مقدمة:

منذ عام أو أكثر، ومع تحول الاتفاق النووي الإيراني إلى حقيقة ماثلة، ظهرت إلى السطح بقوة نظرية عن التحالف الجديد بين واشنطن وطهران، وتم اعتبار هذا التحالف واقعاً يجب التعامل معه بالبحث عن بدائل أخرى للشراكة التاريخية والتحالف القديم بين الولايات المتحدة والدول العربية النفطية.

كان هناك عدد من الإشارات التي استند إليها أصحاب هذه النظرية أهمها الإصرار الأمريكي على توقيع الاتفاق ودعمه واستخدام قوته الدبلوماسية في سبيل إعادة الجمهورية الإيرانية لمكانتها «الشاهوية القديمة» - نسبة لفترة الشاه - كمركز من مراكز التجارة والخدمات العالمية. كما كانت هناك الإشارة الأهم وهي غض الطرف الأمريكي المقصود عن أدوار جمهورية الولي الفقيه في المنطقة وتعدياتها على من كانوا محسوبين ضمن أصدقاء أمريكا.

أما اليوم فيمكننا أن نقول إنه قد كان في كل ذلك مبالغة تفتقر إلى الواقعية، فلا يمكن بأي حال أن تستغني الولايات المتحدة عن بحيرة النفط الخليجية، حتى وإن صادقت طهران أو بدأت باستخدام مواردها الخاصة، ومن جهة أخرى فإنه من الصعب للعرب إيجاد بديل بوزن الولايات المتحدة وثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري وبالفعل فإن كل التحالفات الموازية التي تم تجريبها قد باءت بالفشل بطريقة أو بأخرى.

الولايات المتحدة ظلت قريبة من العواصم العربية وقد حرصت قيادة أوباما على متابعة اللقاءات في واشنطن وعلى زيارة كل العواصم المؤثرة من حين لآخر بالتركيز على تطمين الدول الخليجية من أن التقارب مع طهران، إن وجد، فإنه لن يكون على حساب الصداقات القديمة. ففي حرب اليمن كان موقف الأمريكيين أقرب إلى موقف التحالف العربي بقيادة السعودية منه إلى موقف الأطراف المسنودة من إيران وقد أعلنت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة أنها تتفهم الخطوات والتحركات السعودية من أجل ضمان أمنها. حتى إن موقف واشنطن من المأساة السورية بدا أقرب للموقف الخليجي الرسمي، وإن كان البعض يتمنى أن تفعل القوة الأولى في العالم المزيد من أجل حل القضية وإنهاء حكم بشار الأسد. لكن المفاجأة لم تأت من جهة التحالف المتوقع بين واشنطن وطهران، بل من تحالف آخر بين موسكو وطهران وهو الأمر الذي يبدو أن تداعياته ستستمر لوقت طويل.

التحالف الجديد:

التحالف الجديد هذا قد قطع الطريق على أصحاب رؤية استبدال واشنطن بموسكو عقب توقيع الاتفاق النووي، فبعد هذا التنسيق العالي بين الطرفين الإيراني والروسي خاصة في المسألة السورية يصعب التفكير في أن الروس قد يكونون بديلاً مناسباً وآمناً لمن يبحث عن حليف يقيه شر الخطر الإيراني.

في الواقع فإن هذا الحلف قد بعثر الكثير من الأوراق السياسية وكان كحجر كبير تم إلقاؤه في بركة دولية ساكنة، فمن جهة لم تكن المنطقة العربية مستعدة لاستعداء الروس أو اتخاذ مواقف قوية وصارمة إزاءهم حتى بعد تدخلهم العلني المستفز في الأرض السورية وتحوله من مجرد إسناد جوي محدود للجيش النظامي إلى عمليات إبادة ممنهجة[1]. هذا التدخل جعل العلاقة بين الأطراف العربية، على تفاوت بينها، وبين اللاعب الروسي تمضي في حذر بمحاولات دبلوماسية هادئة لتقريب وجهات النظر أحياناً، وبتغليب الطابع الاقتصادي والتعاوني حيناً آخر في ظل ضغط شعبي متزايد على دول المنطقة ومطالبات بالسعي لإيقاف روسيا ومنعها من استكمال مهمتها التدميرية في سوريا.

هذا التحالف السياسي والعسكري بين طهران وموسكو أعقد مما يبدو عليه، حيث لا يقتصر على مجرد التنسيق داخل الأرض السورية، بل يتعداه لتوحيد المواقف على الساحة الدولية واستخدام حيل القانون الدولي من أجل استمالة المزيد من الأطراف لمعسكره، خاصة تلك التي ترى فيه البديل عن الهيمنة الأمريكية والغربية.

