أكد إسلاميو المغرب مرة أخرى على فرادة تجربتهم السياسية وقوة ذاتهم التنظيمية، بعدما حقق حزب العدالة والتنمية فوزاً كبيراً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي جرت يوم السابع من أكتوبر، حيث فاز بـ 126 مقعداً نيابياً من أصل 395 تشكل مجلس الأمة بالمغرب، وذلك بفارق كبير عن أقرب منافسيه حزب الأصالة والمعاصرة (حزب هجين يضم يساريين ويمينيين ورجال أعمال، تأسس سنة 2008 من طرف وزير سابق منتدب في وزارة الداخلية، هو فؤاد عالي الهمة، ويشغل حالياً منصب مستشار بالديوان الملكي)، والذي حصل على 101 مقعد، فيما حل حزب الاستقلال ثالثاً بـ 46 مقعداً، بحسب النتائج الرسمية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية.

ويأتي الفوز الجديد لحزب العدالة والتنمية، بعد عام واحد من الانتخابات الجماعية والجهوية (البلديات والمحافظات) (4 سبتمبر 2015)، والتي حقق خلالها الحزب انتصاراً كاسحاً مكنه من الظفر بعمادة كل المدن الكبرى، مثل طنجة والرباط وسلا وفاس ومكناس وتطوان والدار البيضاء ومراكش وأكادير، وحواضر أخرى، كما ترأس عشرات البلديات القروية التي كانت معقلاً لأحزاب عريقة أو أخرى توصف بكونها مقربة من الإدارة المغربية، وهو ما جعل تفسيرات عدد من المراقبين حينها تعد نتائج الانتخابات البلدية بمثابة «استفتاء شعبي على حكومة عبد الإله بنكيران»، التي كانت قد قضت أربع سنوات من التدبير الحكومي.

شهر تحت القصف:

مرت فترة حملة الدعاية الانتخابية التي تسبق يوم الاقتراع (مدتها 15 يوماً) وما قبلها، عسيرة على حزب العدالة والتنمية، فبينما كان مناضلو الحزب يتحركون كخلايا النحل بمعية وكلاء اللوائح الانتخابية المحلية يتواصلون مع الناخبين، كانت قيادة الصف الأول للحزب تتعرض لقصف إعلامي من كل حدب وصوب، إذ لا يكاد يمر يوم دون أن تخرج إحدى الصحف الموالية للتيار الاستئصالي، بأخبار زائفة على منوال «الإعلام المصري» إبان فترة حكم الرئيس المصري محمد مرسي، تستهدف أعراض بعض البرلمانيين المنتمين للحزب وتتهمهم في أعراضهم بـ«الخيانة» و«نسج علاقات غرامية».

وشمل التحريض الإعلامي استهداف بعض المرشحين الذين اختارهم الحزب لكي يكونوا وكلاء اللوائح الانتخابية، مثل الشيخ حماد القباج، وهو أحد العلماء الشباب في المغرب، وأستاذ سابق بمدارس القرآن بمراكش، والذي منعه والي جهة مراكش من الترشح بسبب الضغط الإعلامي للمنابر الصحافية المعروفة بعدائها لمظاهر التدين في المجتمع المغربي، بل أكثر من ذلك ذهبت بعض الصحف في التعبئة ضد الحكومة في مسيرة احتجاجية ضد ما أسموه «أخونة الدولة»، قبل أن يتبين أن حزب الأصالة والمعاصرة كان طرفاً في تنظيمها. وقبل نحو شهر من موعد الانتخابات روجت صحيفة فرنكوفونية هي «جون أفريك» إشاعة عن رئيس الحكومة، مفادها أن «الملك محمد السادس غاضب من عبد الإله بنكيران»، وهو ما نفاه رئيس الحكومة بعد ذلك في تصريح صحافي.

 أجواء مشحونة:

برغم التطمينات التي قدمتها وزارة الداخلية للأحزاب بضمان نزاهة العملية الانتخابية إلا أن أجواء يوم الاقتراع مرت في ظروف مشحونة في بعض المناطق، فقد اشتكت عدة أحزاب من «خروقات» و«اختلالات» تمثلت أساساً في تدخل بعض رجال السلطة، ودعوتهم الناخبين بالتصويت لصالح حزب معين، وفي بعض الدوائر الانتخابية اشتكت بعض الأحزاب من عرقلة عمل مراقبيها داخل مكاتب التصويت، فيما منع آخرون من المشاركة في عملية الفرز، أو عدم تسليمهم نسخاً من المحاضر المركزية، كما حصل مع مراقبي حزب العدالة والتنمية في إقليم شفشاون وتطوان.

وبعد نحو أربع ساعات من إغلاق مراكز الاقتراع، استبق حزب العدالة والتنمية الإعلان عن نتائج حزبه في ندوة صحافية، بالمقر المركزي بالرباط، عبر أمينه العام عبد الإله بنكيران، ووزير العدل مصطفى الرميد، أكد فيه تصدر حزبه لنتائج الانتخابات بفارق كبير عن منافسيه، ليخرج بعد ساعة من ذلك وزير الداخلية يؤكد انتصار حزب العدالة والتنمية، وموجهاً إليه انتقادات بسبب كثرة البلاغات التي أصدرها تنديداً بتدخل السلطة في بعض الدوائر الانتخابية، موقف ردت عليه قيادات الحزب الإسلامي بالصمت إلى حين استقبال الملك محمد السادس الأمين العام للحزب وتعيينه رئيساً للحكومة.

