برغم الهدوء النسبي الذي شهدته أزمة تدفق اللاجئين إلى أوربا، خاصة من جانب السوريين، إلا أن المجتمع الأوربي لا يزال يشهد صراعاً داخلياً تقوده في الأساس قوى اليمين المتطرف ضد المهاجرين المسلمين بشكل عام، والتي كان آخرها الصعود الواضح في الانتخابات الرئاسية النمساوية لمرشح حزب الحرية اليميني المتطرف نوربيرت هوفر، الذي خسر بفارق طفيف عن منافسه ألكسندر فان دير بيلين بحصوله على 49.7٪ مقابل 50.3٪.

نتائج الانتخابات في النمسا تعكس صعود اليمين المتطرف

عكست نتائج الانتخابات النمساوية التي جرت في مايو الماضي صعود اليمين المتطرف في النمسا، حيث كان لدى هوفر مواقف مناهضة للاتحاد الأوربي، كما يعرب صراحة عن مخاوفه من تصاعد أعداد طالبي اللجوء، وإلى جانب ذلك يعلن صراحة موقفه المعادي للمسلمين بشكل عام.

يقول رئيس مبادرة مسلمي النمسا طرفة بغجاتي لـ«البيان»: «هوفر يرفض وجود وزيرة محجبة ويطالب بمنع الحجاب في المؤسسات العامة ويرفض جذرياً إمكانية دخول تركيا للاتحاد الأوربي، أما ألكسندر فان دير بيللين فهو مستقل ورئيس سابق لحزب الخضر ومعروف بحكمته وهدوئه ومدافعته عن حقوق الإنسان».

وأشار بغجاتي إلى أن «هذه الانتخابات كانت تمثل قراراً مصيرياً لتاريخ ومستقبل النمسا، إما أن يكون بلداً حضارياً منفتحاً أو منكمشاً على نفسه متخلفاً وضعيفاً من الناحية الاقتصادية».

لكن برغم هزيمة المرشح اليميني المتطرف في النمسا يبقى هذا الحشد الواضح لصالحه مثيراً للقلق حيال مستقبل التعايش بين المسلمين والمسيحيين في النمسا بشكل خاص، كما يعطي مؤشرات لصعود باقي تيارات اليمين المتطرف في مختلف البلدان الأوربية.

نظرة عنصرية تطارد المسلمين في أوربا

داخل المجتمعات الغربية تكتمل النظرة الطائفية التي تثير المخاوف المستقبلية من خلال مواقف اليمين المتطرف، وربما يظهر ذلك جلياً في تعالي أصوات تيارات تحمل في طياتها شعارات عنصرية ضد المسلمين واستغلال الهجمات الإرهابية التي وقعت في مناطق مختلفة من أوربا لإلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين بشكل عام.

كما شهد المجتمع الأوربي حوادث على أساس طائفي ربما تكون ناتجة بشكل مباشر عن تعالي صوت اليمين المتطرف، من بينها مقتل المواطنة المصرية مروة الشربيني في مدينة دريسدن الألمانية عام 2009 حيث طعنها مواطن ألماني بعدما وصفها بالإرهابية بسبب ارتدائها الحجاب.

وتكمن خطورة جماعات اليمين المتطرف في أوربا في كونها تدعو إلى استخدام العنف واستعمال السلاح لفرض القيم والتقاليد المجتمعية بالقوة، وهو ما يجعل المسلمين هدفاً صريحاً لها.

وما يزيد من خطورة اليمين المتطرف صعوده السريع وانتشاره في أنحاء أوربا، حيث تبلورت صورته الحديثة في تسعينات القرن الماضي في بادئ الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية عقب تفجير مدينة أوكلاهوما في أبريل 1995م على يد المتطرف الأمريكي تيموثي ماكفاي، ثم أعقب ذلك ظهور جماعة النازيين الجدد في ألمانيا وأعقبتها جماعات متطرفة أخرى في فرنسا وفي أوربا الشرقية.

