الدعم الأمريكي للدور العسكري الروسي في سوريا

بذلت الدبلوماسية الأمريكية خلال السنوات الثلاث الماضية جهوداً مضنية للتوصل إلى صيغة اتفاق شامل مع موسكو حول سوريا؛ ففي الفترة الممتدة ما بين اجتماع كيري-لافروف بموسكو في 7 مايو 2013، وإعلان واشنطن تعليق محادثاتها بشأن سوريا مع روسيا في 3 أكتوبر 2016؛ توصل وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي إلى العديد من التفاهمات، كان أبرزها: التدخل العسكري الروسي بسوريا في 30 سبتمبر 2015.

وبمجرد بدء العمليات العسكرية الروسية؛ بادرت واشنطن ولندن إلى إعلان ترحيبهما بمشاركة موسكو في «الحرب على الإرهاب»، في حين قررت فرنسا رفع مستوى التنسيق الأمني والسياسي مع روسيا عقب اعتداءات 13 نوفمبر 2015 على باريس، وبدورها؛ رحبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالتدخل الروسي مؤكدة أنه: «لن

يكون من الممكن إنهاء الحرب الأهلية في سوريا إلا بمساعدة روسيا»، وصدرت تصريحات مؤيدة من وزراء خارجية النمسا وإسبانيا، وذلك بالتزامن مع سحب السفن الحربية الفرنسية والبريطانية من شرقي المتوسط، وسحب حلف الناتو دفاعاته الصاروخية جنوب تركيا، وسحب حاملة الطائرات الوحيدة (USS Theodore Roosevelt) تاركة المجال الجوي لمنطقة شرقي المتوسط بأسره للطيران الروسي، وبات من الواضح أن واشنطن تعمل على إخراج موسكو من أزمتها الدبلوماسية مع الاتحاد الأوربي وتخفيف آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها عقب الأزمة الأوكرانية.

وأمام الدعوة المفتوحة لملء الفراغ الناتج عن سياسة الانكفاء الأمريكي بادرت موسكو إلى إظهار نفسها على أنها قوة عظمى قادرة على ملء الفراغ في المنطقة والتدخل والعسكري خارج إطار حدودها، فعملت على فرض واقع عسكري سوري جديد، مستهدفة مواقع المعارضة السورية في ريف اللاذقية وفي محافظات إدلب وحلب وحماة وحمص وريف دمشق ودرعا وأوقعت فيها خسائر كبيرة في صفوف المدنيين.

وتمثّل الإسهام الأمريكي بهذه الخطة في قطع الدعم العسكري عن مجموعة من الفصائل، وخفض المساعدات المالية عن مجموعات أخرى، وإيقاف الدعم المالي الذي كانت تقدمه لنحو 52 فصيلاً في الجبهة الجنوبية، وإعلان وقف برنامج «تدريب المعارضة المعتدلة»، في حين نشطت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في منع وصول أية

 

أسلحة نوعية يمكن أن تهدد المقاتلات الروسية، وعمدت إلى التضييق على ممولي الفصائل المعتدلة وإصدار قوائم بأسماء مطلوبين لملاحقتهم أمنياً في دول الجوار.

وقد تحدث تقرير لمعهد «أتلانتك كاونسل» (26 سبتمبر 2016) عن دور مركز العمليات العسكرية موك MOC الذي يعمل بقيادة أمريكية مقرها في عمان، في إضعاف فصائل الجنوب، حيث تم إنشاء غرفة عمليات روسية رديفة ساهمت في اغتيال قادة الجنوب، وإغلاق الحدود أمامها، ومنع علاج الجرحى، وتخفيض حجم المساعدات الإنسانية المتجهة إلى سوريا، وبات من الواضح أن غرفة «موك» تسير في سياسة منسجمة مع رغبات موسكو، حيث وضعت الغرفة خطاً أحمر على بعض المدن مثل الشيخ مسكين، الأمر الذي أعاق نجاح المعارضة ومنع تقدمها، كما أسهمت في تغيير مسار المعارك ضد النظام في ريف دمشق وإثارة الفتن بين الفصائل الرئيسة هناك.