الملك يعين بنكيران لولاية ثانية:

لم ينتظر العاهل المغربي، الملك محمد السادس، أكثر من 72 ساعة على إعلان نتائج اقتراع يوم الجمعة سابع أكتوبر، حتى استضاف عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، والذي فاز بدوره في الانتخابات بمقعد نيابي عن دائرة سلا، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، وعينه مجدداً رئيساً لحكومة جديدة سيتولى رئاستها خلال خمس سنوات قادمة، في الفترة ما بين (2016-2021)، وكلفه بتشكيل أعضائها في أجل أقصاه شهر واحد، وهكذا أصبح عبد الإله بنكيران أول وزير في تاريخ المغرب يتولى رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين.

تكليف الملك محمد السادس للأمين العام لحزب العدالة والتنمية جاء احتراماً لمنطوق الدستور المغربي الذي ينص في فصله السابع والأربعين على أن «الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها»، وبذلك وضع الملك حداً لكل التكهنات خصوصاً من طرف بعض القوى الاستئصالية التي كانت تراهن على «انقلاب» صناديق الاقتراع، لأن مجال التعيين محفوظ دستورياً للملك، إلا أن العاهل المغربي تبنى بحسب جل المراقبين، الخيار الدستوري في تأويل التصويت الشعبي على رئيس حكومتهم.

نتائج متوقعة:

يرى عدد من المتتبعين أن نتائج انتخابات سابع أكتوبر كانت متوقعة بالنظر إلى مجموعة من المؤشرات، أولها نتائج الاستحقاقات الانتخابية المتعلقة بالبلديات والمحافظات التي جرت قبل نحو عام، وثانياً حجم حضور الأحزاب في الدوائر الانتخابية، ذلك أن الخريطة الانتخابية بالمغرب تتكون من 92 دائرة، تضم عدة جماعات (بلديات) حضرية وقروية، في كل دائرة عدد مُحدد من المقاعد البرلمانية تتراوح ما بين مقعدين وستة مقاعد، إلا أن ثلاثة أحزاب فقط تمكنت من تقديم المرشحين في جميع الدوائر، وهي حزب العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، ثم حزب الاستقلال.

غير أن بعض الملاحظين يعتبرون أن نتيجة الانتخابات كانت متوقعة من جهة فوز كبير لحزب العدالة والتنمية، كما هو الشأن بالنسبة لأستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، والذي صرح لموقع «العمق» الإخباري، بأنه لو لم يتدخل رجال السلطة في بعض الأحيان لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، لفاز إخوان بنكيران بحوالي 200 مقعد نيابي، معتبراً أن المشهد السياسي أفرز بين إرادة الشعب يمثلها العدالة والتنمية والأحزاب الوطنية، وإرادة تعطيل الديمقراطية ويمثلها حزب الأصالة والمعاصرة المدعوم من النظام، على حد قوله.

نصر سياسي:

إذا كان حزب العدالة والتنمية قد حقق فوزاً انتخابياً كبيراً خلال الاستحقاقات البرلمانية الأخيرة، بإضافته 18 مقعداً جديداً إلى رصيده مقارنة بانتخابات 2011، فإنه تمكن أيضاً من تحقيق نصر سياسي بإسناد شعبي على من يوصف في أوساط متتبعي الشأن السياسي المغربي بـ«تيار التحكم»، وهو  (مركب مصالحي يضم موظفين سامين في الدولة، ورجال أعمال، ورجال سلطة كباراً في وزارة الداخلية، ويمثل واجهته السياسية، حزب الأصالة والمعاصرة)، ذلك أن نتائج الانتخابات الأخيرة كشفت رغبة الأخير في الهيمنة على المشهد السياسي، بحيث لم يسلم من سطوته حتى حلفاؤه من أحزاب المعارضة مثل: الاتحاد الاشتراكي (يساري)، والاتحاد الدستوري، إذ خسر الحزبان أزيد من ثلث مقاعدهما في البرلمان مقارنة بالولاية التشريعية السابقة، بعد أن حصلا على 20 مقعداً للأول، و19 فقط للثاني.

كما تضرر أيضاً من توغل حزب الأصالة والمعاصرة أحزاب مغربية تاريخية، مثل: حزب الاستقلال، (محافظ ذو مرجعية إسلامية)، والحركة الشعبية (يميني - محافظ)، بعد أن استقطب منهم تحت طائلة الضغوطات المرشحين «الأعيان» (أشخاص ذوو مكانة مادية أو معنوية ويتوفرون على نفوذ قبلي)، حيث ضاع من الأول أربعة مقاعد برلمانية وسبعة مقاعد من الثاني، كما لم يسلم من هيمنته حزب التجمع الوطني للأحرار الذي فقد هو الآخر بسببه سبعة مقاعد نيابية، إضافة إلى حزب التقدم والاشتراكية (ذو مرجعية يسارية وعضو في التحالف الحكومي)، حيث حصل الأخير على 12 مقعداً فقط، إلا أنه اعتبر نفسه ضحية تجاوزات واختلالات رافقت عملية التصويت يوم الاقتراع، فيما رأى مراقبون أنه أدى ضريبة مهاجمته لحزب الأصالة والمعاصرة.