التنسيق المعلن بين كل من روسيا وإيران والذي بدأ على شكل اتفاق تقوم بموجبه الأولى بتأمين الغطاء والضربات الجوية في حين تلتزم الثانية بالنفقات المادية واللوجستية للجنود والميليشيات على الأرض، هذا التنسيق قد دخل في أواسط شهر أغسطس الماضي مرحلة جديدة حين استخدمت روسيا قاعدة «همدان» الإيرانية من أجل الانطلاق لقصف مواقع سورية، وهو ما يعني أن الأمر قد تجاوز مجرد التنسيق والشراكة المرحلية ليدخل مرحلة «الاندماج» السياسي والعسكري.

التعقيد لا يتعلق فقط بالأطراف الخارجية بل يمتد للطرفين الأصيلين أيضاً، فقد وجدت طهران التي تقدم نفسها عاصمة للمقاومة والممانعة شريكة لروسيا التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع الكيان الصهيوني لدرجة التنسيق معه قبل وأثناء توغلها في الأراضي السورية مما جعل النظام الذي يتاجر بشعار «الموت لإسرائيل» شريكاً بشكل غير مباشر للكيان وملتزماً بالحفاظ على أمنه، وهي التعهدات التي قطعها حليفه الروسي على نفسه والتي من أهمها ضمان أن لا يشكّل أي تطور للمعارك تقوية لميليشيا حزب الله اللبنانية التي غيرت بدورها خطابها استجابة للمستجدات ليتحوّل من تأمين واستعادة الحدود اللبنانية من أيادي «العدو» إلى التدخل في سوريا الذي يقود إلى تحرير القدس.

صوت التاريخ:

منذ قرون كانت العلاقة بين إيران وروسيا تقوم على التنافس الإقليمي وفي غالب الأحيان على خضوع الأولى لنفوذ الثانية، كما كان الحال في فترة ازدهار روسيا القيصرية التي استطاعت قضم أجزاء واسعة من الشمال الإيراني. إبان الحرب العالمية الثانية غزا السوفيت إيران ثم ناصروا الاحتلال البريطاني من أجل قطع الطريق على ألمانيا النازية ولم يخرج الطرفان، وخاصة السوفيت، إلا في العام 1946 بعد أن ضمن الاتحاد السوفيتي إمدادات ثابتة من النفط.

كان الروس يحملون على الدوام نظرة متناقضة للجار الإيراني، فهم من ناحية ينظرون إلى الفرس بتعالٍ، ومن ناحية أخرى يجبرون على الحفاظ بعلاقة جيدة معهم بحكم الارتباط الجغرافي ولذلك فإنه يصعب وصف العلاقة التاريخية بين الطرفين بالجيدة، كما يصعب وصفها بالسيئة وفي الواقع فإن ما ينطبق عليهما ينطبق على الكثير من العلاقات بين دول العالم، فالمعروف أن العواطف مثل الحب والكراهية لا مكان لها في العلاقات بين الدول بل تبقى المصالح هي اللغة الأهم.

لنتذكر على سبيل المثال أن القرن العشرين قد شهد محاولات من إيران لتجاوز التنافس السياسي مع روسيا السوفيتية من أجل خلق شراكة تجارية برغم أن طهران كانت آنذاك جزءاً من المعسكر الغربي، وهي ذات اللعبة التي كررتها إيران بمهارة في السنوات الأخيرة مع منافستها تركيا التي اختلفت معها بشأن ملفات إقليمية مهمة لكنها، أي تلك الملفات المعقدة وعلى رأسها الأزمة السورية، لم تمنع مساعي جمهورية الولي الفقيه لاستمالة أنقرة عبر إقناعها بأن الخلاف السياسي لا يجب أن يعني الدخول في حرب ساخنة أو حتى باردة وأن من المفيد التركيز على المصالح الإستراتيجية الدائمة وعلى رأسها الاقتصاد.

لا يمكن فصل التاريخ عن الحاضر، فالواضح أن لإيران مهارة تحسد عليها في اللعب الخطر بين الحبال السياسية فهي تراهن الآن على موسكو لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تخسر الغرب، كما أنها تظهر من جهة ثالثة رغبتها في علاقات طبيعية حتى مع دول الخليج العربية. هذا يذكر بما كان يحدث في الستينات حينما كانت إيران جزءاً أصيلاً من المعسكر الرأسمالي لكن دون أن يمنعها هذا من التفاوض مع الاتحاد السوفيتي حول الشراكة في مجال التسلح.