في هذه الأثناء تكثفت الاتصالات بين كيري ولافروف حول «محاربة الإرهاب» في سوريا، دون الالتفات إلى حجم الخسائر البشرية والانتهاكات الإنسانية التي ألحقها القصف الهمجي الروسي بالمدنيين، وبات من الواضح أن المفاوضات لم تكن تهدف إلى وقف نزيف الدم السوري، ففي الوقت الذي تضاعفت فيه الغارات الروسية ضد المناطق الآهلة بالسكان؛ كان أوباما يعبر عن سعادته بنجاح الدبلوماسية في حمل النظام على التخلي عن سلاحه الكيميائي، وتأمين «دول الجوار» من خطر أسلحة الدمار الشامل؛ في حين أسهمت الدبلوماسية الأمريكية الروسية في تسريع وتيرة تدفق السلاح والميلشيات الطائفية لدعم النظام، ومنحت بشار الأسد وضباطه غطاءً كاملاً للاستمرار في انتهاكاته وضمان إفلاتهم من المحاسبة أو العقاب.

وظهرت الصورة المروعة للتفاهمات الأمريكية الروسية من خلال الاتفاقية التي تم إبرامها في 12 سبتمبر الماضي، وأطلق عليها: «الحد من العنف، واستعادة إمكانية وصول المساعدات الإنسانية، وإقامة مركز التنفيذ المشترك»، حيث خلت من أي بنود توقف الصراع الدائر في سوريا أو تنهي معاناة الشعب من خلال: فك الحصار عن مختلف المناطق والمدن، وعودة اللاجئين والمهجرين، وإطلاق سراح المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين والمغيبين، وما إلى ذلك من بنود إنسانية تضمنتها القرارات الأممية السابقة، والتي سعت موسكو وواشنطن إلى الالتفاف عليها عبر محاولة شرعنة الاتفاق الجديد من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن يلغي مرجعية سائر القرارات الأممية الأخرى وأبرزها: 2042/2012، و2043/2012، و2118/2013، و2139/2014، و2165/2014، و2178/2014، و2254/2015، و2268/2016.

وبدا من الواضح أن تفاهمات كيري-لافروف عمدت إلى تضييق دائرة الإرهاب في الجماعات «السنية» مقابل الاعتراف بالدور العسكري الذي تقوم به الميلشيات الطائفية ومجموعات المرتزقة والجماعات الإرهابية والتشكيلات الأجنبية التابعة لإيران.

كما استثنت الاتفاقية «وحدات حماية الشعب» الكردية من دائرة الاتفاق، واعتبرتها قوة منفصلة، وذلك بهدف منحها صفة الاستقلال الإثني الذي تصبو إليه، فضلاً عن إنشاء غرفة عمليات أمريكية روسية مشتركة أطلق عليها: «مركز التنفيذ المشترك»، والتي منحت بدورها الشرعية لعمليات القصف الروسية في مختلف أنحاء البلاد خارج المناطق المنصوص عليها في الاتفاق، مما يعد انتهاكاً للقانون الدولي ومخالفاً لقرارات مجلس الأمن.

تأهيل النظام: اللواء علي مملوك رئيساً للوزراء والعماد علي حبيب رئيساً للجنة العسكرية:

في هذه الأثناء كانت دبلوماسية المبعوث الأممي لسوريا ستافان دي مستورا تكرس فكرة بقاء بشار الأسد في الحكم خلال الفترة الانتقالية، وتدعو إلى تشكيل حكومة موسعة وإنشاء لجنة عسكرية مستقلة قوامها من القادة الأمنيين والعسكريين التابعين للنظام، حيث عمل المبعوث الأممي مع موسكو وواشنطن على إعادة تأهيل كل من وزير الدفاع السابق العماد علي حبيب رئيساً للمجلس العسكري، ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك الذي طُرح اسمه للمرة الأولى من قبل المسؤولين الروس أثناء مفاوضات فيينا في شهر نوفمبر 2015.