مشاورات يسيرة:

مباشرة بعد تكليفه من الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة شرع الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في التشاور مع مختلف الأحزاب السياسية باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتبره يمثل وجه «السلطوية» في المغرب، وأن ممارساته تتعارض مع الأسلوب الديمقراطي، وبالتالي فإن قادة حزب العدالة والتنمية وضعوا حوله خطاً أحمر من أجل عزله عن المشهد السياسي.

واختار عبد الإله بنكيران بدء مشاوراته مع حلفائه في الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته، ويتعلق الأمر بحزب التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، بعدها سيطرح موضوع المشاركة في الحكومة مع حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن وجود أمينين عامين على رأس الحزبين الأخيرين معروفين بمناورتهما السياسية، يمكن أن يعرقل بحسب بعض المتتبعين التقارب الحاصل مؤخراً خاصة بين قيادة حزب الاستقلال والعدالة والتنمية، ومع ذلك فإن كل الخيارات المتاحة أمام عبد الإله بنكيران، تضمن له تشكيل أغلبية مريحة.

وصفة إسلاميي المغرب في السلطة:

تعد تجربة إسلاميي المغرب الوحيدة في الدول العربية التي تمكنت من إتمام ولايتها في السلطة، إلا أن ذلك لا يعني أن طريقها كان مفروشاً بالورود ولم تعترضها عراقيل وعقبات كادت تعصف بتجربتها الفتية، فقد خط حزب العدالة مساراً مغايراً في المنهج والأسلوب مستفيداً من تجربته في المعارضة البرلمانية، وفي كلا التجربتين مر الحزب بفترات عصيبة كان قياديوه ينحنون إلى العاصفة ريثما تمر، لعل أبرزها مرحلة ما بعد التفجيرات الإرهابية سنة 2003 عندما ارتفعت أصوات مكونات حزبية تطالب بحله، غير أن الملك محمد السادس حال دون ذلك، ثم في سنة 2009 تعرض الحزب لمضايقات كثيرة جراء انتقاداته الشديدة لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان قد تأسس قبل نحو عام من هذا التاريخ من طرف وزير منتدب في الداخلية وضم إليه الأحزاب الصغيرة، وحاول الهيمنة على المشهد السياسي باستنساخ نموذج زين العابدين في تونس (الحزب الواحد)، حيث زج بأحد أبرز قيادات حزب العدالة في السجن ولفقت له تهم جنائية.

وبعد توليه السلطة مطلع العام 2012، تعرضت التجربة الحكومية لهزات كثيرة أولها اصطدام رئيسها عبد الإله بنكيران بمستشاري الملك، ثم انسحاب «حزب الاستقلال» أحد مكونات الأغلبية الحكومية حينها، وخروجه للمعارضة في أواسط سنة 2013، مما دفع عبد الإله بنكيران لخوض مفاوضات شاقة مع حزب آخر هو «التجمع الوطني للأحرار» (توجه ليبرالي)، لتشكيل ائتلاف جديد أطلق عليه «النسخة الثانية من حكومة بنكيران»، حيث ضمت عدداً أكبر من الوزراء، وعدداً غير يسير من «التقنوقراط» (وزراء لا ينتمون لأي حزب سياسي)، كما أن باقي مدة الولاية الحكومة لم تخلُ من مناوشات مع بعض الأطراف داخلها، خصوصاً مع  الوزراء المحسوبين على الإدارة، مثل وزير الفلاحة والصيد البحري، ووزير الداخلية، ووزير المالية والاقتصاد، إضافة إلى معارضة شديدة من طرف النقابات المستقلة واتحاد رجال الأعمال، غير أن حكمة قادة حزب العدالة والتنمية تمكنت من إدارة الخلافات بأقل الخسائر الممكنة.  

وبالموازاة مع ذلك، ظل صراع حزب العدالة والتنمية مفتوحاً مع حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره يمثل «تيار التحكم» في البلد ويعرقل مسار الانتقال الديمقراطي، لكنه في الوقت نفسه نجح في بناء خيط الثقة مع القصر وتعزيز العلاقة مع المؤسسة الملكية، وأكد على ذلك في عديد من المحطات، إذ طالما شدد عبد الإله بنكيران على أن ولاءه للملك ولاء مبدئي وعقدي، لكنه في الوقت نفسه أوضح في حوار صحافي مؤخراً مع وكالة الأنباء الإسبانية أن «ولاءه للملك معروف لكنه غير مستعد للانبطاح»، وهو ما جعله في نظر شريحة من المواطنين زعيماً سياسياً يمثل كبرياء الشعب في مواجهة تيار السلطوية.

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.