إن دراسة تلك الفترة كفيلة بأن ترد على أصحاب المنظور العاطفي الذين يرون الأشياء ضمن لونين فقط، فهل يعلم أولئك أن الاتحاد السوفيتي راعي الاشتراكية والشيوعية حول العالم قد وقف مع الشاه الذي كان يعتبر رمزاً أصيلاً من رموز المعسكر المقابل ضد حزب «توده» اليساري؟ نعم، لقد غلّبت موسكو حينها مصلحة البلاد على مصلحة الأيديولوجيا فساندت توجهات الشاه وعلى رأسها ما سمي آنذاك بالثورة البيضاء مما سحب البساط عن حزبها الحليف وأفقده الدعم والسند وهو ما شكّل عليه ضغطاً أضعفه وحوّله إلى هامش الحياة السياسية. لقد ضحت روسيا بالأيديولوجيا طمعاً في توقيع المزيد من صفقات السلاح مع الإيرانيين وهو ما حدث بالفعل ونتج عنه استفادة الطرف الإيراني من التطور التقني السوفيتي في هذا المجال مقابل تمتع روسيا بصادراتها من الغاز.

بالمقابل فإن هذه العلاقة لم تؤثر على علاقة طهران الموازية بالأمريكيين ولم تمنع التحصل على السلاح الأمريكي النوعي، بمعنى أن هذا لم يؤثر على علاقة إيران بالغرب كما تمنى السوفيت، بل على العكس أراد الأمريكيون استعادة إيران حليفاً قوياً عبر مدها بسلاح أكثر تطوراً.

هذه العلاقة استمرت بعد الثورة الإيرانية، وفي حين شغل بعض المحللين السياسيين أنفسهم بفهم إمكانية الارتباط الفلسفي بين «الإسلامية» و«الماركسية» كان الأمر بالنسبة للطرفين أقل تعقيداً بكثير حيث تم الاكتفاء بالنظر إلى القواسم المشتركة الكثيرة التي على رأسها ابتعاد طهران أخيراً عن المحور الأمريكي المنافس. وإذا أعدنا قراءة فصول الحرب العراقية الإيرانية فسوف نتفاجأ حين نجد أن موقف موسكو منها كان أقرب لدعم إيران على حساب العراق الذي كان يعد حليفاً مقرباً لها.

كان الاتحاد السوفيتي ينظر لإيران كرهان مستقبلي وقوة ناهضة لذلك أراد أن يمد لها أيادي لا تنسى عبر تسليحها بشكل غير مباشر عبر دول الكتلة الشرقية في وقت كان يحظر فيه دعم القوى المتحاربة، لكن الفضيحة الأمريكية الشهيرة التي سميت بـ«إيران غيت» جاءت لتؤكد مرة أخرى أن إيران لا تضع بيضها أبداً في سلة واحدة ولا ترهن خياراتها جميعاً لصالح حليف واحد مهما عظم.

السياسة الإيرانية تبدو أقرب لسياسة التمويه وكأنها تستند حتى في علاقاتها الدولية لمذهب التقية، فالحقبة التي شهدت طرد دبلوماسيين روس من طهران كانت الحقبة التي شهدت فيها العلاقات بين البلدين تطوراً. بعد نهاية الحرب مع العراق ساهم الاتحاد السوفيتي في تحقيق طموح إيران بالحفاظ على تفوق نوعي على صعيد السلاح والعتاد على جيرانها العرب وخاصة العراق الذي ظل يشكل لها هاجساً وتهديداً وجودياً.

من العبارات المتكررة في مجال دراسة العلاقة بين روسيا وإيران وصف تلك العلاقة بالبرود بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتسلم الرئيس بوريس يلتسن، الذي كان يبدو مقرباً من الولايات المتحدة، للسلطة هناك. ربما يكون بروداً على صعيد الإقلال من العبارات الحميمة بين الطرفين لكن علينا أن لا ننسى أن العام 1992 قد شهد اتفاق التعاون الإستراتيجي لبناء مفاعل بوشهر النووي[2].

العلاقة مع روسيا في عهد بوتين:

دخلت روسيا بعد تسلم فلاديمير بوتين مقاليد الحكم مرحلة جديدة مختلفة لدرجة وصف البعض لها بالمرحلة «البوتينية» على غرار تسمية روسيا بالقيصرية والشيوعية. أهم سمات هذه المرحلة كان طغيان الجانب الأمني على السياسات الروسية، وذلك بسبب سيطرة ذلك الهاجس على الزعيم الجديد الذي لم يخفِ فخره بعمله السابق في المخابرات السوفيتية.

ركز بوتين على معالجة التحديات الأمنية والتي أهمها نزعة الدول والأقاليم ذات الغالبية المسلمة للانفصال أو الحكم الذاتي، وبرغم الخلاف مع الولايات المتحدة إلا أنه استفاد بقوة من لافتة الحرب ضد الإرهاب من أجل استخدامها كواجهة لمكافحة جميع المناوئين لسيطرة موسكو والراغبين في الخروج من تحت سيطرتها حتى من غير المناطق الإسلامية كأوكرانيا وجورجيا.