وتعتمد حركات اليمين المتطرف على أسباب عرقية وإثنية حيث تؤمن بتفوق العنصر الأوربي الأشقر على سائر الأجناس الأخرى، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن وجود المهاجرين من غير الأوربيين في بلادهم قد يسبب خللاً في التركيبة السكانية وفي النسل، ومثال على ذلك «النازيون الجدد» في ألمانيا وحركة «جان ماري لوبن» في فرنسا.

لكن الخطورة الحقيقية لهذه الحركات تنبع من النزعة اليمينية المسيحية المتطرفة، حيث تشير مراكز بحوث ورصد أمريكية متخصصة في هذا المجال إلى أن عدد المجموعات المتطرفة والعنصرية ازداد بنسبة أكثر من 60% منذ عام 2000، فارتفع عددها من 602 مجموعة إلى أكثر من ألف مجموعة بحسب تقديرات مركز «ساوذرن بوفرتي لوو سنتر»، الذي أرجع صعود وتزايد هذه التيارات إلى الرغبة في مواجهة زيادة أعداد المهاجرين العرب المسلمين إلى أوربا، الذين يسعون إلى فرض أنماط حياتهم كالنقاب والحجاب على المجتمعات الغربية المسيحية.

أبعاد اقتصادية وراء زيادة الاضطهاد بحق المسلمين

إلى ذلك، يتخذ اليمين المتطرف مواقف مناهضة للمهاجرين المسلمين استناداً إلى أبعاد اقتصادية؛ فعلى سبيل المثال يدعي حزب «التقدم النرويجي» اليميني المتطرف أن زيادة نفقات الدولة نجمت عن زيادة الهجرة ومشاركة النرويج في تقديم المساعدات الدولية، وأن فتح الباب أمام المهاجرين كان سبباً في تناقص فرص العمل وارتفاع البطالة بين الشباب الأوربيين بشكل خاص بعدما اعتمد أصحاب الأعمال على العمالة الوافدة الرخيصة.

ومن شأن هذا الربط الذي تصنعه تيارات اليمين المتطرف بين العنصرية الدينية والأسباب الاقتصادية زيادة المخاوف بشأن استهداف وجود المهاجرين المسلمين بشكل خاص، وذلك في ضوء الأزمات الاقتصادية التي طرأت مؤخراً على الدول الغربية المتقدمة، والتي تشهد إضرابات ضد سياسات التقشف، وهو ما قد يعزز بطبيعة الحال من تفاعل المواطنين في أوربا مع توجهات اليمين المتطرف إزاء المهاجرين المسلمين باعتبارهم عبئاً ثقيلاً على اقتصاد بلدانهم.

يمكن من المنظور الاقتصادي استنتاج مدى تأثير تلك الرؤية على السياسات الأوربية خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط من خلال طريقة تعامل دول أوربا الشرقية مع اللاجئين، مثل إقامة أسوار بالأسلاك الشائكة في المجر لمنع اللاجئين، ولكن أيضاً من خلال إبعاد الاتحاد الأوربي للمهاجرين، أو إقصائهم خلال الـ25 عاماً الماضية.

ففي فرنسا يعيش نحو ثلاثة آلاف مهاجر حالياً في مدن الصفيح في ضواحي كاليه بشمال فرنسا، والتي تصفها تقارير صحافية بأنها «غابة شيطانية» بسبب انتشار الجرذان بها، والمياه الملوثة بالصرف الصحي، إلى جانب السكان الذين يعانون من مرض السل.

وتأتي محاصرة المهاجرين داخل تلك الغابة من الصفيح بسبب رفض بريطانيا السماح لهم بالعبور إلى أراضيها عبر بحر المانش، حيث وصفهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون السابق بأنهم «سرب هجومي».

ومن هنا، يمكن التطرق إلى رؤية تتبلور تدريجياً في المجتمعات الغربية، تتسق مع تيارات اليمين المتطرف، ودول أوربا الشرقية بشأن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدينية، ويمكن بالتالي استخلاص حالة صراع مستقبلية، ومشاهد عنصرية تربط بين المسارات سالفة الذكر، وتعزز نزعة الطائفية تجاه المهاجرين بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص.