وكان من المثير للاستغراب أن يكشف موقع «إنتلجنس أون لاين» الأمني في شهر سبتمبر الماضي عن مشاركة اللواء علي مملوك في سائر الترتيبات المتعلقة بالغرفة المشتركة بين موسكو وواشنطن، في حين استبعدت واشنطن جميع حلفائها عن المفاوضات، وأشار التقرير إلى أن مملوك قد استُدعي من قبل موسكو في 6 سبتمبر أثناء التحضيرات التي كان الكرملين يعدها للإعلان عن الاتفاقية، حيث اجتمع مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، كما التقى مع مسؤولين من جهاز الاستخبارات الروسي (GRU).

وأكد الموقع أن مملوك هو الذي كان يقف خلف تسريبات الاتصالات الجارية بين دمشق وأنقرة من خلال جهاز الأمن الوطني التركي (MIT) ومكتب الأمن الوطني السوري الذي يترأسه مملوك نفسه، معتبراً أنه يقوم بدور محوري في ترتيب الملفات الخارجية مع واشنطن وموسكو وطهران، بهدف التوصل إلى اتفاقية يمكن أن يُعيّن بموجبها رئيساً للوزراء في المرحلة الانتقالية.

وفي تقرير سابق صدر في شهر يناير الماضي، أشار المصدر نفسه إلى أن اللواء علي مملوك كان من أبرز المؤيدين للتدخل الروسي، حيث كان يطمع إلى زيادة حظوظه في السلطة من خلال علاقاته القوية مع رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية ميخائيل فرادكوف ورئيس الجهاز السابق نيكولاي باتروشيف، ويشعر مملوك أن فرصه في خلافة بشار قد أصبحت كبيرة في ظل هيمنة الكرملين الذي يدعمه لتبوء منصب رفيع في مرحلة ما بعد بشار الأسد.

وأكد تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» أن رئيس حزب العمال التركي اليساري المعارض، دوغو بيرنيسيك، ونائبه الجنرال إسماعيل حقي بيكين، وهو قائد سابق للاستخبارات العسكرية التركية قاما بتمرير رسائل بين مسؤولي الحكومتين التركية والسورية، حيث زار بيكين دمشق ثلاث مرات في يناير وأبريل ومايو 2016 برفقة ضباط أتراك متقاعدين، والتقوا اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني، وتركز الحديث على كيفية تمهيد الأرضية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية والتعاون السياسي بين تركيا وسوريا، مؤكداً أن لقاءه مع مملوك مكنه من التواصل مباشرة مع رأس السلطة في سوريا، إذ «كان مملوك يستأذن للانتقال إلى غرفة مجاورة من أجل التحدث إلى الأسد مباشرة».

وعلى إثر تلك الاجتماعات تحدث موقع «ديبكا» في شهر يوليو الماضي عن قيام مجموعة من عناصر الاستخبارات التركية بزيارة سرية إلى دمشق، للتباحث مع رئيس المخابرات العامة اللواء علي مملوك حول قضايا تتعلق بتأمين الحدود بين البلدين، كما عُقدت اجتماعات سرية أخرى في إقليم «هاتاي»، وأشار التقرير إلى الاتصالات التركية مع النظام تجري ضمن عملية التقارب مع روسيا وتهدف إلى تحييد عوامل التوتر بين موسكو وأنقرة.

جدير بالذكر أن عملية تلميع اللواء علي مملوك لا تقتصر على موسكو فحسب، بل تقوم واشنطن وبعض حلفائها بالدور نفسه، حيث تحدثت مصادر أمنية مطلعة أن الرئيس الأمريكي قد أمر مبعوثه الخاص في التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، بريت ماكجورك، بفتح خط تفاوضي خلفي مع الدائرة المقربة للأسد، حيث تم التواصل مع وزير الخارجية وليد المعلم ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك، وذلك ضمن تفاصيل الصفقة السرية التي عرضها أوباما على بوتين في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي لإنشاء غرفة مشتركة بين البلدين.