لكن تحدي بوتين الأكبر كان التحركات السياسية في الجمهوريات ذات الغالبية المسلمة والتي سعت بقوة لتحقيق الاستقلال أسوة بالجمهوريات السوفيتية الأخرى، بالإضافة إلى التحدي المتعلق بالصحوة الإسلامية السنية التي انبعثت بعد سنوات من السبات والتغييب الإجباري في عقود الإلحاد السوفيتي وهي صحوة ستشكّل وقود الحركات التحررية المطالبة بالانفصال.

من هنا اكتسبت العلاقة مع إيران أهمية كبرى فهي تتشارك مع روسيا نفس الهواجس من قيام كيانات سنية قوية في الجوار، كما أنها دولة لا يمكن تجاوزها لخبرتها الطويلة في الصراع ولعقيدة قادتها المنحرفة التي تجعل غير المسلم أقرب إليها من المسلم السني، وهو ما ظهر في تعاونها غير المحدود مع الولايات المتحدة إثر وبعد غزوها للعراق وأفغانستان ثم بتدخلها الإجرامي الأخير في سوريا.

وجود هواجس مشتركة وأعداء مشتركين لا يعني بالضرورة تماهياً بنسبة مائة بالمائة بين الجانبين، لكنه يعني أن هذه العلاقة الإستراتيجية قد نجحت في تأجيل المواضيع المختلف عليها حتى لا تؤثر على التفاهمات الكبرى.

أهم النقاط التي يتجنب الجانبان التطرق إليها لحساسيتها هو موضوع الحدود بالنسبة للدول المطلة على بحر قزوين، وهي مشكلة معقدة بالأصل وقد زاد من تعقيدها تفكك الاتحاد السوفيتي مما جعل الاتفاقات السابقة، والتي كانت تجعل البحر محتكراً للإيرانيين والسوفيت فقط، اتفاقات قد تجاوزها الزمن.

وتبدو هذه القضية في تعقيدها أشبه في منطقتنا بالجدل الدائر حول توزيع حصص النيل، فالدول الكبرى، وخاصة روسيا، ترغب في الاحتفاظ بمساحتها التقليدية وبـ«الحق التاريخي» في حرية الحركة في حين تطالب الدول الناشئة ككازخستان وأذربيجان وتركمانستان بحصة متساوية أسوة بغيرها مما يجعل ثروات البحر الكبيرة من النفط والغاز تخرج عن الاحتكار الروسي.

النقطة الثانية التي ظن البعض أنها ربما تخلق فتوراً في العلاقة بين الجانبين هي سعي طهران لامتلاك سلاح نووي باعتبار أن حصول الجار الإيراني على سلاح متقدم ليس خبراً جيداً بالنسبة لبلد باحث عن الزعامة الإقليمية كروسيا. لكن هذا التحليل قد تجاهل حقيقة أن السند الأساسي لإيران من أجل تطوير وتعزيز قدراتها النووية كان روسيا التي قدمت الدعم اللوجستي والتكنولوجيا النووية لشركائها في طهران وهو ما يعني أن موسكو، ومنذ وقت بعيد، قد بدأت تنظر لعلاقتها مع طهران على أساس أنها علاقة إستراتيجية بعيدة المدى وليست مجرد حلف مؤقت أو تنسيق مرحلي.

لنتذكّر أن روسيا لم تعترض على امتلاك إيران للقوة النووية، بل ظلت على الدوام داعمة للخيارات الإيرانية في المحافل الدولية، كما أنها كانت أهم من وقف ضد المشروعات التي كانت تهدف لتوجيه ضربة لإيران أو حتى فرض عقوبات قاسية عليها.

لكن هذه العلاقة، وكأي علاقة بين دولتين متنافستين، لم تكن على وتيرة واحدة حيث حدث في العام 2005 أن اقترحت روسيا تخصيب اليورانيوم لإيران داخل الأراضي الروسية ولسبب ما رفضت ذلك طهران، ربما خشية من الارتهان الكامل لموسكو، والذي حدث أن دخلت العلاقة بين البلدين فترة جمود كانت إيران هي المتأثر الأكبر بها حيث ظهر الغضب الروسي في دعمها لقرارات أممية ضد صديقتها إيران خلال الأعوام 2006-2011، كما تلكأت في تنفيذ اتفاقات الدعم التقني للمفاعل الإيراني قبل أن تبدو أخيراً غير متحمسة لمنح إيران الوقود النووي.