 كذلك بات المهاجرون من مواطني رومانيا وبلغاريا يشكلون عبءاً إضافياً، وزادت معاناتهم في البحث عن فرص عمل في دول أوربا الغربية، حيث كانوا يفضلون الهجرة إلى إسبانيا وإيطالياً بحثاً عن سبل عيش أفضل، غير أن الأزمة الاقتصادية الحادة في كل من إسبانيا وإيطاليا وارتفاع عدد العاطلين عن العمل فيهما بشكل مذهل لم يترك المجال للمهاجرين من رومانيا وبلغاريا لإيجاد فرص عمل.

وعلى ضوء ذلك، تضاعفت أعداد المهاجرين من رومانيا وبلغاريا إلى ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، لكن العجز في الميزانية يدفع الكثير من المدن الألمانية إلى التقليص من نفقات دعم برامج اندماج المهاجرين الوافدين من بلدان شرق أوربا.

مسيحية أوربا.. ورقة أوربا الشرقية مع الغرب

الحضور المتصاعد في عدد المسلمين في أوربا يكشف عن مخاوف اعترت الأحزاب والقوى اليمينية خلال أزمة تدفق اللاجئين من سوريا إلى أوربا نهاية عام 2015؛ لكنها كانت أكثر وضوحاً على لسان قادة دول أوربا الشرقية التي تمثل رافداً مهماً للعمالة في دول أوربا الغربية.

فقد خرجت تصريحات وتظاهرات تدافع بشكل صريح عن «مسيحية أوربا»، وهو مصطلح قد يلخص نظرة طائفية وعنصرية لا تتوقف عند حد أزمة اللاجئين المتدفقين من البلدان الإسلامية، ولكن تستدعي مخاوف من شكل التعايش في دول أوربا الغربية بين المواطنين القادمين من دول أوربا الشرقية على خلفية عنصرية يتحدث بها قادتهم من جهة، والمسلمين المهاجرين من جهة ثانية.

فمن جهته، عبر رئيس الوزراء المجري «فيكتور أوربان» عن شكل هذه النظرة الطائفية عندما قال في خضم أزمة تدفق اللاجئين السوريين عبر بلاده إن «المهاجرين إلى أوربا يمثلون ثقافة مختلفة في العمق.. وغالبيتهم ليسوا مسيحيين بل مسلمين»، معتبراً أن «هذه قضية مهمة لأن أوربا والهوية الأوربية لهما جذور مسيحية». وتساءل أيضاً: «أليس من المقلق أن الثقافة المسيحية في ذاتها في أوربا لم تعد قادرة على إبقاء أوربا في نظام القيم المسيحية أصلاً؟»، مشيراً إلى أنه «إذا تناسينا ذلك فقد يجد الفكر الأوربي نفسه أقلية في قارتنا».

كما لم تكن التظاهرات التي خرج فيها آلاف في العاصمة البولندية رفضاً لتدفق اللاجئين السوريين على بلادهم سوى إشارة واضحة إلى النزعة العنصرية المتنامية، حيث رفع المتظاهرون لافتات مناهضة للإسلام مثل «الإسلام يعني الموت لأوربا»، داعين حكومة بلادهم للتخلى عن قرارها باستقبال لاجئين مسلمين، كما جرت تظاهرات مناهضة مماثلة في كل من براتيسلافا وبراغ، ودعا المتظاهرون خلالها حكومات بلادهم إلى الخروج من الاتحاد الأوربي.

تحمل هذه النظرة وغيرها من التظاهرات التي انطلقت لرفض المهاجرين المسلمين على أساس طائفي بعداً خاصاً في شكل العلاقة المستقبلية مع المسلمين الذين أصبحوا منافساً قوياً في تشكيل نسيج الدول الغربية.