وتفيد المصادر نفسها أن الحكومة الإيطالية هي الداعم الأكبر لفكرة إعادة تأهيل اللواء علي مملوك في المرحلة الانتقالية، حيث سرب موقع «إنتلجنس أون لاين» (13 يوليو 2016) معلومات دقيقة حول زيارة قام بها مسؤولون في الاستخبارات السورية إلى روما في 3 يوليو الماضي، وتناولت فرص تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الجماعات الإرهابية مقابل تطبيع العلاقات بين روما ودمشق.

وأكد التقرير أن رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإيطالي ألبرتو مانيناتي قد قام بزيارة سرية إلى دمشق لمناقشة سبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، ويبدو أنه يتمتع بصلات وثيقة مع رئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك الذي يحظى بتأييد واسع لتولي المرحلة الانتقالية في الأروقة الأوربية، وعلى رأسهم المبعوث الأممي لسوريا ووزيرة خارجية الاتحاد الأوربي موغيريني التي كانت مسؤولة دي مستورا أثناء عملهما بوزارة الخارجية الإيطالية قبل انتقالهما للعمل في الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة تباعاً.

وتنسجم هذه الأطروحات مع ما ذكره الرئيس الروسي بوتين لدى حديثه عن الخطة الانتقالية في سوريا من منظور موسكو، مؤكداً أن العمليات العسكرية الروسية تهدف إلى حماية النظام السوري وتعزيز قدراته القتالية، والقضاء على «الجماعات الإرهابية»، ومن ثم الإشراف على خطة انتقالية تتضمن وقف إطلاق النار، وتأسيس حكم انتقالي يضم أطرافاً من السلطة والمعارضة، مع التأكيد على ضرورة تمكين الحكم في دمشق من إدارة المرحلة الانتقالية، مشيراً إلى أن القوات الروسية لا تنوي التمدد إلى دمشق، بل سيقتصر وجودها في اللاذقية حيث ستعمل على حماية الأقلية العلوية ومنع المعارضة من التقدم باتجاه الساحل.

وعندما واجهت موسكو تصلب الهيئة العليا للمفاوضات تعاونت مع دي مستورا للترويج في الأروقة الأممية والأوربية لمشروع انتقال سياسي رديف يتم من خلاله توسيع المعارضة لتضم أطرافاً متعددة من رموز النظام ممن وصوفوا بالمعارضين، ودفعت بالمبعوث الأممي لطرح فكرة تشكيل حكومة سورية موسعة تضم أطرافاً من المعارضة «المعتدلة» برئاسة اللواء علي مملوك، وإنشاء لجنة عسكرية مستقلة يرأسها العماد علي حبيب.

الخطة ماضية برغم جلوس إدارة أوباما في المقاعد الخلفية المريحة:

تواجه الإدارة الأمريكية في أيامها الأخيرة مشكلة تذمر المؤسسات الأمنية والعسكرية إزاء ضعف واشنطن، حيث تحدث كيري بصراحة عن خذلانه، وذلك في ظل احتدام الخلاف بين وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين حول جدوى إنشاء غرفة عمليات مشتركة مع الروس في سوريا.

ويأتي ذلك التذمر عقب شعور أقطاب الإدارة الأمريكية بوقوعهم فريسة الدبلوماسية الروسية التي تقوم على مفهوم «السيطرة الانعكاسية» والمتمثلة في استخدام التضليل لإضعاف الطرف الآخر، حيث تعمل موسكو على إضعاف نفوذ واشنطن، واستهداف حلفائها، واستعراض قدراتها القتالية كبديل عن النفوذ الأمريكي وكمنافس في سوق السلاح، وتعمل على نشر قواعدها ومنظوماتها الصاروخية، في حين تُشغل الدبلوماسية الأمريكية بتفاصيل التعاون في محاربة الإرهاب دون أن ينعكس ذلك فعلياً على الأرض.