كل هذا لم يتغير، لحسن حظ طهران، إلا بتغير المشهد في سوريا وظهور احتياج موسكو لدعم طهران من أجل إبقاء بشار الأسد حليفاً مشتركاً.

عاد التعاون بين الجانبين بقوة وانتهت فترة الجمود والبرود وقفز التعاون الاقتصادي والتعاون في مجال صادرات السلاح إلى مستويات غير مسبوقة خاصة بعد نجاح الاتفاق النووي وفك الحظر على حركة التجارة مع إيران، بل بدأت موسكو تنظر للانفتاح الإيراني على الغرب بعين مختلفة حيث رأت أن مثل هذا الانفتاح يوفر لها الكثير من الفرص ويعزز من تعاون جميع الأطراف.

استمر الحال في سوريا على ما تابعناه لأكثر من خمس سنوات انتقلت فيه روسيا من الدعم السياسي والدبلوماسي لنظام بشار الأسد والتنسيق معه عبر حليفتها طهران إلى التدخل العسكري المباشر جنباً إلى جنب مع القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها، ثم انتهى الأمر بهذه الشراكة لتصل مرحلة التوحد الكامل على الطريقة التي ذكرناها في بداية المقال والتي تقوم فيها روسيا بضرب مناطق في سوريا من داخل الأراضي الإيرانية.

من المفارقات هنا أن سوريا التي ساهمت أحداثها بخلق هذا الحلف الدامي هي ذاتها سوريا التي شكلت سبباً للخلاف الذي يظهر بحدة أحياناً ليشكّل أكبر تهديد للعلاقة بين الجانبين.

الخلاف حول سوريا:

يبدو الأمر أشبه بقصة اللصوص الذين أكملوا مهمتهم بنجاح ثم اختلفوا على قسمة المسروقات، فإيران وروسيا اللتان كانتا تبدوان بمصالح متطابقة لم تعودا كذلك مع استمرار التعقيدات على الساحة السورية.

من جهة، تبدو روسيا تحت وطأة وثقل الأزمة الاقتصادية والأخلاقية التي ولدها تدخلها العسكري في سوريا راغبة في خروج آمن وكريم من المستنقع الذي غرزت فيه والذي يذكّر بقوة بمأساة هزيمتها في أفغانستان.

هذه الرغبة لا تعني الاستسلام لشروط المعارضة والسماح بديمقراطية حقيقية قد تأتي بشخصيات ناقمة على روسيا أو على الأقل أقرب إلى المحور الغربي، بل تعني القبول بمناقشة مصير بشار الأسد شريطة ضمان خلافته بأصدقاء آخرين سواء في إطار دولة موحدة أو دويلات متفرقة لكن موالية في معظمها لروسيا على طريقة الدول الوليدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد صرح بالفعل نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في نهاية فبراير الماضي قائلاً إن الحل ربما يكون دولة اتحادية وكيانات فدرالية.

ومن جهة أخرى، تظهر إيران التي استثمرت بدورها الكثير في سبيل دعم حليفها بشار وقدمت تضحيات نفيسة على مستوى الأفراد وقوات النخبة، كما ضحت بسمعتها في الوسط العربي والإسلامي الذي لم يعد ينظر إليها إلا كشريك في القتل والتدمير.

إيران ليست مستعدة حالياً لظهور كيانات سورية متفرقة، ليس رغبة وحرصاً على وحدة الأراضي السورية كما تدعي ولكن، وبالأساس، لأن حلاً كذلك سينشئ بالضرورة كياناً كردياً مستقلاً وهو ما يهدد الوضع الداخلي في إيران على المدى القريب، كما أن مثل هذا الحل غير مأمون العواقب في حالة نشوء كيان معاد يستطيع قطع طريق الإمداد التقليدي الموصل للحليف الأهم حزب الله اللبناني.

هنا مفارقة يجب التوقف عندها فيما يخص موضوع الأكراد، فهذه المجموعات كانت مدللة من قبل الأمريكيين الذين استعانوا بها كقوة علمانية من المنطقة وجادة في محاربة الإرهاب، كما كانت مدللة من الجانب الروسي الذي كان يعمل على تقويتها نكاية في تركيا إبان الأزمة الشهيرة بين البلدين. لكن الواقع قد تغير وعادت المياه إلى مجاريها بين تركيا وروسيا مما هدد بقوة العلاقة مع الأكراد الذين عادوا لموقعهم القديم كمجموعة إرهابية فوضوية في عرف دول المنطقة خاصة وأن من مصلحة الصديق التركي الجديد أيضاً عدم ظهور دولة أو جسم كردي منفصل.