انخفاض المواليد يغير ديموغرافية الغرب ويضع المسلمين في دائرة الاستهداف

يمثل مثلث المناهضة للمهاجرين المسلمين (اليمين المتطرف، أوربا الشرقية، الأزمات الاقتصادية) خطراً متنامياً، قد يكون مرشحاً أكثر فأكثر بالعودة مرة أخرى للنظر إلى حالة التنافسية بين العمالة الوافدة من دول أوربا الشرقية والمهاجرين المسلمين الذين أثبتوا قدرتهم على التعايش والاندماج في المجتمع، إلى جانب تمكنهم من الوصول إلى مناصب رفيعة.

في ظل الإحصائيات المتتالية حول ارتفاع نسبة الشيخوخة مقابل الانخفاض الحاد للمواليد في دول أوربا الغربية، تطفو على سطح الأحداث قضية مستقبلية لا تتعلق فقط باستقدام المهاجرين لتعويض هذا الخلل، وإنما في طبيعة التعايش بين جنسيات جديدة قادمة من دول وثقافات مختلفة، في ظل الصعود الواضح لقوى اليمين المتطرف في أوربا.

ففي مقابل الانخفاض الحاد في أعداد المواليد في الغرب تشير الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين في فرنسا هو الأكبر من بين دول أوربا الغربية، بعد أن تجاوز خمسة ملايين مسلم، كما تخطى أيضاً في ألمانيا أربعة ملايين نسمة، فيما وصل في بريطانيا إلى ثلاثة ملايين مسلم، وهو ما يمثل نسبة مهمة في الدول الثلاث التي يتراوح عدد سكانها بين 60 و80 مليون نسمة، لكن الأمر يكتسب أهمية خاصة إذا كان عدد مواطني هذه الدول آخذاً في الانخفاض بشكل ملحوظ، وإذا كان المسلمون في هذه البلدان وغيرها من البلدان الأوربية الأخرى نجحوا في الوصول إلى مناصب قيادية في مختلف المجالات.

المهاجرون المسلمون أثبتوا قدرة على الاندماج والتعايش

 بنظرة عملية على واقع المهاجرين المسلمين في المجتمعات الغربية يمكن استخلاص قبول المجتمعات لهم، على عكس التوجهات الإعلامية المناهضة للمسلمين، والتي يحركها اليمين المتطرف، فقد أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «برتلسمان» الألمانية للدراسات والبحوث في سبتمبر عام 2008 أن غالبية المسلمين في ألمانيا أكثر تسامحاً مما هو شائع عنهم برغم تدينهم، موضحة أن 90% من المسلمين في ألمانيا متدينون.

كما تعكس رغبة ألمانيا في استضافة اللاجئين السوريين إيمانها بنجاح تجربة المهاجرين المسلمين لديها، فضلاً عن أن سمعة السوريين الحسنة في ألمانيا سابقاً لعبت دوراً كبيراً في ذلك، حيث يعمل معظمهم في مهن علمية، إلى جانب ارتفاع نسبة التعليم بينهم، وعدم تورطهم في أعمال إجرامية، بالمقارنة مع اللاجئين من دول أوربا الشرقية في ألمانيا.

وفي إطار المقارنة ذاتها، قررت الحكومة الألمانية منح اللاجئين السوريين إقامة دائمة بعد ثلاث سنوات من إقامة اللجوء المؤقتة، على عكس تجربتها مع اللاجئين الصرب الذين وفدوا إلى ألمانيا في بداية التسعينات والذين قامت الحكومة الألمانية بإرجاعهم إلى بلادهم بعد انتهاء الحرب في يوغسلافيا السابقة.

 لكن في الوقت نفسه، يبدو الحديث أكثر قلقاً بشأن العلاقة المستقبلية بين الجنسيات الجديدة في أوربا، والتي ستشكل النسيج الجديد للمجتمع، في ظل العنصرية الصريحة في الحديث عن مسيحية أوربا والوافدين من أوربا الشرقية، إلى جانب فرص استقرار المهاجرين المسلمين، في ظل الصعود الواضح لليمين المتطرف، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي ربما تكون محوراً مهماً لخريطة سياسات الاتحاد الأوربي خلال الفترة المقبلة.

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.