لكن ذلك لم يغير موقف الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته الذي بدا في اجتماع «لوزان» وكأنه يدفع بحلفاء واشنطن إلى الواجهة الدبلوماسية، والجلوس في المقاعد الخلفية حتى تمر مرحلة الانتخابات الرئاسية بسلام.

ففي اجتماع لجنة النواب في البيت الأبيض، مطلع شهر أكتوبر الجاري ناقش مسؤولون من وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية وهيئة الأركان المشتركة شن ضربات عسكرية محدودة ضد النظام لتعطيل قدراته وإجباره على وقف إطلاق النار، لكن أوباما بدا غير مستعد لتلك الخيارات.

ونقلت المصادر عن مسؤولين في الإدارة قولهم إن كيري لم يحبذ في الفترة الأخيرة استخدام القوة العسكرية الأمريكية ضد نظام الأسد، وأبدى رغبته في استمرار العمل الدبلوماسي مع روسيا، ويتوافق ذلك مع موقف منسق منطقة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، روب مالي، ومبعوث الرئيس الخاص للتحالف ضد «تنظيم الدولة»، بريت ماكجورك، اللذين عارضا أي تصعيد عسكري ضد نظام الأسد.

وأكد موقع «ديفنس ون» الدفاعي (29 سبتمبر 2016) أنه برغم ضغط الحلفاء الخليجيين والأوربيين للقيام برد فعل إزاء التصعيد الروسي الإيراني في حلب؛ إلا أن واشنطن رفضت تزويد المعارضة بأية مضادات للطائرات في اجتماعات عاصفة عقدت في الأيام الماضية، وتؤكد المصادر نفسها عدم وجود أية نوايا تصعيدية لدى الرئيس الأمريكي وذلك لرغبته في إتمام المهمة الروسية المتمثلة بكسر شوكة «جيش الفتح» واستئصال عناصر «جبهة فتح الشام»، وركونه إلى تقارير الاستخبارات الأمريكية التي أكدت أن روسيا لا تنوي توسيع مجال المواجهات، بل ستكتفي بتمكين النظام من السيطرة على حلب دون محاولة التقدم نحو إدلب.

وبرغم إعلان واشنطن تعليق المفاوضات بشأن سوريا مع موسكو إلا أن وزير الخارجية جون كيري لا يزال يتحدث هاتفياً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وتم الاتفاق على ترك قنوات التواصل مفتوحة بين البلدين، ولم يمنع التصعيد الروسي واشنطن من المضي قدماً في تنفيذ تعهداتها بحماية نظام الأسد خلال مرحلة المفاوضات، حيث عرقل البيت الأبيض مشروع قانون في الكونغرس يهدف إلى فرض عقوبات ضد نظام الأسد بسبب جرائمه ضد المدنيين، وأكدت مصادر أمريكية أن: «قيادة الديمقراطيين (في الكونغرس) أذعنت لضغط البيت الأبيض ساحبة دعمها للتصويت على المسودة في الوقت الحالي»، والتي كانت قد حظيت بموافقة الجمهوريين والديمقراطيين وتنص على فرض عقوبات ضد نظام الأسد لارتكابه جرائم حرب وفظائع ضد المدنيين.

ويسود السخط في دوائر المعارضة السورية من الدبلوماسية الباردة التي بذلها كيري خلال الأسابيع الماضية، والتي أفضت إلى منح الروس غطاء أمريكياً لإطباق الحصار على حلب وإنهاء أي أمل لحسم عسكري من قبل المعارضة وفك الحصار بالقوة، ومنع اتخاذ أي إجراء عسكري من قبل المعارضة لكسر ذلك الحصار، في حين بدا أن الضغط الروسي الأمريكي لإغلاق الراموسة والإصرار على دخول المساعدات من الكاستيلو يهدف إلى تعزيز موقع النظام ومساعدته في إحكام سيطرته على المواقع التي فقدها من قبل.