الحجم الحقيقي لإيران:

إذا سلّمنا بوجود شراكة أو تحالف حالي بين كل من إيران وروسيا فإنه يجب علينا أن نجيب على السؤال التالي: هل يمكن وصف هذا العلاقة بالعلاقة الندية، أم أنها علاقة يهيمن فيها طرف على الآخر؟

أنا أميل إلى الفرضية الثانية، فإيران تبدو لي وكأنها مجرد مخلب تستخدمه روسيا وتحركه كما تشاء وهي التي تحدد متى يمكن الاستمرار في هذه العلاقة ومتى يجب أن تدخل ثلاجة باردة لحين إخراجها في وقت لاحق وهكذا كان الحال كما سردنا حتى فيما قبل الأحداث الحالية.

روسيا هي التي أعلنت أنها استخدمت القاعدة الإيرانية من أجل قصف مواقع في سوريا، وهي عادة روسية من أجل إثبات الذات ومن أجل إثبات أنها الحلقة الأقوى والمتحكم الأهم في شؤون النزاع، أما الجانب الإيراني فكان دوره ثانوياً وتجميلياً حيث ظهر مسؤولون لاحقاً ليعلنوا أنهم قد وافقوا على استخدام هذه القاعدة في إطار التعاون لمحاربة الإرهاب، وهو ما أثار الجدل داخل وخارج إيران حول مفهوم السيادة التي عرفتها الثورة الإسلامية في أيامها الأولى بأنها رفض الوجود العسكري الأجنبي.

حتى حينما ظهر بعد أيام خبر وقف هذا التعاون الذي أعلنته الخارجية الإيرانية فإن المعلقين لم يكفوا عن السخرية فلو كان الخبر غير صحيح فإيران كاذبة، وإن كان صحيحاً فسيكون أقصر اتفاق لاستخدام قاعدة عسكرية عبر التاريخ، وهو ما حدا ببعضهم لتسميته في تعليق متهكم بـ«اتفاق المتعة العسكرية».

الذي يهمنا هو أن علاقة موسكو بطهران مشابهة لعلاقتها مع بشار الأسد الذي خرجت قاعدة حميميم عن سيطرته منذ أمد والذي تفاجأ ذات يوم بوصول وزير الدفاع الروسي إلى سوريا، أي إنها علاقة أقرب لعلاقة فرض النفوذ منها لعلاقة تعاون وشراكة بين بلدين، ولا نشك في أن روسيا ستعود لاستخدام القاعدة الإيرانية والميليشيات الفوضوية التابعة لطهران متى ما احتاجت لها تاركة لأصدقائها هناك مهمة التبرير بما يحفظ ماء وجههم.

هذه النقطة مهمة لأن علاقة ندية تجعلنا نتعامل مع الجانبين بدرجة واحدة من الاهتمام في حين أن الواقع هو أننا أمام قوة واحدة متجبرة تظن أن مصلحتها مع الطرف الإيراني وتفهم أنها بهذا التدخل الدموي إنما تنافس الولايات المتحدة في سيطرتها على المنطقة.

لقد انتقدنا لوقت طويل من يقللون من شأن الخطر الإيراني ونوايا جمهورية الولي الفقيه تجاه المنطقة وقد حان اليوم وقت انتقاد أولئك الذين بالغوا، على الجانب المقابل، في تقدير القوة الإيرانية، فالواقع أن إيران قد اكتسبت هذا الوزن الإقليمي من خلال ضعف وتفكك دول جوارها، فأصبحت روسيا أو أميركا أو أي دولة أخرى لا تنظر للأمر على أنه خيار بين إيران وبين العالم الإسلامي ذي الغالبية السنية، بل على أنه خيار بين إيران القوة الناشئة والمهمة ودولة كذا أو كذا مما يجعل الميزان في صالح الدولة ذات المساحة وعدد السكان الأكبر والموقع والمساحة الأهم.

لقد استخدمت الولايات المتحدة سابقاً إيران التي لولاها لما تمكنت من استهداف العراق أو أفغانستان الطالبانية وهي حقيقة يفتخر بها الإيرانيون ولا يخفيها الأمريكيون، لكن الجديد هو تكرار اللعبة هذه المرة بواسطة روسيا التي قد ترث النفوذ الإيراني في العراق واليمن ولبنان عبر تحكمها في المخلب الإيراني.

ما هو المطلوب فعله الآن:

إن المطلوب هو وعي شعبي عام ينعكس على الإرادة السياسية وهو يتحقق حين يدرك المفتونون بالتجربة الإيرانية في المنطقة أن أوراق التوت التي كانت إيران تغطي بها سوءاتها كمصطلحات المقاومة والممانعة ووحدة الصف الإسلامي قد سقطت بعد أن تكفلت هي نفسها بفضح نفسها وإظهار حقيقتها الطائفية البغيضة.

