الحاخام كوك مؤلف كتاب «روح الأمة» عندما قال: «إن ما يُميَّز اليهود عن غيرهم أنَّ قوانينهم سماوية جاءت من الرب وأنَّ مصيرَهُم مُختلِفْ»[6].

اليهودي باروخ غولدشتاين الذي نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل ونتج عنها مقتل خمسين مصلياً وهم سجود ومئات الجرحى، تم تعيينيه طبيباً في الجيش الصهيوني، وعند قراءة وصيته التي كتبها تتضح صورةُ العلاقة الوثيقة بين الفكر والمهنة، يقول في وصيته: «ليس هناك أيُّ تناقض بين عملي طبيب وعقيدتي اليهودية التي تربيتُ عليها وأدافع عنها هناك وقت للعلاج؟ ووقت لقتل العرب، إن التعايش مع العرب كذبة كبري لا تجيزها التوراة»[7].

وكتقدير له تم إطلاق اسم غولدشتاين على العديد من الشوارع والساحات والمستوطنات وعلى عشرات المواليد الجدد في الكيان الصهيوني، بل إن حاخام الصهاينة الأكبر شولومو غورين قال في حفل تأبينه وبحضور نحو ألف من المستوطنين: إن مليون عربي لا يساوون ظفر يهودي واحد... لقد كان غولدشتاين طبيباً ناجحاً عرف الداء فوصف الدواء».

وكتبت الصحيفة الصهيونية المشهورة هآرتس واصفة ظاهرة غولدشتاين: إن غولدشتاين لم يكن مريضاً نفسياً بل كان حارس العقيدة التوراتية التي آمن بها ونذر نفسه من أجلها»[8].

المفكر اليهودي «آشر جينز بورج» قال في بحثهِ المشهور «ليس هذا هو الطريق»: «إن الوطن القومي اليهودي المضمون المأمون هو وطن فكري وديني بحت.. يتألف من التوراة والتلمود»[9].

هذه بعض الشواهد على عنصرية الكيان الصهيوني وهي كما قرأتم متنوعة الأحزاب، والتخصصات، وخلال عشرات السنين، ومن ممثلي حكومات، وغيرها كثير من التاريخ والأدب والماضي والحاضر، فكيف يدلس مفتون بحب الكيان الصهيوني العنصري على أمة المليار مسلم وأكثر؟

ليت هؤلاء اطلعوا على الحقيقة التي توصل لها الباحث الفرنسي أندريه شوراقي في بحثه «اليهود في العصور الوسطى»، وهي أن موقف المجتمع الإسلامي العربي والمجتمع المسيحي الأوربي كانا على طرفي نقيض في من اليهود، فكلما كانت الدولة الإسلامية العربية قوية غنية آمنة مهيبةٌ مستقرة تمتع فيها اليهود بالحرية التامة ولم يمسسهم أي نوع من الإزعاج بينما كلما كانت دولة أوربا المسيحية قوية واطمأنت شددت النكير وأثقلت الاضطهاد على اليهود»[10].

إن مثل هذا التدليس على الأمة يراد له الشيوع والذيوع في أمة أنهكتها الحروب والصراعات فدماؤها تنزف وجسدُها يُقطَّع، والراقصون على جراحها كثر، والمتآمرون عليها مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، وواجب قادة الفكر، ومشاعل الثقافة، أن يضيئوا الطريق لها ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وأختم بقول العليم الخبير جل وعز في آية سورة آل عمران التي ترد على هؤلاء في أي مكان وزمان: {هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 199].


 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] سفر التثنية، الإصحاح الرابع عشر (14-2).

[2] العقيدة اليهودية وخطرها على الإنسانية، د. سعد الدين صالح، ص351، نقلاً عن الكنز المرصود ص51، ط 2/1416هـ، مكتبة التابعين - القاهرة.

[3] الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود، إسرائيل شاحاك، ص40، ترجمة حسن خضر.

[4] القوى الدينية في إسرائيل بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، د. رشاد الشامي، ص278.

[5] الأصولية في اليهودية، تأليف عبد الوهاب زيتون، ص213-215 بتصرف.

[6] المرجع السابق، ص51، نقلاً عن الأيدلوجية الصهيونية، عبد الوهاب المسيري.

[7] الأصولية في اليهودية، عبد الوهاب زيتون، ص327-331 بتصرف.

[8] الأصولية في اليهودية، عبد الوهاب زيتون، ص 327-331 بتصرف.

[9] العالمية وإسرائيل، تأليف د. حسن ظاظا وعائشة راتب ود. محمد فتح الله، ص65-66.

[10] الصهيونية العالمية وإسرائيل، تأليف حسن ظاظا وآخرين، ص60-61.