تأتي تلك التطورات في ظل سعي الكرملين لتعزيز قدراته العسكرية في سوريا من خلال إنشاء مرفأين بعمق 100 متر لكل واحد منهما مما يُمكن الفرقاطات الروسية من طراز (129m Neustrashimyy-class) والمدمرات من طراز (163m Udaloy-class) من الرسو في الميناء، والسفن الحربية من طراز (186m, long Slava-class) و(252m Kirov-class)، بالإضافة إلى حاملة الطائرات الروسية الوحيدة (305m Admiral Kuznetzov)، ويمهد ذلك لاتخاذ «طرطوس» الميناء الأساسي للسفن الروسية في البحر المتوسط، وخاصة (Moskva) التي تحمل مضادات للسفن وللغواصات، حيث تنوي موسكو الانتهاء من العمل على مشروع توسعة ميناء طرطوس بحلول ديسمبر من العام الجاري، وتتضمن الخطة إضافة مواقع للرسو، ومخازن للأسلحة ومباني للصيانة والخدمات اللوجستية والتزود بالوقود، حيث يتوقع وصول حاملة الطائرات (Kuznetsov) وعلى متنها 41 قاذفة بهدف إجراء اختبارات قتالية كاملة على تلك الطائرات وما تحمله من ذخائر، تتضمن إجراء اختبارات على استخدام صواريخ «X-38» الجديدة، تحملها مقاتلات ميغ «29»، وإجراء اختبارات لنظام استهداف جديد وعالي الدقة يدعى (SVP 24) عبر قاذفات سوخوي 33، لكن العملية في جوهرها تهدف إلى التقليل من تكاليف الوجود الروسي في سوريا؛ ففي مطلع سبتمبر الماضي خفض الروس عدد مقاتلاتهم إلى 50 مقاتلة، وبرغم إعلان النظام شن عملياته العسكرية ضد حلب في 12 سبتمبر بادر سلاح الجو الروسي بسحب 25 مقاتلة أخرى بحيث لم يتبقَ لهم سوى 25 قائفة من طرازي (SU-24) و(SU-34)، حيث تتجه روسيا إلى وقف عملياتها عبر فرض حل سياسي يحفظ مصالحها والعمل على تشكيل قوة متحركة يمكن الزج بها في وقت قصير.

السيناريوهات المتوقعة والفرص الكامنة:

تؤكد الدراسات الأمنية الغربية أن فرص التوصل إلى حل سياسي في سوريا لا تزال بعيدة المنال، خاصة وأن معظم الأطراف المتصارعة ميدانياً هي قوى خارجية عابرة للحدود، وعلى رأسها: الميلشيات الإيرانية ووحدات حماية الشعب، وتنظيم «داعش»، وهي غير معنية بالدبلوماسية الدولية ولا تشملها أية اتفاقيات تبرمها المعارضة مع النظام ضمن حوار داخلي.

ويمكن الاستشهاد بعدد كبير من التقارير الأمنية الغربية التي توقعت صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية في الوقت الحالي، مما دفع بمراكز الفكر الغربية لإنتاج مادة وفيرة حول ضرورة العمل على وقف النزيف البشري، وتخفيف معاناة الشعب السوري، والحد من أزمة اللجوء إلى الغرب عبر اقتراح خطط تقسيم.