إيران التي كانت تلوم الدول العربية، والشاه أيضاً، لعقدهم تحالفات عسكرية مع الدول الغربية هي التي قامت الآن بفتح قاعدتها للروس وبفتح المجال للقوات المسلحة الروسية.

وحينما تعلن روسيا عن مناورات مع جيش الكيان الصهيوني انطلاقاً من الأراضي السورية، فإن هذا يعني تورط منظومة الممانعة جميعها في علاقة مشبوهة مع عدوها المفترض الذي ما اجتاحوا الأرض السورية، بزعمهم، إلا لمحاربته عبر تقوية نظام الأسد «المقاوم». هذا طبعاً بخلاف العلاقة الموازية مع «الإمبريالية الأمريكية» التي يتم التنسيق معها حتى لا تتعارض الضربات مع أماكن تواجد قوات الحلف الغربي.

علينا أن ندرك أيضاً حقيقة أن التحالف الروسي الإيراني ليس واقعاً أبدياً، فليست هنالك ثوابت في السياسة ولا في العلاقات الدولية، بل متغيرات تحكمها المصلحة ولقد رأينا كيف تحولت العلاقة بين تركيا وروسيا من حالة عداء تنذر بحرب شرسة إلى علاقة ودية تعاونية في ظرف أشهر معدودات. روسيا تدرك هذه الحقيقة ولذلك فهي تفضّل ألا تخسر الدول العربية التي ترتبط معها بعلاقات تجارية واقتصادية تاريخية وهو ما يجعلها غير قابلة للانجرار بعيد المدى خلف التهور الإيراني الذي تسيطر عليه عقيدة الكراهية.

روسيا تعلم أن هذا التهور الإيراني مدمر، كما تعلم أن السياسة المبنية على زرع الميليشيات الموازية للجيوش الرسمية هي سياسة تهدد، عاجلاً أم آجلاً، أمن الإقليم ولذا نراها تصر على إدماج العناصر المقاتلة في الجيش السوري الرسمي من أجل تسهيل السيطرة عليها والتحكم بها.

على الجانب الإيراني هنالك أيضاً تململ وقلق من مستقبل هذه العلاقة التي تبدو في ظاهرها حلفاً أو تعاوناً، فيما هي في أصلها علاقة تهدد نفوذ إيران وتفردها بالقول الفصل في عدد من العواصم العربية، فقد أوضحت فضيحة استخدام القاعدة الإيرانية ومن قبلها الطريقة التي يتعامل بها الروس مع شركائهم المفترضين أن روسيا إنما تريد فرض نفوذها على سوريا وهو ما قد نجحت فيه إلى حد كبير برغم الثمن الغالي الذي دفعته طهران، لكن الأخطر بالنسبة للإيرانيين هو أن ترغب روسيا في التوسع على حساب المناطق التي أصبحت إيرانية بوضع اليد كالعراق الذي يضخ المليارات سنوياً لصالح الخزينة الإيرانية عبر الاستيراد وتجارة النفط، هذا غير مناصرته السياسية المهمة لإيران في المحافل العربية والإقليمية.

خطأ التعويل على تركيا:

لا شك أن تركيا قد لعبت أدواراً إيجابية كثيرة بشأن الوضع السوري، فبالإضافة لاستقبال الملايين من المهاجرين وخصوصاً الناشطين والفاعلين من الثوار، قامت تركيا بتسليط الضوء أكثر من مرة على النفاق الغربي وعلى اشتراك الصامتين في جرائم القتل التي يقوم بها النظام، كما ركزت دبلوماسيتها على فضح المعايير الدولية المزدوجة وعيوب القانون الدولي الذي سمح للمجرم بالنجاة بل تعامل معه كشريك في الحل.

لكن المستجدات الجديدة قد أثرت بقوة على التمادي في هذا الدور، ليس فقط بسبب تصاعد الهاجس الأمني بعد سلسلة العمليات الإرهابية والانقلاب العسكري الفاشل، ولكن لأن العلاقة مع الجانب المقابل الذي تقوده روسيا وإيران قد تبدلت أيضاً على جانب العلاقات مع روسيا التي دخلت مرحلة التطبيع قبل أن تتجاوزها لتدخل في مرحلة الشراكة لمحاربة «الإرهاب»، وعلى جانب العلاقة مع إيران، وللأهمية سأركز هنا في عجالة على واقع العلاقات التركية الإيرانية.

كانت تركيا على الدوام تتمتع بعلاقة طيبة مع إيران لضرورات الحاجة الاقتصادية حتى إبان اشتداد الاختلاف حول القضية السورية، لكن هذه العلاقة توطدت أكثر ونمت بشكل حثيث خلال أشهر البرود التي اتسمت بها العلاقات الروسية التركية حيث مثّلت إيران البديل الأهم الذي يمكنه أن يحل محل روسيا كشريك تجاري واقتصادي وخاصة في مجال إمدادات الطاقة.

