إن من القواعد التي ينبغي أن تراعى ولا يغفل عنها في الحياة الزوجية قاعدة أشار إليها قول الله تعالى في سورة الأنبياء: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}، وذلك في سياق بيان استجابةِ اللهِ جلَّ وعلا لزكريا عليه السلام، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ 98 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: ٩٨، 90].

ومن تدبر هذه الآية الكريمة ظهرت له من معانيها حقائق كبيرة:

 فمن هذه الحقائق أن الله تعالى هو المصلح، الذي يُصلح الزَّوجَ ويصلح الزوجة!

 ومن هذه الحقائق ما نلحظه من دقة التعبير في قوله سبحانه: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}، فلم يقُل: «وأصلحنا زوجه»؛ لأن الزوجة قد تكونُ صالحةً في نفسها، بعبادتِها وصلاتها وقيامها، لكنها لم تصلح لزوجها، وكذلك الرجل قد يكون صالحاً في نفسه، في صلاته وعبادته واستقامته عموماً، لكنه ليس صالحاً لزوجته.

إذن، الذي يُصلحُ الزَّوجَ للزوجة أو الزوجة للزوج، هو اللهُ تعالى؛ فلنتوجَّه إليه جلَّ وعلا، من أجل إصلاح أزواجِنا إذا أصاب العلاقةَ شيءٌ من عدم الاستقرار، أو ضعفٌ في المودة والرحمة؛ وآية الروم قد أكدت أهمية هذا التوجه، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي: من آيات الله تعالى الكونية: {أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]؛ فهو الذي خلقكم وجعل بينكم المودة والرحمة؛ وهذا معناه أن نتوجه إليه جل وعلا إذا ما فُقِدت؛ فهو الذي جعلها، وهو الذي يصلحها، وهو الذي يأذن بإبطال أثرها، إذا لم تتحقق أسباب وشروط تحققها في واقع الحياة الزوجية.

وبرغم أنه لا معقِّب لحكم الله عز وجل، ولكن من باب الاطمئنان كما قال الخليل إبراهيم عليه السلام: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260]، من تأمل الواقع وجده شاهداً بهذه الحقيقة الكبرى!

ومن شهادة الواقع، ما نشهده في الذين يتوجهون إلى الله تعالى بإصلاح أزواجهم لهم؛ فنجد أنه كثيراً ما يتحقق لهم ذلك، ولاسيما إذا صدقوا في الالتجاء إلى الله بيقينٍ، وأزالوا الموانع التي أحدثت الفجوة، أو أوقعت الجفوة، أو أذهبت المودة والرحمة.

ومن أخطر الأشياء أن يستسلم الرجلُ أو أن تستسلم المرأة، لذهاب المودة، أو لفقد الرحمة، فيرضيا بوقوع الجفاء، فضلاً عن التوتر والخلاف والشِّقاق والمشكلات الزوجية، كما هو واقعٌ في كثيرٍ من البيوتِ، برغم ما جاءهم من البيِّنات والهدى.

زرتُ طالبَ علمٍ، فوجدت أنَّه يعاني من مشكلاتٍ داخلَ بيته؛ فسألته عن العلاج الذي اتخذه لحلِّ هذه المشكلات؛ وكنتُ في مجلس بيته، فاكتفى بأن أشار إلى سجادة في ذلك المجلس؛ ففهمتُ أنه يجتهد في التوجه إلى الله جلَّ وعلا، والتضرع إليه؛ فما مرت مدة من الزمن، إلا وقد عاد الاستقرار، ورجعت المودة إلى بيته؛ ولمَ لا؟! وهو قد سلك الطريق الأقرب! واتبع المنهج الصحيح: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50]، {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]، {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، فهذه الآيات كلُّها تؤكد هذه الحقيقة، ومما هو بدَهيٌّ أن الواحد منا إذا طرأ خلل في سيارته ذهب لمختص بإصلاح السيارات! وإذا اعترته علة في جسمه؛ توجه إلى الطبيب، وهكذا هو دائب في سائر شؤون حياته، وإذا كان الأمر كذلك أوليس الرجوع إلى الذي بيده أمر القلوب يصرفها كيف يشاء أولى! بلى. فمن البدهي بحسب الأصل والمنهج أن نعود إلى الله جلَّ وعلا، الذي خلق الزوجين، وبيده مفاتيح قلوبهما، ومقاليد أحوالهما؛ فهو الذي يصلحنا ويصلح لنا!

وصلاح الزوجة قد يكون نتيجةَ صلاحِ الرجل نفسِه، فإذا صلح الزوج صلحت الزوجة، وإذا صلحت الزوجة صلح الزوج، وكثيراً ما يكون من الخطأ تحميل أحد الطرفين المسؤوليةَ الكاملةَ لما وقعا فيه ووقعت فيه الأسرة، ففي الغالب لا بد أن يكون هناك خلل وقع من الطرفين معاً، وإن كان أحدُهما بادئاً بالغلط، أو متولِّياً كِبره، ولكن كان بإمكان الآخر أن يتدارك شيئاً ما، وأن يتوجَّه إلى الله جل وعلا، متضرِّعاً إليه أن يُصلحه ويصلح له زوجه!

نسأل الله عز وجل أن يصلح أنفسنا، ويصلح أزواجنا، ويصلح بيوتنا، ويصلح لنا شأننا كله، إنه هو الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.