إلا أن المنطقة تشهد تحولات عميقة قد تفضي إلى أحداث لا تتمكّن الدول الكبرى من السيطرة عليها؛ حيث تتحدث مصادر الكرملين عن تضاؤل قوات النظام إلى نحو سبعة آلاف مقاتل في الشمال، وقد تأخرت عملية حلب لفترة طويلة بسبب لجوء موسكو وطهران إلى شحن أعداد كبيرة من عناصر «حزب الله» اللبناني والمليشيات العراقية والأفغانية، حيث تعاني قوات النظام من انهيار كامل في تشكيلتها، في حين تؤكد المصادر أن بشار الأسد لا يتحكم عسكرياً على الأرض.

وفي دراسة أمريكية حديثة أكد الخبير العسكري «توبياس شنايدر» أن «القوة العسكرية للأسد تلاشت»، وأن وحدتي «القوات الخاصة» المعروفتين بـ«النمور» و«صقور الصحراء» تتألفان في الواقع من قوات غير نظامية، الأولى بقيادة ضابط من المراتب المتوسطة، والثانية بقيادة أخوين ممن اكتسبوا شهرة ومالاً من عمليات التهريب عبر الحدود مع العراق، معتبراً أن «الفرقة الرابعة» من قوات النخبة، التي يفترض أن ماهر، شقيق الرئيس السوري، يقودها، هي وهمية أكثر منها حقيقية، فيما يدير الأخوان مخلوف، ابنا خال الأسد، ميليشيات خاصة بهما، وكذلك يفعل عدد من رجال الأعمال، في حين انقسم «الجيش العربي السوري» إلى مجموعات قليلة الموارد والتسليح، تقتات على فرض الإتاوات على السوريين في المناطق التي تحاصرها.

وعلى الصعيد نفسه نشر الجنرال السابق ميخائيل خودارنوك على موقع «غازيت» الروسي المقرب من الكرملين بحثاً طالب فيه موسكو بسحب قواتها من سوريا قبل نهاية هذا العام تفادياً لانهيارات كبرى يمكن أن تقع؛ إذ إن جيش النظام يتوزع على ألفي حاجز محصنة وغير مرتبطة ببعضها، ويحتمي الجنود في كل حاجز وراء تحصينات خوفاً من هجمات المعارضة، ويقتاتون على ابتزاز السكان المحليين وسلب مواردهم.

ولاحظ الخبير الروسي أنه على مدى العام الماضي، كان جيش الأسد مهزوماً دائماً، ولم ينجح في شن هجوم ناجح واحد، وسبب ذلك انحدار الروح المعنوية للمقاتلين، مؤكداً أن النظام لا يسيطر إلا على الحدود مع لبنان، وعلى 50 كيلومتراً فقط من الحدود مع الأردن.

ورأت الدراسة صعوبة الاعتماد على سلاح الجو السوري الذي بات يشكل 70 بالمائة من القوة النارية لقوات الأسد على مدى السنوات الخمس الماضية، لكنه لا يوفر أي إسناد جوي لمقاتلي الأسد على الأرض، مؤكدة أن مقاتلات الأسد تغير منفردة لتوفير الموارد وتقليص المخاطر، في حين خسرت قوات الأسد 200 مقاتلة و150 طياراً، ومن غير الممكن تعويض هذه الخسائر الفادحة في القوات الجوية، خاصة وأن الاتفاقية مع موسكو بتدريب طيارين معلقة منذ فترة، مما يقلص عدد المقاتلات العاملة لدى الأسد إلى نحو أربعين فقط، تقابلها 40 مروحية ما زالت عاملة.

ومن جهة أخرى؛ أفضت عملية «درع الفرات» التركية إلى تلاشي طموحات الانفصاليين الأكراد بتشكيل كيان مستقل شمال البلاد والشروع في إنشاء مناطق حظر طيران، حيث أكد موقع «ديبكا» (30 سبتمبر 2016) أن عمليات القصف الهمجي في حلب تخفي وراءها صفقات هادئة تعمل على صياغتها القوى الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن عملية التوغل التركي في الشمال السوري هي جزء المداولات التي لم يُعلن عنها بين موسكو وأنقرة، حيث تهدف العملية إلى إنشاء منطقة آمنة على طول 98 كم وبعمق 25 كم، تمنح لمقاتلي المعارضة فرصة التراجع إليها والانفصال بصورة تدريجية عن تنظيمي القاعدة و«داعش»، مما يبرر الفتاوى التي أصدرها تنظيم «جبهة فتح الشام» بتحريم القتال مع الأتراك» إدراكاً منه بأن الاتفاق الروسي - التركي سيسهم في عزلها ويمكن قوات التحالف من استهدافها.