هنالك إذن احتياج اقتصادي بالإضافة للحاجة الماسة للتنسيق ضد قيام كيان كردي وهو الاتجاه الذي تدفع باتجاهه الدول الغربية ولا تبدو روسيا معترضة عليه.

إضافة إلى كل ذلك هنالك اشتراك في محاربة داعش كخطر داهم وأولوية قد تفوق، حتى بالنسبة لتركيا، أولوية إسقاط نظام بشار الأسد الذي لم يشكّل في أي وقت تهديداً للأمن التركي.

لقد لخص وزير الخارجية التركي السابق علاقة بلاده مع إيران قائلاً إبان زيارته لطهران في السادس من مارس 2016: «تركيا بوابة إيران إلى أوربا وإيران بوابتنا إلى آسيا».

هذه العبارة تلخص في بلاغة العلاقة بين الطرفين وتوضح حدود التحرك التركي ولماذا كانت أنقرة تحاول دائماً الفصل بين السياسة والاقتصاد في علاقتها بإيران. بعض الذين يحاولون خلق أعذار للاقتراب التركي من إيران يرون أن علاقة جيدة مع نظام الولي الفقيه قد تقود الأخير إلى الاقتراب من المحور التركي الذي هو غربي أساساً على حساب محور ما يسمى زوراً بـ«الممانعة».

قد يكون ذلك صحيحاً مما يساهم على المستوى البعيد في تفكيك التحالف مع روسيا وهو التحالف الذي تسيطر عليه عقلية العمل ضد المجموعة العربية المنافسة لطهران، لكن الأوضح والذي ثبت من خلال متابعة السياسة التركية الخارجية خلال العامين الماضيين هو أن تركيا محكومة بالبراغماتية، أي باتجاه البحث عن مصلحتها الذاتية بالدرجة الأولى وهو ما يجعلها تبدو لغير المتابع أحياناً بسياسات مرتبكة ومتناقضة. الخلاصة هي ضرورة عدم التعويل عليها، وحدها، لصد المهددات التي يولّدها هذا التحالف خاصة وأنه لا يشكل خطراً مباشراً على أمنها القومي.

خلاصة

الحق لا يمكن أن يكون أبداً في صف المعتدي والقوة المادية ليست كل شيء فيما يتعلق بالصراع بين الحق والباطل.. هذه حقيقة تاريخية وسنة وجودية نرى أثرها اليوم في الواقع السوري، فالثورة التي ظن الديكتاتور أنه سيطفئها خلال ساعات استمرت لسنوات، ولم يزدها تدخل إيران المباشر إلا اشتعالاً، أما الطيران الروسي فهو لم ينجح سوى في حصد أرواح الأبرياء من النساء والأطفال والمدنيين في حين تتقدم قوات المعارضة المسلحة برغم قلة عددها وعتادها وانسحاب داعميها.

لقد فشلت ميليشيات الحقد الطائفي التي جلبتها إيران من كل مكان في حسم المعارك لصالح طاغية الشام، كما فشلت قوات النخبة الإيرانية والعدد الكبير من المستشارين العسكريين الذين تم نقلهم إلى الأراضي السورية لمكافحة شعب أعزل. هذا الفشل هو ما دعا موسكو لمزيد من الانغماس في الحل العسكري رغبة في كسر إرادة المقاومين مما يمهد لقبولهم بحل تفاوضي على طريقتها التي تقود إلى بقاء بشار الأسد أو بشكل ما أركان دولته. الوصول إلى مثل هذا «الحل» مهم من أجل حفظ ماء وجه روسيا ومن قبلها إيران وإظهارهما بمظهر المنتصر.

هل سيستمر هذا التحالف بعد تسوية المسألة السورية؟ الأرجح أنه سيستمر برغم ما ذكرنا من نقاط خلاف بين الجانبين ما لم تتخذ الأطراف المتضررة منه خطوات عملية وواقعية في سبيل احتوائه وتفكيكه.


 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


 

[1] بدأت الضربات الروسية في 29/9/2015م وهي الضربات التي كانت - وبحسب جميع المراقبين - موجهة في غالبها الأعم لأهداف مدنية. ومن الصور التي لا تنسى في هذا الشأن مباركة الكنيسة الأرثوذكسية لهذه العمليات والحديث الروسي عن حرب صليبية جديدة.

[2] انظر مقالنا: «روسيا وإيران: جدل الواقع والتاريخ»، صحيفة القدس العربي، بتاريخ 5/10/2016م.