وتؤذن الحملة المزمعة على تنظيم «داعش» بتغيير جوهري في نمط الصراع، وطبيعة التحالفات القائمة، حيث تشعر موسكو بالعبء المالي لعملياتها العسكرية في سوريا والتي تناهز مبلغ 3 ملايين دولار يومياً.

ويبدو أن الانتخابات الأمريكية ستسفر عن تحولات كبيرة في تعامل واشنطن مع الملف السوري، في حين تؤذن التحالفات الجديدة لتركيا مع دول مجلس التعاون وتعاونها مع موسكو بتعزيز فكرة إنشاء مناطق آمنة شمال وجنوب شرقي البلاد، وسيساعد ذلك بدوره الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في محاولة القيام بدور أكثر فاعلية للخروج من حالة «الشلل» التي أصابت مجلس الأمن نتيجة الفيتو الروسي المتكرر.

ولا شك في أن هذه التحولات الإقليمية والدولية العميقة ستمنح قوى المعارضة حزمة من الفرص السانحة، والتي يمكن توظيفها لتحقيق الإستراتيجيات التالية:

العمل على تحقيق الشرعية والاعتراف الدولي: عبر تقوية البنية التحتية لكيانات المعارضة، والانتقال من حالة الفصائلية إلى الاحترافية عسكرياً، ومن الإغاثة إلى التنمية اقتصادياً، ومن المحاصصة العبثية إلى الكيانات الخدمية والوظيفية إدارياً، ويتطلب ذلك الدفع بإنشاء مناطق آمنة، وتحقيق الاعتراف الإقليمي والدولي بكيانات المعارضة وتمثيلها في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والمساهمة في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي، وذلك من خلال القيام بأدوار أمنية أساسية تسهم في حماية المدنيين، وحفظ المعابر والحدود مع دول الجوار، وتأمين طرق المواصلات.

توظيف حملة التعاطف الدولي لنزع الشرعية عن النظام: وذلك من خلال دعم التوجهات الأوربية لمحاسبة روسيا على الانتهاكات التي ترتكبها، وفرض المزيد من العقوبات عليها، والعمل على تعزيز عزلة النظام وإحالة رموزه إلى محكمة العدل الدولية، وتوظيف وسائل المحاسبة وضمان عدم الإفلات من العقاب.

صيانة وحدة البلاد: عبر الاستفادة من عملية «درع الفرات» وتراجع دور «حزب الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات حماية الشعب» الكردية للتوصل إلى صيغة سياسية تصون البلاد وتدرأ عنها مخاطر التقسيم، وتعزيز الدور الإيجابي للمجموعات الكردية الرديفة.

تبني دبلوماسية نشطة تدفع باتجاه دور فاعل للأمم المتحدة: وذلك من خلال الاستفادة من فرصة تعيين أمين عام جديد، وتنامي السخط الدولي من فشل مجلس الأمن بسبب الفيتو الروسي، وتعثر مهمة المبعوث الأممي بسبب توقف الدبلوماسية الأمريكية الروسية بشأن سوريا.

تشكيل محور تعاون إقليمي دولي: يتكون من الدول التي تقوم بدور فاعل في ظل «الغياب الطوعي» للإدارة الأمريكية خلال فترة الانتخابات الرئاسية، بحيث تكون المعارضة فيه نقطة الارتكاز والمحور الأقوى في المعادلة من خلال التقدم بحزمة مبادرات فاعلة تتناسب مع عمق التحولات.

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.